مراحل نشأة الزوايا

نشأة الزوايا – المبحث الثاني :
إن الزاوية هي رباط للاعتكاف الروحي وللجهاد،وهي مؤسسة للتوعية الدينية، ونشر الفكر الإسلامي، ومجال للدعوة الكسب السليم، وقد جعل كبار الصوفية من العمل الموصول ركيزة لا تتنافى مع عبادة سنة يتعلق القلب فيها بالله.
وإذا رجعنا إلى تاريخ نشأة الزاوية وظهورها يصعب علينا تحديد تاريخ معين ومضبوط يؤرخ زمن ظهورها لأن وظائفها وأدوارها كانت تمارس قبل تحديد الأمكنة وتخصيصها بعينها وهذا واضح في كتاب ” التصوف والمجتمع ” اشتراط الصوفية لممارسة التصوف”، وكان للمكان دور واضح لجمع المريدين، واختلفت الأمكنة اختلافا قد يكون مكان الاجتماع للذكر بناء موقوفا على الطلبة والمريدين[1].

والملاحظ ان المؤرخين لم يكونوا يميزون في الاستعمال بين الرباط والزاوية فقد يطلقان المصطلحان على نفس المكان الرباط والزواية،” إن إطلاق الرباط على الزاوية والعكس قد تم في القرن الثالث عشر للميلاد وذلك اعتبارا لتداخل الوظائف، فيحدد الإطلاق بتغليب أحدهما على الآخر[2].
وبهذه الطرق الصوفية الدينية العتيدة، وبواسطة رجال الزوايا انتشر الإسلام في إفريقيا” وفي القرن الثامن الهجري انتشرت الزوايا بالمغرب”[3] وبدأ دورها ينظم بشكل بارز داخل المجتمع المغربي.

لقد ميز بعض الباحثين في التأريخ المغربي بين ثلاث مراحل أساسية مر بها التصوف في المغرب، فهناك من يقسمها إلى : المخاض، والانطلاق ثم مرحلة التنظيم والهيكلة، كما ان هناك من يقسمها بتسميتها أخرى دالة على نفس المراحل وهي مرحلة الزهد، مرحلة ظهور التصوف،مرحلة ظهور الطوائف الصوفية.

أولا : مرحلة المخاض وتأسيس الدولة .
لقد امتدت هذه المرحلة منذ أواخر عهد الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا واستمرت خلال مرحلة الحكم المرابطي، وهي المرحلة التي تميزت بغلبة الجانب الجهادي الزهدي عبر انتشار الرباطات الجهادية، وقد كانت نتيجة ذلك المباشر على الذهنية السائدة، هو ظهور نوع من التمازج بين الفقه والأفكار التي بدأت بالظهور في المغرب حول التصوف والناتجة عن حياة الرباط المعتمدة على الزهد والانعزالية ومفاهيم الجهاد والتضحية من أجل نشر الدين لقد كان نشر الإسلام ومدافعة الكفار وتوحيد الدولة في هذه الفترة هي الهواجس الغالبة على الذهنية السياسية للمجتمع فكان الانزواء في الرباط التعليمي لتعليم الدين ونشره وجهاد الكفار هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى ظهور توحد لدى فقهاء المرحلة، وهم : زهاد الرباطات وشيوخها، تمثل في ضرورة إنشاء دولة قامت على أكتاف تلاميذ الرباط وهي دولة المرابطين التي دشنت ميلاد فكرة الدولة الموحدية في المغرب والتي ساهمت في الخروج من أزمة التشتت والضعف التي كان يعيشها الغرب الإسلامي .
ظهور التصوفوكانت هذه المرحلة هي مرحلة البدايات في ما يمكن تسميته بتصوف أهل المغرب .

ثانيا : مرحلة ظهور التصوف.
وقد جاءت هذه المرحلة مواجهة لقيام الدولة الموحدية وعرفت بروز أهم مؤسسي التصوف بالمغرب، وقد تكاثرت خلال هذه المرحلة الربط التعبدية في مختلف المناطق، وخلال هذه المرحلة يلاحظ المؤرخون ظهور نوع من التنظيم التلقائي المعتمد على التضامن والتكافل مما يسمح بالقول بانه مرحلة ظهور التصوف بالمفهوم الاصطلاحي، وبداية الإرهاصات المتعلقة بالتأسيس لمرتكزات التصوف في المغرب.

وقد بدأت خلال هذه الفترة مرحلة من الاضطهاد للمتصوفة المغاربة والأندلسيين من طرف السلطة الموحدية بسبب تخوفها من منافسة رمزية مؤسس الفكرة الموحدية أي المهدي والذي يمكن اعتباره نموذجا للمزج الذي عرفه المتصوفة بين التصوف والعلم. ويمكن القول بأن نهاية هذه المرحلة تتمثل في المنافسة التي أصبح يقوم بها المتصوفة تجاه السلطة بسبب تنامي قوتهم الرمزية وتزايد قوتهم الاجتماعية بشكل هدد السلطة السياسية، وذلك راجع لطبيعة تحركه في صلب المجتمع التي تميزت بعدم التسييس وبقوة الارتباطات الاجتماعية داخل وخارج المنظومة الجديدة وكان هذان العاملان سببا في قدرة المتصوفة على الاستقلال عن السلطة السياسية وفي نفس الوقت القدرة على مواجهتها انطلاقا من قدرتها على تحريك المجتمع [4].

ثالثا: مرحلة التنظيم ودعم الشرفاوية
بدأت هذه المرحلة مع تصاعد نجم الشرفاء بتحالف القوة الروحية للشرفانية مع القوة الاجتماعية للزاوية، وقد شكلت هذه المرحلة فترة المرور من طور التنظيم الهيكلي للزاوية والطريقة بالشكل الذي سمح للزاوية باستثمار قوتها الروحية والاجتماعية في تحريك الساحة السياسية ويبرز ذلك جليا عند الرجوع على التقلبات السياسية التي عرفها المغرب في العصر الحديث مع السعديين والعلويين .

إن تاريخ التصوف المغربي يبرز ان متصوفة المغرب كانوا يتميزون بمنهج خاص في التربية والسلوك، يقوم على أساس الزهد والورع والاجتهاد في العبادة على منهج السلف، بعيدا عن لغة الأحوال والمقامات كما أنهم لم ينقطعوا عن ممارستهم للحياة الاجتماعية العادية وكانوا يسلكون طريق التذوق والارتقاء في مقامات أهل الطريق وعدم المبالاة بظهور الكرامات أو حصول الشهرة ويسعون إلى التستر على كراماتهم وأحوالهم، معتمدين في طريقهم التربوي على التفرغ الكلي للمجاهد ولقاء الأولياء والسياحة في الأرض لكن دون انعزال على المجتمع.

من خلال هذه الأسس التي يقوم عليها التصوف المغربي يمكن استجلاء مجموعة من الخصائص أولها شمولية هذا التصوف، والثاني ابتعاده عن التجريد الفقهي الكلامي والفلسفي والثالث عدم اشتغاله بالسياسة وارتباطه بالجماعة والمجتمع منذ انطلاق التصوف في المغرب تحددت طريقته في اتجاه سني اعتمد على تعاليم المدرسة الجنيدية في صيغتها الغزالية، وقد تدعم هذا التوجه في الفترات اللاحقة وعبر تطور الفكر الصوفي المحلي في سلوكه لاتجاه سني أخلاقي كان هو أهم معالم التصوف في المغرب الأقصى ويمكن تفسير أهم خصائص هذا الاتجاه في كونه اتجاها زهديا عمليا بعيدا كل البعد عن المؤثرات الفلسفية، بحيث لا يهتم أصحابه كثيرا بالقضايا النظرية بل ينشغلون أساسا بأنواع المجاهدات وآداب السلوك وعلى هذا فقد جمع التصوف المغربي بين مجموعة من العناصر متميزا بجمعها عن التصوف المشرقي، وتمثلت هذه العناصر في ما يتعلق بالفعالية داخل المجتمع في العلم والجهاد وفي ما يتعلق بالحياة اليومية للصوفي في التجرد والكسب[5].
الفصل الأول : مؤسسة الزوايا ودورها في المجتمع المغربي
الزوايا في المغرب
_________________________________________
[4] – مؤسسة الزوايا بالمغرب، بين الأصالة والمعاصرة، بتصرف : جمال الدين القادري بوتشيش 1/256.
[5] – مؤسسة الزوايا بالمغرب، بين الأصالة والمعاصرة، بتصرف : جمال الدين القادري بوتشيش ج : 1 ص : 260.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *