إستحقاق النفقة : متى تصبح النفقة على الزوجة واجبة؟

إستحقاق النفقة – المطلب الثاني:
كما سبق أن أشرنا في المبحث الأول تستحق النفقة ( ما هو تعريف مفهوم النفقة ؟) بمجرد قيام الرابطة الزوجية وتنتهي بانتهائها، فهي تعد من الحقوق الثابتة للزوجة بمقتضى العقد والزوجية الصحيحة.

ويرى بعض الفقهاء أن سبب استحقاق النفقة على الزوجة هو استمتاع زوجها بها، لكن هذا الرأي أثار نقاشا واعتراضا في الوسط الفقهي إذ يعتبر رأيا خاطئا عند البعض، ومن بينهم خالد بنيس بقوله: “.. إنه يخالف قواعد الطبيعة والفطرة، فالغريزة الجنسية أودعها الله تعالى في المرأة هي الأخرى، بحيث تستمتع بالرجل لدرجة أنه يحق لها طلب التطليق للإيلاء، أو الهجر، أو العيب أو العيبة. عملا بمقتضيات الفصول 54 و 57 و 58 من المدونة، بل إن الزوجة في عصرنا هذا أصبحت لها الشجاعة والجرأة بأن تطالب زوجها بدون أي حرج – ولا حياء في الدين- بحقها في ذلك إلى أن تصل إلى الإنتعاض l’orgasme لأن المساكنة الشرعية تعتبر من الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين…”[1].

وبالرغم من كون هذا التحليل الذي صاغه الأستاذ خالد بنيس منطقي، إلا أنه وبالرجوع إلى رأي الفقهاء السالف إدراجه والقائل بأن النفقة هو نفقة المتعة الطلاقفي مقابل الاستمتاع نجده حسب رأينا وبحق أنه ليس هناك أي تعارض بين الرأيين لأن الفقهاء لم يذكروا البثة استمتاع الزوجة كذلك بزوجها. فهم يوجبون النفقة (أسباب وجوب النفقة) للزوجة مقابل تسليم نفسها لزوجها، وهو ما يسمى بالاحتباس لحق الزوج، أي قصر المنافع المحللة شرعا لحق الزوج وحده، وبهذا الاحتباس تكتسب الزوجة صفة شرعية في كونها محصنة، أي عفيفة فقد أعفها زوجها كما أعفته هي لقوله تعالى :{والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين}[2] والله عز وجل افتتح السورة بقوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون} وجعل من صفاتهم أنهم أعفاء، ممسكون لشهواتهم لا يستعملونها إلا مع أزواجهم اللائي أحلهم الله، حتى تصان الأعراض ويحافظ فيها على الأنساب.

والاحتباس لحق الزوج يتكون من عنصرين:

أ‌-    احتباس “الحل” لصالح الزوج وحده – دون غيره- وامتناع هذا الحل عن الغير مطلقا، فما أحل الله بالزواج كان قبل الزواج (تعريف الزواج ) حراما على المرأة وعلى الرجل على حد سواء.

ب‌- التمكين: ويقصد به تمكين الزوجة زوجها من نفسها على نحو ما شرع الله وأحل لهما، هذا التمكين متبادل بين الزوجين وليس قاصرا على الزوجة وحدها ومقتضى هذا التمكين أن الزوجة صالحة للدخول بها. هذا ويلاحظ أن عنصري الاحتباس يقومان على التراضي المشروع بين الزوجين، وبهما يكون استحقاق الزوجة نفقتها على زوجها، فإذا فقد أحد العنصرين – بعد الزواج- زال موجب النفقة على الزوج.
لكن التساءل الذي يطرح وبشدة في عصرنا الحالي هو: هل المرأة العاملة تستحق النفقة؟

في وقتنا الحاضر أصبحت المرأة تؤدي للمجتمع مجموعة من الوظائف كالإشتغال في الوظائف العامة أو الخاصة، كالتدريس والتمريض والطب والعمل بالمؤسسات والشركات… والمقرر في القانون المصري والسوري أنه إذا رضي الزوج بخروجها ولم يمنعها من العمل، وجبت لها النفقة، لأن احتباس الزوجة حق للزوج فله أن يتنازل عنه، وإن لم يرض بعملها، فخرجت من أجله سقط حقها في النفقة، لأن الاحتباس في هذه الحالة ناقص، أما بالنسبة للقانون المغربي نجد فيه أن النفقة تقع بكل مشتملاتها على الزوج بمفرده بغض النظر إن كانت الزوجة عاملة أم لا.

وقد ذهبت بعض الآراء إلى ضرورة تحقيق العدل وإنصاف الرجل وإعادة النظر في مسألة وجوب النفقة على الزوج بمفرده، خاصة في الحالة التي يكون فيها دخل المرأة موازيا أو يفوق دخل الرجل، فلا ضرر أن تساهم العاملة في الإنفاق على شؤون البيت لأن ذلك يشهرها بدورها الإيجابي في تحمل الأعباء المادية إلى جانب زوجها، وقد نصت مجلة الأحوال الشخصية التونسية على ذلك صراحة في المادة 23 عندما قالت: بأن الزوجة تساهم في الإنفاق على العائلة إن كان لها مال. ونجد في شريعة الأقباط الأرثدوكس أن الزوجة تقوم على سبيل الاستثناء بالإنفاق على زوجها حيث تنص على أنه : “تجب النفقة على الزوجة لزوجها المعسر، إذا لم يكن يستطيع الكسب وكانت هي قادرة عليه”.

ففي هذه الحالة يكون الالتزام بالنفقة إلتزاما تبادليا، وبالتالي فالقاعدة العامة أن الالتزام بالنفقة يقع على عاتق الرجل وحده لقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}. لكن لا بأس أن تقوم المرأة بالنفقة على زوجها المعسر خصوصا إذا تزوجته غنيا وأصيب في ماله ففي هذه الحالة يكون التزام النفقة التزاما تبادليا يتفق مع طبيعة الحياة الزوجية وما ينبغي أن تقوم عليه من حب وتعاون. لذلك نجد القانون الفرنسي بعد أن كان يلزم الرجل بالإنفاق يقض بمساهمة الزوجين في أعباء الحياة الزوجية، فالالتزام بالنفقة يعد واجبا تبادليا يقع على عاتق الطرفين كل بحسب إمكانياته وموارده.
نفقة المتعة حسب الحالة الاجتماعية
_______________________________________
[1] خالد بنيس: النفقة بين الواقع والتشريع: ص 17.
[2] سورة المؤمنون: الآية 5-6.



   One Comment


  1. عفت
      16 July, 2013

    لا يوجد شىء يسمى لاحياء في الدين بل الحياء شعبة من شعب الإيمان و لكن قل إن الله لا يستحي من الحق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *