فتاوى الطب والصحة والإجتهاد المقاصدي للدكتور القرضاوي

3- مجال الطب والصحة :
موقف الإسلام من الاستنساخ:

لقد بدأت المخاوف التي خشيها الإنسان من تطور الهندسة الوراثية ، تظهر فيما عرف اليوم باسم ( الاستنساخ ) حيث تم هذا الإنجاز في دنيا الحيوان في صورة النعجة (دولي ) الشهيرة ، التي لم تلد من التقاء الذكر والأنثى ، أو الكبش والنعجة، أو التقاء الحيوان المنوي الذكري بالبيضة الأنثوية كما هو المعتاد فيما خلق الله من حيوان وإنسان .

ولكنهم اخذوا بييضة من هذه النعجة المعينة، وفرغوها من نواتها، أي نزعوا منها النواة تماما ، ثم جاءوا بخلية حية من جسم النعجة ، ووضعوها في مكان النواة، فانقسمت وتكاثرت ، كما  في البيضة الملقحة ، بعد أن وضعت في رحم الشاة، وتم النمو الجيني المعتاد، حتى ولدت شاة كاملة ، مشابهة للشاة التي استنسخت منها تمام المشابهة، أي مشابهة التوأم للتوأم إذا كان من بييضة واحدة .

ومند نجاح الاستنساخ في عالم، الحيوان أصبح الاستنساخ في عالم الإنسان في دائرة الإمكان، وغدا هذا الأمر مخوفا لدى الكثيرين في العالم، وقبله أناس، ورفضه أناس ، من أجل ذلك تسأل الناس في عالمنا الإسلامي عن موقف شريعتنا من هذا الأمر الجديد : أتجيزه بإطلاق ؟ أم تجيزه ببعض الضوابط والقيود ؟

الاستنساخ في عالم الحيوان :
الاستنساخ في عالم الحيوان يجوز بشروط :
1-أن يكون في ذلك مصلحة حقيقية للبشر ، لا مجرد مصلحة متوهمة لبعض الناس .

2-ألا يكون هناك مفسدة أو مضرة اكبر من هذه المصلحة، فقد تبث للناس الآن -ولأهل العلم خاصة – أن النباتات المعالجة بالوراثة إثمها أكبر من نفعها، وانطلقت صيحات التحدير منها في كل أرجاء العالم .

3-ألا يكون في ذلك إيذاء أو ضرر بالحيوان ذاته، ولو على المدى الطويل، فإن إيداء هذه المخلوقات العجماوات حرام في دين الله .

الاستنساخ في مجال الإنسان :
إن منطق الشرع- بنصوصه المطلقة ، وقواعده الكلية ، ومقاصده العامة – يمنع دخول الاستنساخ في عالم الإنسان لما يترتب عليه من المفاسد التالية :

أ-أن الله خلق هذا الكون على قاعدة ( التنوع) ولهذا نجد هذه العبارة ترد في القرآن الكريم كثيرا بعد خلق الأشياء والإمتنان بها على العباد ( مختلف ألوانه ) فاختلاف الألوان تعبير عن ظاهرة ( التنوع ) .

والاستنساخ يناقض التنوع، لأنه يقوم على تخليق نسخة مكررة من الشخص الواحد، وهذا يترتب عليه مفاسد كثيرة في الحياة البشرية والاجتماعية، نذكر بعضها:

تصور فصلا من التلاميذ المستنسخين، كيف يميز المدرس بين بعضهم وبعض؟ وكيف يعرف المحقق من ارتكب جرما من غيره، والوجوب واحدة ، والمقامات واحدة ، والبصمات واحدة ؟

إن الحياة كلها ستضطرب، وتفسد إذا انتفت ظاهرة التنوع والاختلاف الألوان، الذي خلق الله عليه الناس .

ب-ثم هناك سؤال محير عن علاقة الشخص المستنسخ بالشخص المستنسخ منه: هل هو نفس الشخص باعتباره نسخة مطابقة منه أو هو أب له أو أخ له أو توأم له ؟

ج- مفاسد أخرى مجتمعة :

ثم إن الاستنساخ يعرض ( القطيع المستنسخ) للعدوى السريعة ، وربما للهلاك السريع إذا أصيب واحد منهم بمرض فسرعان ما يصاب مجموع المستنسخين بهذا الداء، وقد يقضي عليهم مرة واحدة ، لأن مجموعهم بمثابة شخص واحد.

ومن ناحية أخرى لا يؤمن أن يستخدم الاستنساخ في الشر، كما استخدمت القوة النووية وغيرها في تدمير وإهلاك الحرث والنسل .

فمن الذي يضمن لنا ألا تأتي بعض القوى الكبرى أو من يقلدها فتستنسخ جيشا من الأقوياء والعمالقة لتسحق به الآخرين ؟

ومن الذي يضمن لنا ألا تأتي بعض القوى الكبرى وتستخدم نفوذها لمنع الآخرين من هذا الاستنساخ وتحرمه عليهم في حين تجعله لنفسها، كما فعلوا في الأسلحة النووية ؟

د- على أن الاستنساخ بالصورة التي ذكرناها وشرحها المتخصصون : ينافي ظاهرة الإزدواج أو سنة ( الزوجية ) في هذا الكون الذي نعيش فيه، فهو يقوم على الاستغناء عن أحد الجنسين ، والاكتفاء بجنس واحد، حتى قالت إحدى الأمريكيات: سيكون هذا الكوكب بعد ذلك للنساء وحدهن .

لذلك فهو مميت للمؤسسة الزوجية، وقاتل للمجتمع الإنساني، ومعارض لمعاني المودة والسكن ، والرحمة والتآلف، والإعمار والتنمية، كما أنه لا يحقق الأسرة التي يحتاج الطفل البشري إلى العيش في ظلالها وحماها ، وغير ذلك من المعاني والقيم التي تتربى لدى الناشئة، بموجب البناء الأسري والتماسك الاجتماعي.

استخدام الاستنساخ في العلاج :
بقي سؤال مهم، وهو هل يجوز استخدام الاستنساخ في العلاج لبعض الأمراض؟ إذا كان المقصود استنساخ ( إنسان) أو (طفل) أو حتى (جنين) لتؤخذ منه (قطع غيار) سليمة، تعطى للإنسان مريض ، فهذا لا يجوز بحال؛ لأنه مخلوق اكتسب الحياة الإنسانية – ولو بالاستنساخ – فلا يجوز العبث بأجزائه، ولا بأعضائه ولو كان في المرحلة الجنينية، لأنه قد أصبحت له حرمة .

لكن إذا أمكن استنساخ أعضاء معينة من الجسم مثل القلب أو الكبد أو الكلية أو غيرها، ليستفاد منها في علاج آخرين محتاجين إليها، فهذا ما يرحب به الدين ويثبت عليه الله وتعالى ، لما فيه من منفعة للناس دون إضرار بأحد أو اعتداء على حرمة أحد .

حكم إجهاض الحمل الناشئ من اغتصاب .

الأصل في الإجهاض هو المنع، مند يتم العلوق ، أي مند يلتقي الحيوان المنوي الذكري بالبييضة الأنثوية، وينشأ منهما ذلك الكائن الجديد، ويستقر في قرار المكين في الرحم .

وهذا ما أختاره للفتاوى في الحالات العادية ، لكن في حالة الأعذار لا بأس بالقول بجواز ذلك وكلما كان العذر أقوى كانت الرخصة أظهر ، وكلما كان ذلك قبل الأربعين الأولى كان أقرب إلى الرخصة .

ولا شك أن الاغتصاب من عدو كافر فاجر ، معتد أثيم لمسلمة عذراء طاهرة، عذر قوي لدى المسلمة ولدى أهلها ، وهي تكره الجنين – تمرة الإعتذاء الغشوم – وتريد التخلص منه، فهذه رخصة يفتي بها للضرورة، التي تقدر بقدرها “وتدرك الضرورة في حالة الاغتصاب بأن المعتدي عليها تصاب في الغالب الأعم بمرض نفسي يؤدي إلى مرض جسماني قد يؤدي بحياتها ، فإسقاط الجنين في هذه الحالة أخف ضررا من موتها… وتدرك الضرورة أيضا مع وجود طفل غير شرعي يحتاج إلى من يقوم بتربيته ، ناهيك بأن المجتمع المحافظ كما هو الحال في المجتمعات الإسلامية لا يقبل في الغالب وجود أطفال غير شرعيين، الأمر الذي قد ينتج عنه أضرار لهم أنفسهم وللمجتمع الذي يعيشون فيه “.

على أن من حق المسلمة التي ابتليت بهذا المصيبة في نفسها، أن تحتفظ بهذا الجنين ، ولا حرج عليها شرعا، ولا تجبر على إسقاطه .

حكم زرع عضو من حيوان نجس في جسم المسلم:
زرع عضو من حيوان محكوم بنجاسته كالخنزير مثلا، في جسم إنسان مسلم، الأصل فيه ألا يلجأ إلى ذلك إلا عند الضرورة ، وللضرورة أحكامها، على أن يراعي أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدره، وأن يقرر نفع ذلك التقات من الأطباء المسلمين .

فإن قيل إن الخنزير نجس، فكيف يجوز إدخال جزء نجس في جسد مسلم؟ فالجواب : أن الممنوع شرعا هو حمل النجاسة في الظاهر، أي خارج البدن ، أما في داخله، فلا دليل على منعه، إذا الداخل محل النجاسات من الدم والبول والغائط، وسائر الإفرازات، والأسنان يصلي، ويقرآ القرآن ، ويطوف بالبيت الحرام ، وهي في جوفه، ولا تضره شيئا، إذا لا تعلق لأحكام النجاسات بها في داخل الإنسان .

حكم زرع الخصية:
نقل الخصية من شخص إلى شخص آخر لا يجوز، وذلك لما فيه من المفاسد، فالعلماء المتخصصون يقررون أن الخصية هي المخزن الذي ينقل الخصائص الوراثية للرجل ولأسرته وفصيلته ودريته، وزرع الخصية في جسم إنسان ما يعني أن دريته – حين ينجب- تحمل صفات الإنسان الذي أخذت منه الخصية، من البياض والسواد، والطول والقصر ، والذكاء أو الغباء ، وغير ذلك من الأوصاف الجسمية والعقلية والنفسية ، وهذا يعتبر لونا من اختلاط الأنساب الذي منعته الشريعة بكل الوسائل ، فحرمة الزنا والتبني ، وإدعاء الإنسان إلى غير أبيه، ونحو ذلك، مما يؤدي أن يدخل في الأسرة أو القوم ما ليس منهم ، فليس مسلما أن يقال أن الخصية إذا نقلت إلى شخص أصبحت جزءا منه، وتأخذ حكمه في كل شيء.

فهرست الموضوعات
المـقـدمـة
الفصل الأول : التعريف بالشيخ يوسف القرضاوي :
1- مولده ونشأته ومؤهلاته العلمية
2- أعماله الرسمية
3 – جهوده ونشاطاته في خدمة الإسلام
4 -مؤلفاته الفصل الثاني : التعريف بالاجتهاد المقاصدي :
1 تعريف الاجتهاد في اللغة والاصطلاح
أ تعريف الاجتهاد في اللغة
ب تعريف الاجتهاد في الاصطلاح
2 تعريف المقاصد في اللغة والاصطلاح
أ تعريف المقاصد في اللغة
ب تعريف المقاصد في الاصطلاح
3 مفهوم الاجتهاد المقاصدي
الفصل الثالث : تاريخ الاجتهاد المقاصدي
1 الاجتهاد في العصر النبوي
– مقاصد السنة
– مقاصد النسخ في الأخبار
– مقاصد التعارض والترجيح
2- الاجتهاد المقاصدي في عصر الصحابة
– وراثتهم النبو ونقله إلى كافة أجيال الأمة
– أثارهم في المقاصد
– الوقائع التي اجتهدوا فيها
– إجمالهم على ترك الحي
3-الاجتهاد المقاصدي في عصر التابعين
– وراثتهم لعلم الصحابة وهدي النبوة
– أخذهم بالنص والمصلحة والقياس
– اختلاف عصرهم عن عصر الخلافة
– اجتهادهم في النوازل
– إنكارهم للحيل
4- الاجتهاد المقاصدي في عصر أئمة المذاهب
– وراثتهم للهدي النبوي وعلم السلف
– أصولهم في الاستنباط
– مقاصدية الاستحسان
– مقاصدية المصلحة المرسلة
– مقاصد العرف
– مقاصدية سد الدرائع
– مقاصدية النوازل التي اجتهد فيها الأمة
5-الاجتهاد المقاصدي عند عموم الفقهاء والأصوليين :
– مظاهر الاجتهاد المقاصدي عند عموم الفقهاء والأصوليين
– التصريح بالمقاصد الشرعية
– الفروع الفقهية والأمثلة التطبيقية
– القواعد الشرعية
– مستثنيات القواعد
– مراعاة الخلاف وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال
– الاعتداد بالمصاب التبعية
– مشاهير علماء المقاصد الفصل الرابع : ضوابط الاجتهاد المقاصدي ومجالاته
أ – ضوابط الاجتهاد المقاصدي
1 -دواعي العمل بالضوابط المقاصدي
2 -الضوابط العامة والشروط الاجمالية للاجتهاد المقاصدي
– شرعية المقاصد وربانيتها
– شمولية المقاصد وواقعيتها وأخلاقها
– عقلانية المقاصد .
3 – الضوابط الخاصة للاجتهاد المقاصدي :
– ضوابط المصلحة المرسلة
– ضوابط العرف
– ضوابط التعليل ب
– مجالات الاجتهاد المقاصدي
1 -القطعيات التي لا تقبل الاجتهاد المقاصدي
– العقيدة
– العبادة
– المقدرات
– أصول المعاملات
– عموم القواطع
2-الظنيات التي تقبل الاجتهاد المقاصدي :
– الوسائل الخادمة للعقائد
– الوسائل الخادمة للعبادة
– كيفيات بعض المعاملات
– النوازل الاضطرارية
– المسائل المتعارضة
– عموم الظنيات الفصل الخامس : منهج الشيخ يوسف القرضاوي في الافتاء المقاصدي
1- عدم التعصب والتقليد
2 – التيسير وعدم التعسير
3 – مخاطبة الناس بلغة العصر
4 – الإعراض عما لا ينفع الناس
5 – الاعتدال بين المتحللين والمتزمتين
6 – إعطاء الفتوى حقها من الشرح والإيضاح
الفصل السادس : مظاهر الاجتهاد المقاصدي من خلال فتاوى الشيخ يوسف القرضاوي
: 1- مجالات العبادة :
أ- الطهارة والصلاة :
– المسح على الجوربين
– الحكمة من الاغتسال من الجنابة
– الحكمة من صلاة الكسوف والخسوف
– صلاة المأموم منفردا خلف الصف
ب- الصيام والزكاة
-الحكمة من السحور
-إخراج الفطرة بقيمتها من النقود
-زكاة الرواتب والأجور ج
– الحج والعمرة
– حج التطوع أو الصدقة
– مقام إبراهيم هل يجوز نقله من مكانه ؟
2- مجال شؤون المرأة
– الحكمة من الزواج والجماع
– عدة المطلقة قبل الدخول بها
– حكم المهر وحكمته
– حكم زواج المسلم من الكتابية
– حدود وعودة الرأة
3- مجال الطب والصحة :
– موقف الإسلام من الاستنساخ
– حكم إجهاض الناشئ عن الاغتصاب
– حكم زرع عضو حيوان نجس في جسم إنسان
– حكم زرع الخصية
4- مجال المجتمع ومجالاته .
– تشميت العاطس : حكمة وحكمته
– نبش مقبرة قديمة للمصلحة
– المقصد من آداب الطعام الواردة في الأحاديث النبوية5
– مجال الحكم والسياسة
– حكم دخول مسلمي الأرض المحتلة برلمان الدولة اليهودية
– حكم مشاركة الفرد والجماعة المسلمة في حكم غير إسلامي
– حكم تعدد الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية
خاتمة
_________________________________
– فتاوى معاصرة ، ج3 ، ص 522.
– كانت هذه الفتوى جوابا عن سؤال تقدمت به نسوة من البوسنا والهرسك أثناء زيارته لتلك البلاد الإسلامية .
– مجلة البحوث الفقهية المعاصرة ، العدد 17 ص 204.
– فتاوى معاصرة ، ج2 ، ص 609.
– فتاوى معاصرة ، ج2 ، ص 538.
– نفسه ، ص 539.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *