المستثمر وهاجس الخضوع للضريبة

ثانيا: المستثمر وهاجس الخضوع للضريبة
إن جانب الموضوع في المنازعة الجبائية يشكل المجال الأساسي الذي يتحقق فيه الدور الحمائي للقاضي ، ذلك أن هاجس المستثمر ينصرف بالدرجة الأولى إلى كيفية إعمال المقتضيات المتعلقة بحدود الإعفاءات الواردة في القوانين الخاصة بتشجيع الاستثمار.

فكلما كانت القواعد القضائية المصاغة على هذا المستوى منسجمة مع روح هذه القوانين وفلسفتها كلما شكل ذلك دافعا تحفيزيا للمستثمر على الاستمرار في نشاطه وإحداث نشاطات جديدة[1].

والقاضي لا يجد عناء كبيرا في إعمال مقتضى النص كلما كان واضحا وغير قابل للتأويل ، أما في الحالة المعاكسة فإن الأمر يتطلب منه مجهودا ذهنيا اجتهاديا لاستخلاص مضمونه الحقيقي انطلاقا من خلفيات وفلسفة كل تشريع.

وإذا كان المشرع يراعي في صياغته للنصوص الوضوح والدقة منعا لكل تطبيق غير سليم أو لخطأ في التفسير إلا أنه يصعب عليه في كثير من الأحيان مهما بلغت درجة مهارته وحرصه أن يجعل من النص القانوني مستوعبا لكل الجزئيات الواقعية التي ينظمها ومن تم يأتي دور القاضي لاستكمال هذا الدور من خلال الاجتهاد.

وقد شكلت القوانين الخاصة بتشجيع الاستثمار بالنظر للغموض والالتباس الذي يعتري نطاق بعض مقتضياتها على مستوى التطبيق ، مجالا خصبا للاجتهاد القضائي بهدف تحديد نطاق الاعفاء المقرر بمقتضاها.

ففي قضية شركة ” تريكوفيل”[2] تمسكت بكونها تأسست بتاريخ 8/5/1987  وسجلت بالسجل التجاري يوم 6/6/1987 وأنه بعد حصولها على الرخصة رقم 692/97 من بلدية مكناس في 26/8/1987 شرعت في بناء محلها بالحي الصناعي، وأن أول عملية تجارية قامت بها كانت بتاريخ 25/2/1989 واعتبارا لمقتضيات المادتين 1 و2 من قانون 13/8/1973 الخاص بتشجيع المؤسسات المصدرة لمنتوجات الصناعة العصرية والتقليدية، الممدد لمدة الإعفاء إلى عشر سنوات من الضرائب على الأرباح، في حين تتمسك إدارة الضرائب بكون الشركة المدعية لم تقم بأول عملية تصدير إلا سنة 1990 وبالتالي فإن القانون الواجب التطبيق هو قانون رقم 88/ 01 الصادر بتاريخ 4 / 5/ 1988 والذي خفض الإعفاء لمدة خمس سنوات، وجوابا على هذا الإشكال اعتبرت المحكمة الإدارية بمكناس[3]:” أن المزايا المنصوص عليها بمقتضى ظهير 13 غشت 1973 تطبق على المؤسسات التي تمارس او تعتزم ممارسة الأنشطة المقررة من أجلها هذه المزايا ومعنى ذلك أن هناك ضابطين محددين لإمكانية الاستفادة من الإعفاء هما: فمن جهة اولى الممارسة الفعلية للأنشطة المذكورة بعد نشر هذا الظهير، ومن جهة ثانية هو اعتزام ممارسة هذه الأنشطة بعد نشره، وخلصت المحكمة إلى الحق المكتسب للشركة في الاستفادة من الإعفاء لمدة عشر سنوات.

فمن خلال المقاربة القضائية لهذا الإشكال تتضح المحددات الأساسية التي تتحكم في تفسير القاعد الضريبية من طرف القاضي والتي تعكس البعد الحمائي للقواعد التي يصوغها بهذا الخصوص، وفي مقدمة المحددات التي تحكم هذا التفسير هاجس تحقيق الطمأنينة القانونية للأفراد مستثمرين وغيرهم والذي بدونه تنعدم الوضوحية وينبعث الإحساس بعدم انضباط القواعد القانونية.

هذا إلى جانب رقابة القاضي على تقدير الإدارة في توقيع الجزاءات والغرامات التي تساهم بدورها في دعم وطمأنة المستثمر إلى جانب تأكيد وحماية الضمانات المقررة قانونا.

وبخصوص موقف الغرفة الإدارية[4] من رقابة سلطة الإدارة في تقدير الجزاءات والغرامات أوضحت أنه:” مادام أن الغرامات والجزاءات  الأخرى ترتبت على المستأنف بطريق قانونية ولا يطعن في شرعيتها ، كما أن رفض الإدارة طلب إعفائه منها يستند إلى سلطتها التقديرية ، وما دام لم يثبت أن قرار الإدارة يتسم بالانحراف والشطط في استعمال السلطة فإن قراراها يبقى قانونيا “.

وإذا كانت الغرفة قد اقتصرت في محاكمتها لشرعية الغرامات والجزاءات المطعون فيها على مناقشة عيب الانحراف في استعمال السلطة، لانها الوسيلة الوحيدة المثارة في الطعن، إلا أن ذلك لا يمنع من تقدير شرعية هذه الجزاءات بناء على نظرية الغلط البين في التقدير، كلما أثير ذلك من قبل الطاعن.

إذ لا شك ان السلطة التقديرية لإدارة الضرائب في هذه الحالة تستهدف تمكينها من معالجة الأوضاع المختلفة بحسب ما تستحقه كل حالة على حدة، واعتبارا لذلك متى تبين أن الخاضع أن الخاضع للضريبة كان حسن النية كما في حالة الأمية، او لم تسجل بحقه أية مخالفة تستهدف التهرب الضريبي[5] أو كان من شأن الجزاءات القاسية المتخذة من قبل الإدارة أن تؤدي إلى تأزيم الوضعية المالية للشركة والتعجيل بانهيارها ، فإن الأمر في هذه الحالة يستدعي رقابة تقدير الإدارة الجزاء وبالتالي بإلغائه على أنه مشوب بغلط بين في التقدير.

ولا شك أن هذه الرقابة كما قال مفوض الحكومة ” Braibant ” في تعليقه على تطور قضاء مجلس الدولة الفرنسي باتجاه تعميق آليات  الرقابة على جانب الملاءمة في القرار الإداري ” تستهدف فرض قدر أقل من المنطق وحسن التقدير على رجال الإدارة ، فإذا كان في وسعهم ان يختاروا فليس معنى ذلك أن يفعلوا ما يشاؤون “[6].

كما أن أهمية الدور للقاضي تتجلى بشكل أخص في تقرير المسؤولية عن الخطأ في التحصيل الضريبي الذي يؤدي إلى إلحاق أضرار بالغير، تأسيسا على مقتضيات الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، ولا شك أنه لا يكفي ، لتحقيق الحماية المطلوبة، الحكم بإلغاء الفرض الضريبي المعيب، او الحكم باسترداد المبالغ المستخلصة على غير وجه حق، فكل ذلك غير كاف لتصحيح الأوضاع التي وقع المساس بها بل لابدؤ من جبر الأضرار المترتبةؤ عن ذلك أيضا متى ثبت حصولها.

وفي هذا الإطار، قضت الغرفة الإدارية في قرارها الصادر بتاريخ 3/7/ 2003[7] بمسؤولية الإدارة عن التحصيل الضريبي المعيب، وقد تمسكت الإدارة في هذه القضية بكونها وجهت إعلامات ضريبية للمدعي لم يسلك بشأنها أي طعن إلى أن وصل الأمر إلى مسطرة الإكراه البدني مدعيته بكون تقاعسه عن لفت انتباه الإدارة للخطأ المحتمل هو الذي تسبب في مباشرة التحصيل عن طريق الإكراه.

إلا أن الغرفة الإدارية استبعدت هذا الدفع معتبرة ” بأنه وخلافا لما جاء في أسباب الاستئناف فالمستأنف عليه ينفي توصله بالإعلام المذكور، ولا شيء في الملف يفيد عكس ذلك. ومن جهة أخرى فالمستأنفة تقر إقرارا تاما بما حصل للمستأنف عليه، متذرعة بأن ذلك راجع لخطئه الشخصي مما يؤكد أحقيته المدعي في طلب التعويض وأن خطأ المرفق العام ثابت ويتمثل في فرض الضريبة مرتين على نفس السبب رغم الأداء ” [8].

ولا شك أن إقرار المسؤولية الإدارية عن الفرض الإداري المعيب، الذي يلحق ضررا بالغير ، من شأنه تحقيق حماية أكبر للملزمين عموما وللمستثمرين على وجه الخصوص.

ذلك أن الفروض الضريبية وإجراءات التحصيل المرتبطة بها غير المستندة إلى أساس قانوني ، والتي تلحق أضرارا بالغة بالنشاطات المستثمرة يمكن أن تجعل الإدارة المعنية موضوع مساءلة بالتعويض.

ومن هنا يتجلى دور القاضي في تحقيق التوازن بين مصالح الإدارة الضريبية وحقوق الملزم ، هذا الدور الذي يظهر من خلال دورين أساسيين[9]:

– دور مباشر يتمثل في حل النزاعات بين الإدارة والملزم وبالتالي تحقيق التوازن؛

– دور غير مباشر يتمثل في الاجتهادات القضائية التي تنير طريق المشرع أوينبغي له أن يستنير بها، خصوصا ان الاجتهاد القضائي من أهم مصادر القانون الإداري عموما والقانون الضريبي خصوصا.

ومن زاوية اخرى فللقضاء مهمتين أساسيتين:

الأولى وقائية، عندما يشعر المسؤول الإداري أن وجود قضاء محايد ومستقل يحتم عليه عدم الخروج عن منحنى الشرعية وبالتالي يصبح تواجد المحاكم في حد ذاته عامل رهبة وخوف ومراقبة دائمة ومستمرة بالنسبة لعمل الإدارة الجبائية.

والثانية علاجية او تصحيحية، عندما يمارس القضاء رقابة على أعمال الإدارة للتأكد من مطابقتها للشرعية.

وهكذا فتحقيق التوازن بين الملزم والإدارة الضريبية يبقى بالفعل رهينا بتواجد قاض كفء فلاشك ان تواجد قاض إيجابي في المنازعة الجبائية لهو من أهم وأكبر الضمانات التي تدعم موقف الملزمين في المرحلة القضائية أمام ما تتمتع به الإدارة الجبائية من امتيازات وسلطان[10].

ومن تم فإن على القاضي الذي يبث في منازعة جبائية ، أن يضطلع بدوره الإيجابي في توجيه إجراءات الخصومة، ويعمل على تحقيق نوع من التوازن بين مراكز أطرافها ، ويتبع للمكلف المتقاضي الفرصة لتيسير إثبات حقه في مواجهة الإدارة الجبائية.
المطلب الأول: القضاء الجبائي ودوره في تشجيع الاستثمار
المبحث الثاني: سبل الحد من ظاهرة التهرب الضريبي
الفصل الثاني: التهرب الضريبي والفعالية الاقتصادية
إشكالية التهرب في القانون الضريبي
_________________________________________
[1] عبد العزيز يعكوبي ،” القضايا الجبائية وحماية الاستثمار من خلال إقرارات المجلس الأعلى”، الندوة الجهوية الرابعة ” قضايا الاستثمار والتحكيم من خلال اجتهادات المجلس الأعلى ” محكمة الاستئناف التجارية الدار البيضاء ، يومي 18 و 19 أبريل 2007 ص : 191.
[2] – عبد العزيز يعكوبي ، القضاء الجبائي…. ” م س ، ص  193.
[3] – الحكم الصادر بتاريخ 1/8/2002 والذي تم تأييده بمقتضى قرار الغرفة الإدارية الصادر بتاريخ 28/ 6 / 2006.
[4] – قرار الغرفة الإدارية عدد 22 الصادر بتاريخ 16 / 1/ 2003 في الملف الإراي 1657 / 4 / 1 / 2001
5] – عبدالعزيز يعكوبي ( القضاء الجبائي وحماية الاستثمار… م س ،  201.
[6] –  Mêmes lorsqu’elles ont le pouvoir de faire ce qu’elles veulent, elles ne doivent pas être autorisées à faire n’importe quoi ».
[7] – قرار الغرفة  الإدارية عدد 134 الصادر بتاريخ 3/ 7/ 2003.
[8] عبد العزيز يعكوبي، القضاء الجبائي وحماية الاستثمار… ” م س ، ص  199
[9] – عبد الرحيم حزيكر ، إشكالية تحصيل الضرائب
[10] الحبيب العطشان ، مساهمة القاضي الضريبي المغربي في حماية الاستثمار ، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق جامعة محمد الخامس ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، اكدال الرباط 2006- 2007 ص  239.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *