مفهوم النفقة : التعريف بالنفقة شرعا وقانونا

ماهية النفقة وحكم مشروعيتها – الفصل التمهيدي:
نظمت مدونة الأسرة[1] العديد من الالتزامات المالية المرتبطة بعقد الزواج، سواء ذات المصدر الاتفاقي، والتي يعد تدبير الأموال المشتركة أبرز مثال لها، أو التي نجد مصدرها في القانون، من مثل الصداق والمتعة والنفقة.

وتعد النفقة من بين الآثار المترتبة عن الزواج أو عن انحلاله، التي بالنظر للطابع الإنساني الذي تمتاز به، أولى لها المشرع اهتماما خاصا، حيث نظم أحكامها عموما في القسم الثالث من الكتاب الثالث، المتعلق بالولادة ونتائجها ضمن المواد من 187 إلى 205 من المدونة.

وقد عرفت قواعد النفقة العديد من التطورات، انعكاسا للتفاعلات التي يعرفها المجتمع[2]، وهكذا فإذا كان ظهير 1957 استنبط قواعدها من الفقه المالكي، مما أدى إلى بعض الصعوبات الواقعية والعملية في الاستفادة منها، فإنما بعد تعديلات 1993 كرس المشرع الطابع الاستعجالي للنفقة، وأسند للقاضي السلطة التقديرية في تحديدها، أما مدونة 2004، فقد استهدفت بقواعد النفقة حماية حقوق الزوجة والأطفال.

ويكتسي البحث في موضوع النفقة أهمية بالغة، إن على مستوى الأكاديمي، وذلك نظرا لشح الدراسات التي تناولته في ظل مدونة الأسرة، أو على المستوى العملي، وذلك بالرجوع إلى النسب الكبيرة لعدد قضاياها المعروضة على أقسام قضاء الأسرة[3].

وبإطلالة على تشريعات بعض الدول العربية[4]، نلاحظ تشابها في أحكام النفقة، باستثناء إلزام مجلة الأحوال الشخصية التونسية الزوجة بالمساهمة في الإنفاق على العائلة إن كان لها مال.

غير أنه لابد من الإشارة إلى أن هذا البحث سيركز على النفقة، كأثر من آثار الزوجية سواء أثناء قيامها أو عند انحلالها، نظرا للإشكالات العملية التي يطرحها.

من هذا المنطلق تبرز إشكالية مدى تحقيق كل من أحكام النفقة، والتفاعل القضائي معها، للعدل والإنصاف من جهة، وللمساواة في الالتزامات بين الزوجين من جهة ثانية.

ومعالجة هذه الإشكالية تستلزم التناول التالي:

المبحث الأول: الأحكام العامة للنفقة:
يقصد بالأحكام العامة للنفقة تلك القواعد التي تتضمن مقتضيات مشتركة تسري على جميع أنواع النفقات حيث سنتطرق لتعريف النفقة (مطلب أول)، أسباب وجوب النفقة (مطلب ثاني) ثم مشتملاتها وعناصرها (مطلب ثالث).

المطلب الأول: التعريف بالنفقة:
الفقرة الأولى: مفهوم النفقة:
– أولا: في اللغة:
النفقة في اللغة اسم لما ينفقه الإنسان على غيره، وقد اختلف علماء اللغة في مصدر استحقاقها فقيل هي: إما أن تكون مشتقة من النفوق، وهو الهلاك، يقال: نفقت الدابة نفوقا إذا هلكت، وإما أن تكون مشتقة من النفاق وهو الزواج، ويقال نفقت السلعة نفاقا إذا رجات.

-ثانيا: في الاصطلاح الشرعي:
هي إخراج الشخص ما لا ينفق به على من تجب عليه نفقته.
وتجب النفقة على الزوج انطلاقا من الحكم التعبدي المنصوص عليه بالكتاب والسنة والإجماع، يقول تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} (الآية 7 سورة الطلاق) ويقول أيضا: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} (الآية 6 من سورة الطلاق)، وقد روى أبو داود عن معاوية القشيري قال: “أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما تقول في نسائنا؟ قال: أطعموهن مما تأكلون وأكسوهن مما تكتسون..” وقد عزا الفقهاء سبب إنفاق الزوج على زوجته ما تضعه بين يدي زوجها من استمتاع ولما له عليها من حقوق الاحتباس والطاعة، وقد جاء بشرح مختصر الخليل قوله في باب النفقة “وسقطت إن أكلت معه أو منعت الوطء أو الاستمتاع أو خرجت من غير إذنه” ويتحقق الاحتباس المبرر للنفقة حسب التفسير الفقهي بمجرد دعوة الزوجة زوجها إلى نقلها بيته بعد إبرام العقد.

إن هذا الثلاثي: الاحتباس، الاستمتاع والطاعة أصبح في ظل الظروف المستجدة قابلا للنقد، ولعله ومما يتنافى مع ميثاق عقد الزوجية أن تختزل هذه العلاقة في المتعة الجسدية مقابل الغذاء، فمؤسسة الزواج ولما لها من قدسية بكل الشرائع المنزلة تجعلنا نستبعد أن يقوم الزواج على ركن الإمتاع  وقد يتداخل مفهوم الطاعة إلى خضوع حرمت فيه الزوجة من إنسانيتها وحقها في المساكنة الزوجية بالمعروف عملا بقوله تعالى {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} (الآية 6 من سورة الطلاق).

وإذا كان المذهب المالكي لا مكان فيه للحديث عن إمكانية إلزام الزوجة بالإنفاق عن الزوج كما لا يقول أيضا بسقوط نفقة الزوجة التي تمارس حرفة أو مهنة، يرى الفقه الحنفي الذي استلهمته مدونة الأسرة سقوطها “لأن التسليم- الاحتباس غير تام”[5].

-ثالثا: في الاصطلاح القانوني:
لا جدال مبدئيا في أن نفقة الزوجة لا تعني في مجمل المبادىء الفقهية إلا نفقة الزوج على الزوجة والذي تنص عليه المادة 194 “تجب نفقة الزوجة بمجرد البناء، وإذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد عليها”. قد اتفقت جل المذاهب الفقهية على وجوب نفقة الزوجة على زوجها ومن ذلك جاءت المادة 199 من مدونة الأسرة الباب الثالث فيها يتعلق بالنفقة على الأولاد والتي نصت على أنه “إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق على أولاده، وكانت الأم موسرة وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب”، وينتج عن ذلك عدم سماع دعوى الزوجة (التطليق) إذا تزوجت الرجل وهي عالمة بأنه عاجز عن الإنفاق عليها.

مفهوم النفقةوبذلك فقد استجاب المشرع المغربي بشكل فعلي للاتفاقية الدولية التي صادق عليها والمبرمة بنيويورك بتاريخ 16 دجنبر 1966 والتي تنص على المساواة بين الرجال والنساء حسب ما ورد في الفصل 23 منها: ” على الدول الأطراف في الاتفاقية الحالية اتخاذ الخطوات المناسبة لتأمين المساواة في الحقوق – والمسؤوليات- عند الزواج وأثناء قيامه وعند فسخه” وقد يأتي السند الواقعي ليؤكد “أن المرأة في الواقع (لا القانون) هي صاحبة الولاية على الأولاد بل حتى على الزوج”[6].

إن هذه المادة-199- قد فتحت الباب أمام الزوج المعسر لرفع دعوى ضد زوجته لمطالبتها بالإنفاق إمعانا من المدونة في إقرار المساواة أمام الواجبات بالقدر الذي يتم فيه التساوي في الحقوق، وقد لاحظت ذة. نادية العشيري أن هذه المادة لا توضح المقصود بالعجز ولا مدته واعتبرت أنه وإن كانت قد ضمنت حقوق الأطفال فهي ” قد تفتح الباب على مصراعيه أمام أطماع بعض الأزواج ليقع بسببها استغلالها النساء أكثر مما هن مستغلات”[7]، ولقد جاء في قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 29 نونبر 1983، أن النفقة مفهوم لا تجب إلا بزواج صحيح شرعا، فإن كان فاسدا فلا نفقة للزوجة لأن الواجب حينئذ الافتراق لا المعاشرة، ويكون الزواج فاسدا إذا توفرت فيه شروط موانع الزواج التي تنقسم حسب ما جاء في المادة 35 إلى موانع مؤبدة وموانع مؤقتة.
نفقة المتعة حسب الحالة الاجتماعية
_______________________
[1] قانون رقم 70-30 صادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم: 22-04-1 بتاريخ 03/02/2004، ج عدد: 5184 بتاريخ 0502/2004.
[2] انظر بهذا الصدد: خالد برجاوي “إشكالية مدونة الأحوال الشخصية بين الحركة الإنسانية والحركة الإسلامية” دار القلم 2001، (الطبعة الثالثة).
[3] وإن لاحظ السيد السيد وزير العدل انخفاضها بنسبة 3.7%  مجلة قضاء الأسرة، العدد الأول يوليوز 2005 ص: 24.
[4] مجلة الأحوال التونسية، وقانون الأسرة الجزائري.
[5]  حاشية بن عابرين الجزء الثاني ص: 647.
[6] خالد بنيس “النفقة بين الواقع والتشريع” دار النشر المعرفة. الرباط الطبعة الأولى سنة 1992 ص 29.
[7] منبر الجامعة، نادية العشيري مفهوم المساواة بين الجنسين في مدونة الأسرة نفس المرجع السابق ص: 88-89.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *