شروط وجوب النفقة – الفقرة الثانية:
تنص المادة 194 من مدونة الأسرة على أنه : “تجب نفقة الزوجة على زوجها بمجرد البناء بها وإذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد عليها عقدا صحيحا”. ومحتوى هذا النص مأخوذ في جوهره من قول الإمام مالك رضي الله عنه: “لا تجب النفقة على الزوج حتى يدخل بها أو يدعى إلى الدخول بها وهي ممن توطأ وهو بالغ”[1].

وعليه فإن عقد الزواج عقد منجز يرتب كافة آثاره في الحال، فإنه يتضح من مقتضيات المادة 194 السالف ذكرها أن نفقة الزوجة لا تستحق إلا من وقت البناء بها أو بالدعوة إليه من طرفها. سواء بنى الزوج أو رفض البناء – يشترط فقط أن تكون الزوجة صالحة للدخول- وقد حكم القضاء المغربي بأن رفع دعوى النفقة من جانب الزوجة غير المدخول بها يمثل في الحقيقة دعوة إلى الدخول تستحق به النفقة، وبذلك يكون قد رفع الإحراج الناتج عن تطبيق مقتضيات الفصل 117 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة والذي حلت محله المادة 194 من مدونة الأسرة[2]. والظاهر أن سبب تأخير النفقة إلى حين البناء من المنظور الفقهي إنما لما يترتب على عقد الزواج من أحقية الزوج في احتباس زوجته عليه ودخولها في طاعته لاستيفاء المقصود من الزواج، واعتبار الزوجة محتبسة على زوجها يكون حائلا يمنعها من الخروج للتكسب، الأمر الذي يوجب على الزوج الإنفاق عليها لسد حاجاتها. وهذا ما تقتضيه قواعد العدالة والإنصاف، وبمعنى آخر فإن الزوجة تكون متفرغة لخدمة زوجها، ومقتضى العقل أن من فرغ نفسه لخدمة غيره فإن نفقته تكون مفروضة عليه[3].

والقاعدة أن الزواج الفاسد لا يصلح أن يكون سببا موجبا للنفقة بدليل أن مناطها معدوم، فهو ينفي تسليم الزوجة نفسها للزوج على اعتبار أن ذلك غير ممكن شرعا لفساد العقد، وفساد العقد يقتضي الافتراق لا الإلتقاء.
على أن هذا التصور لم يعد مقبولا في منطق المدونة التي تبنت مبدأ المساواة بين الزوجين والابتعاد عن كل تفسير أو تأويل فقهي يمس بكرامة المرأة عموما والزوجة خصوصا.

ومن الملاحظ أن المشرع المغربي حدد شروط النفقة في شرطين: أن يكون العقد صحيحا، وأن تكون الزوجة قد بنى بها، في حين نجد أن المشرع المصري على خلاف مع المشرع المغربي، حيث نص – المشرع  المصري- في المادة الأولى من قانون 25 لسنة 1980 المعدل بالقانون 100 لسنة 1985، على أن “تجب النفقة للزوجة على زوجها من تاريخ العقد الصحيح إذا سلمت نفسها إليه ولو حكما حتى لو كانت موسرة أو مختلفة معه في الدين”.

فالنفقة تجب على الزوج للزوجة من حين العقد الصحيح سواء زفت إليه أو لم تزف، وتفرض النفقة هذا جزاء الاحتباس، فكل من كان محبوسا لحق مقصود لغيره، كانت نفقته عليه والزوجة كذلك بالنسبة للزوج.

وقد اختلف الفقهاء حول سبب استحقاق نفقة الزوجة بين قول بوجوبها بمجرد العقد دون توقف على شيء آخر، وقول يشترط الاحتباس أو الاستعداد له، ويذهب ثالث إلى عدم وجوبها قبل أن تزف الزوجة إلى منزل الزوجية.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اليد العليا خير من اليد السفلى، ويبدأ أحدكم بمن يعول، تقول المرأة أطعمني أو طلقني” رواه الدارقطني وإسناده حسن.

وعليه فإن شروط النفقة يمكن إجمالها  في ثلاثة شروط وهي:

أولا: أن تكون المستحقة للنفقة زوجية بعقد صحيح:
ولا خلاف بين العلماء في تحقيق هذا الشرط، فلو كان عقد النكاح غير صحيح لا تستحق الزوجة النفقة بموجبه،لأن الواجب حينئذ الافتراق لا المعاشرة والاحتباس.

والزواج الباطل الذي فقد شرط من شروط الانعقاد، فإن فقدان أي شرط من شروط الانعقاد يوجب خللا من صلب العقد وركنه، فيكون وجوده وعدمه سواء، ومن ثم لا يترتب عليه شيء من الآثار التي تترتب على العقد الصحيح، فلا يحل به دخولا ولا غيره مما يحل بالعقد الشرعي ولا يجب به مهر ولا نفقة ولا طاعة، ولا يثبت به توارث ولا مصاهرة ولا يقع فيه طلاق، لأن الطلاق فرع وجود الزواج الصحيح ولكن في حالة الزواج الباطل يكون التفريق وليس التطليق.

ثانيا: أن تكون الزوجة صالحة لتحقيق الأغراض الزوجية:
وذلك بأن تكون الزوجة بالغة أو صغيرة مشتهاة، بحيث يتأتى الدخول بها، حتى ولو كان الزوج صغيرا، فيجب عليه النفقة بزوجته بناء وجود التمكين من جهتها وتعذر الاستيفاء من جهته.

وعليه فإذا كانت الزوجة صغيرة لا يمكن الدخول بها فلا تجب لها النفقة حتى ولو كانت محتبسة في دار الزوج، وحتى لو أمكن الانتفاع بها في الخدمة، لأن الاحتباس لها لا يوصل إلى المقصود من الزواج وهو الوطىء، أو الدواعي إليه، فيكون وجوده كعدمه، وهذا هو ما عليه أكثر فقهاء الحنفية وهو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة.

ثالثا: أن تسلم الزوجة نفسها إلى الزوج:
فإذا سلمت المرأة نفسها لزوجها، على الوجه الواجب عليها، فلها عليه جميع حاجاتها، وأما إن منعت نفسها، أو منعها أولياؤها، أو تساكتا بعد العقد، فلم تبذل هي نفسها ولم يطلب هو الدخول فلا نفقة لها، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل بعائشة بعد سنتين ولم ينفق عليها إلا بعد دخوله لأن النفقة تجب في مقابل التمكين المستحق، بعقد النكاح، فإذا وجب استحقت وإذا لو يوجب لم تستحق.

أما لو كانت الزوجة في بيت أهلها ولا تمنع نفسها، ولا يمنعها أهلها، فإن النفقة تجب لها ولو لم تنتقل إلى بيت زوجها، إن كانت لا تمانع هي ولا أهلها من الانتقال إلى بيت الزوج.

غير أن للمرأة أن تمنع نفسها حتى تتسلم مهرها، لأن تسليم نفسها قبل أن تستلم مهرها قد يقضي إلى أن يستوفي الرجل حقه منها ثم لا يسلمها مهرها، وعند ذلك لا يمكن الرجوع فيما استوفى منها، فلهذا يلزم بتسليم مهرها أولا.

أما لو قبضت مهرها ثم امتنعت عن تسليم نفسها، أمكن الرجوع عليها بما قبضته، وإمناعها عن تسليم نفسها لزوجها حتى تستلم مهرها، يوجب لها النفقة، لا إمتناعها عن تسليم نفسها يكون بحق.
ويمكن القول في علاقة تسليم المرأة نفسها لزوجها بالنفقة ما يلي:
– إذا كان الامتناع عن تسليم الزوجة نفسها للزوج بسبب يعود إليها، فليس لها نفقة مدة الامتناع.
– و إما إن كان الامتناع بسبب يعود إليه، مثل عدم دفع حق المهر أو عدم تأمين مهرها، أو عدم تأمين المسكن، فلها النفقة حتى يزول السبب.

ونفقة الزوجة تلزم الزوج ولو مع اختلاف الدين، كأن تكون الزوجة غير مسلمة يهودية أو نصرانية، إذ أن النفقة لا تجب مع اختلاف الدين إلا لثلاثة، الزوجة، الأصول والفروع، لأن نفقة الزوجة لقاء الاحتباس، وهو لا يتعلق باتحاد الدين ونفقة  الفروع والأصول للجزئية، وجزء المرء في معنى نفسه، فكما لا تمتنع نفقة الإنسان على نفسه لكفره كذلك لا تمتنع نفقة جزئه، كما أن النفقة عوض، يجب حتى في حالة الإعسار، فلا ينافيها اختلاف الدين.
نفقة المتعة حسب الحالة الاجتماعية
_______________________
[1] أشار إليه ابن رشد القرطبي في بداية المجتهد، الجزء الثاني م.س ص 41.
[2] ويتمثل هذا الإحراج في المطالبة بالبناء في جلسة علنية وأمام هيئة المحكمة.
[3] ابن قدامة، المغنى الجزء السابع، القاهرة ص 564.
زكريا البري، الأحكام الأساسية للأسرة الإسلامية في النفقة والقانون منشأة المعارف بالقاهرة. ص 134 وما بعدها.