مفتشية الشغل والقضاء الإجتماعي: التكامل والتشارك – المحاضر

– التشارك والتكامل على مستوى العنصر الرابط (المحاضر)
إذا كانت التشريعات المقارنة، بما فيها التشريع المغربي، قد جعلت مهمة مراقبة تطبيق واحترام القانون الاجتماعي ملقاة على عاتق مفتش الشغل، فإن الوظيفة الرقابية لهذا الأخير، وحتى تلقى صدى لدى أرباب العمل من جهة، وتكتسب أثرا قانونيا يعتد به من طرف الجهات الإدارية والقضائية من جهة أخرى، كان لا بد من تخويله –أي مفتش الشغل- حق تحرير محاضر بخصوص كل مخالفة يقف عليها أثناء قيامه بمهامه الرقابية؛ وهي محاضر يوثق بمضمونها إلى أن يثبت عكس ما فيها.

وعلى هذا المستوى تظهر علاقة التعاون والتشارك القائمة بين جهاز تفتيش الشغل والقضاء الاجتماعي من خلال نقطتين أساسيتين؛ تتمثل الأولى في كون المحاضر التي يحررها مفتش الشغل أصبحت تحال مباشرة على المحكمة المختصة، في حين تظهر الثانية من خلال الحالة الخاصة بمحاضر ضبط المخالفات المتعلقة بالصحة والسلامة ذات الخطر الحال على الأجراء.

وهكذا، وفي ظل مدونة الشغل الجديدة، ([1]) أصبحت محاضر الضبط التي يحررها مفتش الشغل، بمناسبة ضبطه لإحدى مخالفات النصوص التشريعية أو التنظيمية المتعلقة بالمجال الاجتماعي، تحال مباشرة على المحكمة المختصة من قبل المندوب الإقليمي للشغل([2]).

على أن العلاقة بين جهاز تفتيش الشغل والقضاء الاجتماعي تظهر بشكل جلي وأوضح في الحالة التي يضبط فيها العون المكلف بتفتيش الشغل مخالفة متعلقة بقواعد الصحة والسلامة، وكانت المخالفة المذكورة من شأنها أن تشكل خطرا حالا على الأجراء؛ إذ يصبح المفتش والحالة هذه في علاقة مباشرة، دون أي وسيط، مع القضاء ممثلا في السيد رئيس المحكمة الابتدائية بصفته قاضيا للأمور المستعجلة([3]).

وهكذا، فإن مفتش الشغل في هذه الحالة يوجه للمشغل المخالف تنبيها فوريا باتخاذ ما هو لازم لدرء الخطر عن الأجراء، وفي حالة عدم امتثال المشغل أو من ينوب عنه لتنبيه المفتش يحرر هذا الأخير محضرا يثبت فيه الامتناع عن الامتثال لمضمون التنبيه يرفقه بمقال ويوجه الاثنان إلى السيد رئيس المحكمة الابتدائية الذي يكون له أن يصدر أمره باتخاذ التدابير اللازمة لدر الخطر عن الأجراء.

وإذا لم يستجب المشغل بالرغم من ذلك، حرر المفتش حينئذ محضرا ثانيا يوجهه إلى وكيل جلاله الملك الذي يحيله على المحكمة المختصة داخل أجل لا يتجاوز ثمانية أيام من تاريخ التوصل به([4]).

وهكذا وإذا كانت مدونة الشغل قد جاءت بمقتضيات حاولت من خلالها تعزيز التعاون بين جهاز تفتيش الشغل والجهاز القضائي، فإن الواقع العملي يفرز كون التعاون المذكور نسبيا. بعبارة أخرى، إذا كنا قد خلصنا مما تقدم إلى هناك تعاونا وتشاركا وتكاملا بين جهاز تفتيش الشغل القائم بالرقابة الإدارية القبلية وبين الجهاز القضائي المختص في الرقابة القضائية البعدية، سواء على مستوى العنصر المشترك بين هذين الجهازين أو في إطار العنصر الرابط بينهما. فإن الوضع ليس دائما على هذا النحو، إذ يلاحظ وجود نوع من عدم التعاون أو عدم أو عدم التنسيق بين الجهازين المذكورين خصوصا على مستوى العنصر الرابط بينهما، الأمر الذي يقتضي ضرورة النهوض بمتفشية الشغل. وهذا هو محور النقطة الموالية.
مفتشية الشغل
_______________________________
[1] نشير هنا إلى أن الفصل 56 من ظهير2 يوليوز 1947 الملغى كان يفرض على مفتش الشغل الذي يضبط مخالفة ما، أثناء قيامه بزيارة المؤسسات الخاضعة لرقابته، أن يسجل كافة ملاحظاته ويحررا محضرا بخصوص المخالفة أو= = =المخالفات المضبوطة. إلا أن المفتش، ولأسباب متعددة، كان يحرر تقريرا يضمنه المخالفات المضبوطة وملاحظاته وتنبيهاته للمشغل ويحدد له أجلا لاحترام القانون، ومتى لاحظ المفتش من خلال الزيارة المضادة أن المشغل يتمادى في خرقه القانون، فإنه حينذاك يحرر محضرا بشأن المخالفات التي سبق ضبطها.
والملاحظ أن مدونة الشغل عملت على تكريس هذا الواقع العملي، مع مستجد يتمثل في أن المحاضر التي تحرر في ثلاثة نظائر يوجه واحد منها إلى القضاء من قبل المندوب الإقليمي.
[2] وفي هذا الإطار يرى أستاذنا عبد اللطيف خالفي أنه كان على المشرع المغربي أن ينيط التزام بإحالة المحضر على القضاء بالعون الذي وقف على المخالفة وحرر المحضر المذكور بشأنها، عوض تكليف المندوب الإقليمي للشغل بهذا الالتزام، وذلك ربحا الوقت من جهة وحتى يحس المشغل المخالف بأن العون المكلف بالتفتيش يتمتع فعلا بسلطة حقيقية يمارسها بنوع من الاستقلالية.
-عبد اللطيف خالفي- الوسيط في مدونة الشغل- م.س-ص156.
[3] أما إذا ضبط المفتش مخالفة لقواعد الصحة والسلامة ذات الخطر غير الحال على الأجراء، لا يحق له تحرير محضر بشأنها إلا بعد توجيه إنذار إلى المشغل ومنحه أجلا، يتعين أن لا يقل في جميع الأحوال عن أربعة أيام، للقيام بالتدابير اللازمة من أجل تفادي كل ما من شأنه المساس بصحة وسلامة الأجراء. وذلك مع إمكانية تظلم المشغل في هذه الحالة، من المراقبة، إلى السلطة الحكومية المكلفة بالشغل خلال الأجل المحدد قانونا مع الإشارة إلى أن التظلم هنا يؤدي إلى إيقاف المحضر.
-أنظر المادتين 540و541 من مدونة الشغل.
[4] عبد اللطيف خالفي- الوسيط في مدونة الشغل- م.س-ص159.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *