دعاوي الحضانة وأحكامها

ثالثا: التعليق على أحكام الحضانة
لقد نظم المشرع المغربي أحكام الحضانة في المواد من 163 إلى 186 من مدونة الأسرة ولعل من أبرز القضايا الأكثر تداولا بخصوص أحكام الحضانة تلك الواردة في المواد 168 و 170 ثم 173 من مدونة الأسرة، حيث تتعلق المادة 168 من م أ بسكني المحضون والمادة 170من م الأسرة تتعلق برفع الحضانة فيما المادة 171 تتعلق بمستحقوا الحضانة وترتبيهم .

وتنص المادة 170 من مدونة الأسرة  على أنه :” تعود الحضانة لمستحقها إذا ارتفع عنه العذر الذي منعه منها يمكن للمحكمة أن تعيد النظر في الحضانة إذا كان ذلك في مصلحة المحضون “. ولعل أول ملاحظة تتبادر إلى الذهن أن المشرع لم يعد يميز بين العذر الاختياري والعذر غير الاختياري [1] والذي كان مقررا في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة فحسب نص المادة 170 يكفي لاستعادة الحضانة أن يكون هنالك عذر منع من القيام بها وبأن هذا العذر قد زال وفي حالة النزاع مع من تنازل عن الحضانة لعذر ويدعي أن العذر قد زال أن يثبت الأمرين معا أمام المحكمة لكي يستعيد حضانته من جديد[2]

ومن النزاعات التي عرضت بهذا الصدد على القضاء المغربي حكم صادر في موضوع طلب استرجاع حضانة نجمل وقائعه فيما يلي:” بتاريخ 01 / 06 /2004 تقدمت المدعية بمقال افتتاحي للدعوى تعرض فيه بأن المدعى عليه مفارقها ولها منه طلفا اسمه ( م إ ) مزداد بتاريخ 21 / 2/ 2000 وأنها تنازلت له عن حضانة إبنها المذكور ليتولى تربيته ورعايته والانفاق عليه ولم يبقى لها سوى صلة الرحم فقط  ، لكن المدعى عليه لم يوفي بما التزم به وتلتمس الحكم باسترجاع الحضانة عن ابنها والحكم على المدعى عليه بأدائه لها نفقته بمبلغ 500 درهم شهريا … وبناء عليه أدرجت القضية بعدة جلسات أدلى خلالها المدعى عليه ، ويتعين الاستجابة له ، والتصريح بكون المدعي هو الحاضن عن ابنته … وذلك تطبيقا للفصول 1- 32 – 50 -124 من ق المسطرة المدنية والمادة 171 من  مدونة الأسرة” [3]. وحيث إنه لما كانت المادة 171 من مدونة الأسرة تنص على: ” تخول الحضانة الأم ثم للأب ثم لأم الأم ، فإن تعذر فللمحكمة أن تقرر بناء على ما لديها من قرائن لصالح رعاية المحضون اسناد الحضانة لاحد الأقارب الأكثر أهلية، مع جعل توفير سكن لائق للمحضون من واجبات النفقة ” وحيث إنه البين من النص أن المشرع منح الحضانة للأم تم للأب ثم لأم الأم أي أنه متى سقطت الحضانة عن أحدهم أو تخلى عنها انتقلت للذي يليه بالترتيب الوارد بالنص وهو الأب مع الاخذ بعين الاعتبار مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 166 م أ والتي تنص ” بعد انتهاء العلاقة الزوجية يحق للمحضون الذي بلغ الخامسة عشرة سنة أن يختار من يحضنه من أبيه أو أمه ” وحيث إنه ومن خلال وقائع النازلة تبين أن الأم تنازلت عن حضانة ابنتها لمفارقها وذلك بمحض إرادتها دون إكراه او تدليس وطبقا للقاعدة الفقهية العقد شريعة المتعاقدين وحيث إن مصلحة الطفل فوق كل اعتبار تكون المحكمة بما قضت به قد طبقت مقتضيات المادة 171 تطبيقا صحيحا لما حكمت بكون المدعي … هو الحاضن عن ابنته .

وفي المقابل فإن قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية بمكناس أصدرت حكما بتاريخ 02/09/2004 وجاء فيه ” حيث إن طلب المدعية يرمي إلى الحكم على المدعى عليه بأداء اجرة حضانة بنتها نوران من 26/1/2004 إلى حين سقوط الفرض شرعا واداء واجب السكن وواجب الأعياد الدينية ومصاريف التطبيب والكل مع النفاذ المعجل وحيث أجاب المدعى عليه بأن ظروفه المادية لا تمح بتلبية طلبات المدعية وحيث إن أجرة الحضانة على المكلف بالانفاق وهي غير النفقة واجرة الرضاع استنادا للمادة 167 م أ مما يتعين الحكم على المدعى عليه بأدائها من تاريخ انتهاء عدة الطلاق الرجعي ، كما يتعين الحكم عليه بأداء واجب سكن محضونته وحيث إن طلب واجب الأعياد ومصاريف التطبيب يبقى غير مؤسس باعتبار ذلك من مشمولات النفقة، ولأجل ذلك حكمت المحكمة على المدعى عليه السيد … بأدائه للمدعية … مبلغ 100 درهم شهريا واجب حضانة بنتها … ابتداء من 21 / 1/ 2004 ومبلغ 400 درهم شهريا واجب السكن محضونتها ابتداء من 22 أبريل 2004 والكل إلى حين سقوط الفرض شرعا مع النفاذ المعجل ورفض باقي الطلبات “[4] . وبإسقاط المادة 167 من مدونة الأسرة على هذه القضية حيث تنص على أن أجرة الحضانة ومصاريفها على المكلف بنفقة المحضون وهي غير آجرة الرضاعة والنفقة.

وعليه ولما كانت الحضانة عملا من الأعمال وكانت المدعية هي الحاضنة وبالتالي تستحق الأجرة على بنتها فهي إذن غير أجرة الرضاع وغير نفقة الطفلة، وحيث إن المدعية موسرة وحيث كان غرضها هو الانتقام من المدعي ومن هنا فلا يجب عليها أن تلزم المدعي بأداء واجب السكن لأنها تتوفر على السكن وبالتالي يجب عليها عدم إلحاق ضرر بالمدعي لقوله تعالى:{ لا تضار والدة بولدها } [5] وحيث إن نص المادة 168 ينص على أنه ” تعتبر تكاليف سكنى المحضون مستقلة في تقديرها عن النفقة وأجرة الحضانة وغيرها” والمشرع لما قرر في المادة 168 وجوب التقدير المستقل لمسكن المحضون هو عدم تعريضه للتشرد والضياع والتعامل مع هذه المادة ينبغي في نطاق الغاية [6] ولا يمكن ان تكون سببا في إرهاق الأب وإغاته كما فعلت المدعية في هذه النازلة رغم أنها موسرة والمحكمة لما حكمت على المدعي بأدائه للحاضنة مبلغ 100 درهم شهريا واجب حضانتها لبنتها ومبلغ 400 درهم شهريا واجب سكن محضونتها والكل إلى حين سقوط الفرض شرعا، تكون قد طبقت مقتضيات المادة 168 من مدونة الأسرة تطبيقا سليما.

وفي نفس الاتجاه أيضا ونفس المحكمة قضت بتاريخ 6/5/2004 بالحكم على المدعى عليه م ر ، بأدائه للمدعية ف إ مبلغ 400 درهم شهريا واجب سكنى بنتها ي ومبلغ 100 درهم شهريا واجب أجرة حضانتها “[7].

والملاحظ من هذين الحكمين الصادرين عن قسم قضاء الأسرة ابتدائية مكناس ان القاضي عندما يعرض عليه نزاع بخصوص أجرة الحضانة وأجرة السكن غالبا ما يحكم ويقدر أجرة الحضانة في 100 درهم، واجرة السكن في 400 درهم دونما اعتبار لحالة الحاضنة أكانت موسرة أم معسرة وكذلك بالنسبة لأب المحضون .

ويمكن القول أخيرا أن المادة 168 تعكس جانبا من تأثير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على الروابط القانونية وإذا كان المحضون هو الجانب الضعيف الذي تقوم على مصلحته أحكام الحضانة بما في ذلك توفير الهدوء والاطمئنان له ، فإن وضعية الاب المفارق ليست دائما على أحسن الحال، خصوصا عندما يكون وضعه المادي غير ميسور والحاضنة موسرة فبقدر ما كان الفراغ التشريعي بخصوص سكنى المحضون في ظل مدونة الأحوال الشخصية المنسوخة أدعى إلى تباين مواقف القضاء وبالتالي فإن المادة أعلاه ستكون مثار العديد من ردود الأفعال ووعاء للعديد من المنازعات .
الخطبة والزواج
_________________________
[1] – فالعذر الاختياري حسب الكثير من الفقهاء هو الذي يكون نتيجته فعل يأتيه الحاضن اما العذر غير الاختياري فهو الذي يفرض فرضا على الحاضن دون أن تكون له يد فيه، لذلك نجدهم يستعملون مصطلح الاسقاط بشان العذر الاختياري ، والسقوط بشأن العذر غير الاختياري
[2] – من ذلك نفترض أن الأب سقطت عنه الحضانة لأنه ثبت يقينيا أنه ليس له من يحضن له ثم تزوج فبإمكانه أن يسترد الحضانة التي سقطت عنه
[3] – حكم عدد 353 صادر بتاريخ 11/8/2005 عن المحكمة الابتدائية بالرشيدية بمركز تنجداد في الملف تحت رقم 3747 /05/3
[4] – حكم رقم 1384 صادر بتاريخ 2/9/2004 عن قسم قضاء الأسرة بمكناس في الملف رقم 1170/04/5
[5] سورة البقرة الآية 233
[6] – ذ.محمد زلايجي ” سكنى المحضون في قانون الأسرة بين الإبقاء والإلغاء ” ندوة مدونة الأسرة عام التطبيق والآفاق كلية الحقوق وجدة ، ص 126 وما بعدها .
[7] – حكم عدد 1394 صادر بتاريخ 06 ماي 2004 عن ابتدائية مكناس، قسم قضاء الأسرة، في الملف رقم 128 / 4 / 5



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *