التفسير التشريعي والقضائي للقاعدة الجنائية

الآثار المرتبة على مبدأ الشرعية – المبحث الثاني:
المطلب الأول: التفسير الضيق للقاعدة الجنائية
حتى يقوم القاضي الزجري بدوره في تطبيق القاعدة القانونية وقوفا على معناها بدقة وضمان التطبيق الجيد لها حتى يتسنى له فهمها فهما وعميقا ويستطيع بذلك تفسيرها   تفسيرا واضحا وبالتالي ضمان التطبيق الجيد لها، إلا أن هذا التفسير لا يخضع لمحض إرادة فهم القاضي ومنطقه، وإنما يخضع لقواعد المعينة يجب التفسير وفق مقتضياتها لأنها بدورها قواعد قانونية ملزمة للقاضي ولكل الهيئات والأشخاص الدين يطبقون القانون الجنائي[1].

فإذا كان النص الجنائي واضح فإن هذا لا يثير أي إشكال إلا أن في بعض الحالات قد يكتنف النص الجنائي بعض الغموض، الشيء الذي يحول دون فهم محتواه ومضمونه.

كما أنه قد يأتي في بعض الأحيان قاصر عن شموله لبعض الأحداث التي تقع في بعض الأعمال والتي لم يتصورها المشرع عند وضعه للنص في هذه الصورة يقوم القاضي بالبحث عن قصد وإرادة المشرع واضع النص وهذه العملية هي التي يطلق عليها بعملية تفسير النصوص الجنائية من طرف القاضي[2].

وخلافا للقاضي المدني الذي له حرية واسعة في تفسير النصوص في حالة عدم وجود نص مكتوب يطبقه على الواقعة أمامه فإنه يلجأ إلى المصادر الأخرى للقانون كالشريعة الإسلامية والعرف..[3] فإن القاضي الزجري محكوم بقاعدة عدم التوسع في تفسير النص الجنائي أو ما يطلق عليه مبدأ التفسير الضيق للنص الجنائي[4].

وهكذا يقصد بالتفسير تحديد المعنى الذي يقصده الشارع من ألفاظ النص لجعله صالحا للتطبيق على وقائع الحياة[5] وينقسم إلى نوعان: التفسير التشريعي والتفسير القضائي.

أولا: التفسير التشريعي
وهو عبارة عن نصوص تشريعية ملزمة للقاضي يصدرها المشرع لتفسير النصوص السابقة رأى أنها تحتاج إلى تفسير من خلال اختلاف أنظار القضاة عند تطبيقها[6] وهدف المشرع من إصدار هذه النصوص المفسرة هو توضيح ألفاظ النص لكي لا يقع خلط أو تشابه أو تعارض في فهمها وتطبيقها[7].
ومن أمثلة هذه النصوص التي جاءت مفسرة لبعض الألفاظ:

  • الفصل 125 ق.ج المحدد لمدلول حالة الدفاع الشرعي
  • الفصل 511 ق.ج المحدد لمدلول المنزل المسكون في السرقة
  • الفصل 512 ق.ج المحدد لمدلول االكسر في السرقة
  • الفصل 513 ق.ج المحدد لمدلول االتسلق في السرقة.
  • الفصل 303 ق.ج المحدد لمدلول السلاح في تطبيق أحكام القانون الجنائي.

وهذا النوع من التفسير التشريعي يصدر مع النصوص الجنائية التي تحتمل أن تطرح بعض الغموض عند تطبيقها.

ثانيا: التفسير القضائي
هو الذي يصدر عن القاضي  وهو يفصل في واقعة معروضة عليه، وهدفه تطبيق القانون على هذه الواقعة[8].

والتفسير القضائي يقوم بدور أساسي في تقدم القانون الجنائي وتطوره وضمان العدالة بين المتقاضين[9]، وإذا كان القاضي حرا في تكوين قناعته فسلطته محدودة في تفسير النصوص القانونية لأنه محكوم بمبدأ التفسير الضيق لقواعد القانون الجنائي

إلا أن القاضي الزجري يجد نفسه أمام قانونا متضاربا أو قلقا في ظاهره إذ يتبادر إلى الذهن أن الواقعة الواحدة يمكن أن تنطبق عليها عدة قواعد في جين أن الواقعة الواحدة لا يمكن أن تنطبق عليها إلا قاعدة واحدة، ومثال ذلك تطبيق النص المتعلق بخيانة الأمانة أو السرقة عندما يكون مرتكب الفعل يشتغل لدى الضحية، ويقوم باختلاس أشياء أو مبالغ مالية فيقع التضارب حول تأويل النص الواجب التطبيق أهو النص المتعلق بخيانة الأمانة

بناءا على قيام علاقة شغل أم هو سرقة بناءا على عملية الاختلاس فقط[10].

ومن أهم مبادئ القانون الجنائي الشك يفسر لصالح المتهم واستبعاد عملية القياس في تفسير القواعد الجنائية لتجنب خلق جرائم وعقوبات لم ينص عليها القانون وبالتالي تجنب خرق مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات[11].

1- عدم جواز استعمال القاضي الجنائي للقياس
يقصد بالقياس أن يقيس القاضي الجنائي واقعة لم يرد النص بتجريمها على واقعة أخرى جرى النص بتجريمها، فيوقع عليها العقاب لمجرد تشابه الواقعتين والقياس عمل مباح في الميدان المدني أما في الميدان الجنائي فهو ممنوع مهما كانت خطورة النشاط الإجرامي لأنه من شأن الأخذ بالقياس تجريم أفعال لم يجرمها المشرع والحكم بعقوبات لم يرد النص عليها في القانون الجنائي ويؤدي به إلى المساس بمبدأ الشرعية الجنائية[12]. وبذلك إذا عرضت على القاضي وقائع متضمنة أفعال آتها شخص دون أن تكون مجرمة صراحة فانه يمتنع على القاضي نهائيا إدانة مؤتي هذا النشاط مهما كانت خطورته[13] فإذا أبيح القياس للقاضي الجنائي لانهار مبدأ الشرعية من أساسه إذ سيصبح القضاء مصدرا للتجريم كما كان الأمر في العصور الوسطى.

إلا أنه في بعض الحالات العملية يجد القاضي نفسه أمام واقعة منكرة وضارة بالمجتمع ولا يجد لها نص يطبقه عليها في هذه الحالة يجد القاضي نفسه في مفترق الطرق أمام بشاعة الجريمة المرتكبة وعدم وجود نص يطبق عليها وخوفا من إفلات الجاني من العقاب لعدم وجود النص أي أن يد القاضي مقيدة بمبدأ الشرعية الجنائية ولا يمكنه إعمال القياس هنا يكون القاضي أمام إشكالية معقدة عليه حلها[14] ولا يمكنه الامتناع عن النظر في الدعوى لعدم وجود نص قانوني، وإن هو فعل ذلك سيكون مرتكبا لجنحة إنكار العدالة[15].

وتجدر الإشارة إلى أن جميع القوانين الحديثة رفضت مبدأ القياس تجنبا لخرق مبدأ الشرعية، باستثناء النظامين الديكتاتوريين النظام السوفياتي والنظام النازي الألماني  إذ في روسيا أخذ قانون 1928 بالقياس صراحة شأنه في ذلك النظام النازي والغرض هو بسط الحكام المتسلطين سلطتهم لتطال خصومهم السياسيين وتقمع أصوات الحق[16].

2- تفسير الشك لصالح المتهم
إذا تعذر على القاضي فهم قصد المشرع بعد استنفاذه كل طرق التفسير الذي قد يوصله إلى إرادة المشرع واضع النص في هذه الحالة أن النص الغامض يجب أن يفسر  لصالح المتهم[17] وبالتالي الحكم ببراءته لأن الأصل في الإنسان  البراءة والقاضي عند تكوين لقناعته وإصداره للحكم يكون محكوم بمبدأ “أن الأحكام الجنائية لا تبنى إلا على اليقين”.

وعليه فكل شك يخامر القاضي في إمكانية انطباق النص من النصوص الجنائية على الوقائع المعروضة أمامه إلا امتنع عليه إدانة المتهم[18]، وترجيح الشك لفائدة المتهم وأن يقضي ببراءته وقد جاء في قرار بمحكمة التعقيب التونسية لا تبنى الأحكام على الظن والتخمين وتأسيسا على ذلك فإذا قضت المحكمة بما لا يمكن الاعتماد عليه من الحجج والمؤيدات وكان قضائها مبنيا على مجرد استثناءات لا يؤيدها الواقع، فإن حكمها يكون ضعيف التعليل ومستهدفا للنقض[19].

وجدير بلفت الإنتباه إلا أنه يجب على القاضي بذل كل جهده في تفسير النص والتقصي عن قصد المشرع بكل طرق التفسير المتاحة وإذا أمكنه الوصول إلى قصد المشرع وبدى له النص واضحا جليا إذ ذاك لم يبقى له سوى أن يطبقه على المتهم سواء كان لمصلحته أو ضده[20].
مبدأ الشرعية الجنائية
____________________________
[1] – إدريس الكريني، السلطة التقديرية للقاضي الزجري، مطبعة التلمساني، الطبعة الأولى 2004، ص260
[2] – عبد الواحد العلمي،  المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي، مطبعة  النجاح الجديدة. طبعة 1998 ص 100
[3] – إدريس الكريني، المرجع السابق، ص 266
[4] – عبد الواحد العلمي،  المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي، ، ص: 101
[5] – محمود نجيب حسني: شرح قانون العقوبات اللبناني القسم العام،  المجلد الأول: منشورات حلبي، الطبعة  الثالثة، 1998، ص: 126
[6] – عبد الواحد العلمي،  المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي، ، ص: 100
[7] – إدريس الكريني،المرجع السابق، ص: 260.
[8] – محمود نجيب حسني، مرجع  سابق، ص: 127
[9] – محمد بن جلون المرجع السابق،  ص: 67
[10] – الفصل 505 من القانون الجنائي الذي ينص على ” من اختلس مالا مملوكا للغير يعد سارقا”
الفصل 547 ق.ج “من اختلس أو بدد بسوء نية ” النصان يتشابهان في شيء واحد “الاختلاس” قد يشتبه الأمر على القاضي في حالة وجود عقد شغل عندما يرتكب الفاعل فعلا يعد اختلاسا من محل شغله أيعتبر ذلك الفعل سرقة أم خيانة الأمانة ففي هذه الحالة تكون العبرة ليس بعقد الشغل وإنما بالعقد الخاص الحراسة أو الوديعة فإذا استوحد الفاعل على المال المحروس من طرفه أو المودع لديه تكون الجريمة خيانة الأمانة، وإلا كانت سرقة إذا لم يتوفر احد العقدين ولو كان بين الضحية والجاني عقد شغل… راجع في ذلك إدريس الكريني، المرجع السابق، ص 264 وما بعدها
[11] – إدريس الكريني، مرجع سابق، ص: 263
[12] – عبد الرؤوف مهدي ، شرح القواعد العامة لقانون العقوبات،  مطبعة الأطلس القاهرة،  سنة نشر وطبعة غير مذكورتان، ص: 94.
[13] – – عبد الواحد العلمي:  المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي، ص 100
[14] – إدريس الكريني، المرجع السابق، ص: 266-267
[15] – محمد بن جلون: المرجع  السابق،  ص 66
[16] –  إدريس الكريني، مرجع سابق، ص: 267-268
[17] – عبد الواحد العلمي،  المبدئ لعامة للقانون الجنائي المغربي” مرجع سابق، ص: 104
[18] – عبد الواحد العلمي،  المبدئ لعامة للقانون الجنائي المغربي” مرجع سابق، ص: 105
[19] – إدريس الكريني، مرجع سابق، ص: 268
[20] – إدريس الكريني، مرجع سابق، ص: 269



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *