الإتفاق على الطلاق بمقابل في الفقه الإسلامي

الطلاق الاتفاقي بين قانون الأسرة والقوانين المقارنة – الفصل الأول
إذا ما نشأت الرابطة الزوجية صحيحة فانه لا يجوز لأي من الزوجين أن يطلب بانحلالها إن لم يتوفر سبب من الأسباب التي يحددها القانون, على أن معظم القوانين المقارنة تجيز حل الرابطة الزوجية بالاتفاق بين الزوجين على إنهائها.

وقد اعتمد المشرع المغربي نظام التراضي الأسري في مدونة الأسرة, لمنح إرادة الزوجين الحرية في تدبير أمور حياتهما الزوجية, سواء عند عقد الزواج أو عند الرغبة في إنهاء هذه الرابطة, الأمر الذي يعتبر تحديا لسياسة الاستيعاب التي تنتهجها أوروبا من اجل إخضاع أفراد الجالية المغربية لقانونها, باسم قانون الموطن أو الإقامة الاعتيادية تارة, أو باسم قانون إرادة الزوجين, أو ما يعرف بضابط سلطان الإرادة تارة أخرى.

ولأن مؤسسة الطلاق الاتفاقي كمستجد من المستجدات التي أتى بها قانون الأسرة المغربي تمكنهم من إنهاء رابطتهم الزوجية بالاتفاق فيما بينهما مع احترام أحكام المدونة,  فان قيام هذه المؤسسة على ميكانيزمات تجد أصولها في التشريعات المقارنة باعتبارها الوسيلة الناجعة لديها لإنهاء الرابطة الزوجية, تحقق ضمانات للزوجين سواء على المستوى الإجرائي أو على مستوى الحقوق والمكتسبات الناتجة عنها.
إلا أن اختلاف المرجعية الثقافية الإسلامية لقانون الأسرة المغربي عن نظيره في القوانين الغربية, ذات المرجعية اللائكية, سيطرح من جديد بعض التحديات أمام المشرع والاجتهاد القضائي المغربي.

مما يستلزم دراسة مؤسسة الطلاق الاتفاقي في القانون المغربي والمقارن للوقوف على نقط الائتلاف والاختلاف بين التشريعين من خلال دراسة الاتفاق على مبدأ إنهاء العلاقة بين الزوجين في (المبحث الأول) على أن نتعرض للاتفاق على الآثار المترتبة على الطلاق في( المبحث الثاني).

المبحث الأول : الاتفاق على مبدأ إنهاء العلاقة الزوجية
جاءت مدونة الأسرة بنظام التراضي بين الزوجين على إنهاء الرابطة الزوجية بينهما, في القسم الخامس, الباب الثاني من المدونة باسم الطلاق بالاتفاق أو بالخلع,  من اجل توسع إرادة الزوجين عند الطلاق, وان كان الطلاق الخلعي قد تم التنصيص عليه في مدونة الأحوال الشخصية لسنة1957 إلا أن مدونة الأسرة أدخلت عليه مجموعة من التعديلات في إطار الاعتراف للزوجين بحرية اكبر لتنظيم اتفاقهما في إطار احترام أحكام مدونة   الأسرة, حيث منحت للزوجين وسيلتين لإنهاء علاقتهما بالتراضي فيما بينهما : فقد يتفق الزوجين على الطلاق بمقابل مادي تدفعه الزوجة للزوج من أجل حصولها على الطلاق وقد يقتصر الاتفاق على التراضي فقط بينهما على إنهاء العلاقة الزوجية التي بينهما وهو ما يسمى بالطلاق الاتفاقي.

وبهذا يمكن للزوجين الاتفاق على إنهاء العلاقة الزوجية بمقابل مادي تدفعه الزوجة للزوج بعد الاتفاق على ذلك(المطلب الاول)كما يمكن لهما كذلك إنهاء هذه الرابطة بدون مقابل وهو ما أقرته المدونة  بتراضي الزوجين على الطلاق (المطلب الثاني)

المطلب الأول: الاتفاق على الطلاق بمقابل
يتم الزواج بإيجاب وقبول من الزوجين والأصل في كل عقد تم بإرادتين أن ينتهي كذلك, إذا ما اتفق المتعاقدان على إنهاء ما تعاقدا عليه, والشريعة الإسلامية وان جعلت الأصل في إنهاء الحياة الزوجية بالطلاق الذي يوقعه الزوج بإرادته المنفردة, فإنها لم تغفل جانب المرأة في هذا الموضوع الخطير الذي يتصل بحياتها, فأعطت لها الحق في الخلع[1].
والخلع يتم بتراضي الزوجين أصلا, فإذا لم يتم التراضي بينهما فللقاضي إلزام الزوج بالخلع, وقد عملت المدونة على تقنين نظام التراضي على الطلاق بين الزوجين من خلال المادة 114 و115 من قانون الأسرة الجديد.
مما يستدعي منا دراسة الاتفاق بين الزوجين على الطلاق بمقابل في الفقه الإسلامي على اعتبار أن المدونة تستمد أحكامها من الشريعة الإسلامية(الفقرة الأولى ) والتشريع الغربي مادام أن الاتفاق على الطلاق يعتبر حالة من حالات الطلاق في التشريعات المقارنة(الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى: الاتفاق على الطلاق في الفقه الإسلامي
للزوجين أن يتراضيا على الطلاق بمقابل، وهو ما يعرف في الشريعة الإسلامية بالطلاق الخلعي [2], والخلع لغة :الإزالة ,يقال خلع الرجل ثوبه خلعا (بفتح الخاء)أي إزالة عن جسده,وخلع الرجل زوجته خلعا(بضم الخاء)أي أزل عصمتها أو هو إنهاء عقد الزواج على بدل تدفعه الزوجة لزوجها.
والخلع شرعا إزالة عقد النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو ما في معناه, وقد عرفه الفقهاء بتعريفات شتى نذكر منها:

تعرف خليل من المالكية في مختصره بأنه”الطلاق بعوض”[3], وقال الدردير تعليقا على تعريف خليل “هذا هو الأصل فيه وقد يكون بلا عوض إذا كان بلفظ الخلع بدون عوض والجواب انه تعريف لأحد أنواع الخلع وترك تعريف النوع الأخر لكونه بديهيا”, وعرفه ابن حزم من الظاهرية في المحلي : “هو الافتداء, إذا كرهت المرأة زوجها فخافت أن لا توفيه حقه أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها فلها أن تفتدي منه ويطلقها إن رضي هو, والا لم يجبر هو وأجبرت هي وإنما يجوز بتراضيهما على الطلاق[4]. ويتأسس نظام الخلع في القرآن الكريم بقوله تعالى:” ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا، إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون”[5] .

أي انه لا يحل للزوج أن يأخذ مما دفعه إلى زوجته من المهر شيئا ولو قليلا, إلا أن يخاف الزوجان سوء العشرة, وألا يراعيا حقوق الزوجية التي أمر الله تعالى بها, وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها حتى يطلقها فلا إثم على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في بذله[6].

وقد جاء في السنة النبوية صحيح البخاري “عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاءت امرأة ثابت ابن قيس ابن شماس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتردين عليه حديقته؟ …. قالت نعم، فردت عليه فأمره ففارقها.

كما أجمع المسلمون على مشروعية الخلع ولم يخالف إلا بكر بن عبد الله المؤني ولكن الإجماع انعقد قبل خلافه[7].

ولا خلاف بين المسلمين على من أراد أن يخالع امرأة على عوض فذلك جائز له, إذا خيف عدم إقامة حدود الله بينهما, أما الخلاف بين الفقهاء فهو حول جواز اخذ المال من الزوجة هل هو مشروط أم غير مشروط؟

” قال بعض الفقهاء أن اخذ المال مشروط بوجود الشقاق بين الزوجين حين الخوف من عدم إقامة حدود الله. وحدود الله بين الزوجين هي ما فرضته الشريعة الإسلامية على كل منهما نحو شريكه الأخر وذلك بقوله تعالى “إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله”.
وقال بعضهم أن هذا وان ذكر في القران الكريم ولكن ليس على سبيل الشرط بل على انه الغالب من الأمر.
والذين قالوا يشترط الشقاق اختلفوا فيما بينهم هل هذا يجب أن يكون من احد الزوجين أم من كليهما, حيث قال الجمهور :لو خالع الرجل زوجته والأخلاق ملتئمة[8] صح الخلع ولكن ذلك مكروه ودليل ذلك :
1-قوله تعالى : “فان طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا “فهذا صريح بإباحة وطيبة اخذ المال من الزوجة إذا كان ذلك برضاها دون أن يكون هناك أي شرط من وجود شقاق أو خلاف أو غيره.
2-وقالوا إذا جاز للزوج أن يأخذ المال من زوجته على طلاقها في حال الشقاق والنزاع وهي غالبا الحالة التي تكون فيها مضطرة للخلاص من زوجها أفلا يجوز للزوج أن يأخذ من مالها لطلاقها وهي في حالة الرضاء والأخلاق ملتئمة أي في حالة الاتفاق فيما بينهما على الطلاق.
وقال الزيدية و الظاهرية والجعفرية :
لا يجوز للزوج اخذ المال إلا بوجود الشقاق, واستدلوا :
1-إن الأصل عدم حل اخذ مال الغير إلا بحق وفي موضوع الخلع حرم الله ذلك وأباحه في وضع معين حيث قال: “إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله” بعد أن ذكر التحريم بقوله : “ولا يحل لكم …”ولم يكتف القران بذلك بل هدد من يخالف هذه الأحكام بقوله : “تلك حدود الله فلا تعتدوها…”
2-وقوله تعالى : “فان خفتم شقاقا بينهما فابعثوا…”اشترط الله أيضا وجود الشقاق بين الزوجين لبعث الحكمين للصلح أو التفريق, فإذا ما فرق فقد يحكم بعوض على الزوجة تدفعه لزوجها ولهذا اشترط الشقاق.
3- أن السنة النبوية بينت أحكام الخلع في حادثة ثابت بن قيس اثر شكوى امرأة زوجها من سوء معاملتها فدل على أن مشروعية الخلع كانت بعد أن وجد الخلاف والشقاق بين الزوجين.
وردوا على حجج الجمهور بقولهم :
1-أما قوله تعالى :فان طبن لكم…فهذا في غير موضوع الخلع فلا علاقة له به, إنما ورد فيما إذا تركت الزوجة مهرها لزوجها بطيبة من نفسها والزوجية قائمة لا حين انفصالهما فالقياس مع الفارق.
2-وأما قولهم انه لما جاز في حال الشقاق اخذ مالها فيجب أن يجوز في حال الرضا بالأولى فغير صحيح, لان الله نص في الخلع على اخذ المال مع الحظر بقوله : ولا يحل لكم…ونص على الإباحة في محل آخر وفي موضوع آخر وهو قوله : فان طبن…
قال الجصاص : فقول القائل لما جاز أن يأخذ مالها بطيبة من نفسها من غير خلع جاز في الخلع, قول مخالف لنص الكتاب[9]”.

إن باستعراض اختلاف آراء الفقهاء حول التراضي على الطلاق بمقابل بين جواز اخذ المال من الزوجة عند الطلاق بالخلع (رأي الجمهور)وعدم جواز اخذ المال إلا بوجود الشقاق وعدم التوافق بين الزوجين على الطلاق (رأي الزيدية والظاهرية و الجعفرية) يوضح لنا بجلاء أن الشريعة الاسلامية, شريعة عامة وصالحة لكل زمان ومكان تواكب أحوال الناس وانه كما يمكن للزوجين الاتفاق على الطلاق بمقابل فانه من الممكن أيضا أن يتم الاتفاق على الطلاق بدون مقابل.

ولأن المذهب المتبع عندنا هو المذهب المالكي, وهذا ما أكدته مدونة الأسرة في المادة 400 على انه “كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة, يرجع فيه إلى المذهب المالكي”, الذي يعتبر طلاق الخلع, طلاق بعوض.يبرز لنا غياب الطلاق الخلعي (بدون مقابل) او ما يمكن تسميته بالاتفاق على الطلاق بدون مقابل.

ذلك انه في فقه النوازل لم يذكر انه ثم التعرض لهذا النوع من الاتفاق وهذا يعود حسب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن الاتفاق بين الزوجين على الطلاق بدون مقابل يمكن الزوج من اللجوء إلى الطلاق, وهذا بالفعل ما تم تأكيده من قبل بعض قضاة التوثيق, في نظام مدونة الأحوال الشخصية, أنه عند الاتفاق بين الزوجين على الطلاق (بدون مقابل) فان الزوج يقوم بالطلاق, على أنهم لا يلجئون إلى الخلع إلا عندما تتنازل الزوجة عن حقوقها الشرعية عند الطلاق أو يتم الاتفاق حول المبلغ الذي ستدفعه الزوجة مقابل طلاق زوجها.

وبهذا يمكن للزوجين, في ظل الشريعة الإسلامية, الاتفاق على الطلاق بينهما واللجوء إلى الطلاق أو الخلع بدون عوض, على انه إذا ما أرادت الزوجة تعويض الزوج عن الضرر الذي من الممكن أن يلحقه جرأ فسخ عقد الطلاق فان لها, وفي إطار الاتفاق دائما, أن تدفع له العوض على الطلاق, حسب القاعدة الشرعية التي تقضي بأنه” لا ضرر ولا ضرار”.

وفي هذا الصدد يقول ابن عاشور”فالتخلص قد يكون مرغوبا لكلا الزوجين وهذا لإشكال فيه, وقد يكون مرغوبا لاحدهما ويمتنع منه الأخر فلزم ترجيح احد الجانبين, وهو جانب الزوج لان رغبته في المراة اشد, وإذا كان الطلاق شرع أصالة بيد الرجل, فانه عند الإضرار بالمراة, ورفض الزوج الطلاق يمكنها اللجوء إلى الخلع كحل مقابل دفعها مقدارا معينا من المال لزوجها”[10].

مما يعني أن الشريعة الإسلامية أقرت الطلاق بالاتفاق بين الزوجين, سوءا تعلق الأمر بالطلاق بالاتفاق بدون مقابل والذي يعتبر استثناءا أو الخلع الذي يتم بتراضي الزوجين أصلا, فإذا لم يتم التراضي بينهما, فللقاضي إلزام الزوج بالخلع لان تابتا وزوجته رفعا أمرهما للنبي صلى الله عليه وسلم, والزمه الرسول بان يقبل الحديقة ويطلقها كما تقدم في الحديث, وبهذا نصت مدونة الأسرة في المادة 115 “للزوجين أن يتراضيا على الطلاق بالخلع طبقا لإحكام المادة 114”.

إذ للزوجين التراضي على إنهاء العلاقة الزوجية مع أداء الزوجة للزوج مبلغا من المال، أو كل ما صح الالتزام به شرعا، مع مراعاة عدم التعسف والمغالاة في المبلغ الذي تمت المخالعة به, حيت نصت المادة 118 على أن   “كل ما صح الالتزام به شرعا, صلح أن يكون بدلا في الخلع, دون تعسف ولا مغالاة”. فالخلع لا يتم إلا إذا صدر الإيجاب من الزوجة بالطلاق وفق مقابل تدفعه له وقبول من الزوج, فهو عقد معارضة يمنح فيه الزوج الطلاق الذي يملكه وتمنح الزوجة المقابل المالي، وقد أباح الإسلام, كما سبقت      الإشارة, للزوجين إذا اتفقا على أنهاء الحياة الزوجية بينهما أن تدفع الزوجة لزوجها مبلغا من المال لا يتجاوز ما ساقه إليها من المهر.
ولكن هل يمكن اعتبار الطلاق الاتفاقي بأنه نوع من انواع طلاق الخلع وفق مدونة الأسرة؟
إن لاعتبار الطلاق بالتراضي طلاقا خلعا يجب أن تتوفر فيه الشروط التالية:
-أن يكون الخلع بطلب من الزوجة.
-وأن يتم بالتراضي بين الزوجين على المخالعة بأن ترضى الزوجة بدفع البدل ويرضى الزوج بالخلع وبالبدل[11].

-لابد فيه من مقابل تدفعه الزوجة لزوجها والا كان طلاقا [12].
فغياب توفر أحد هذه الشروط السابقة ينزع عن الطلاق الخلعي أو بالمقابل صفته، ويجعله طلاق صرفاوذلك حسب مذهبنا المالكي الذي يعتبر الخلع طلاقا بعوض.

الأمر الذي يدفعنا للقول بأن ما ذهب إليه بعض الفقه, باعتبار الطلاق الاتفاق في صورته المتمثلة في التراضي بين الزوجين نوع من أنواع الطلاق الخلعي، اتجاه غير صحيح، فاعتبار الطلاق الاتفاقي نوع من أنواع طلاق الخلع غير مرتكز على أساس قانوني وذلك لسببين :

-الأول : أن الطلاق الاتفاقي يتم بتوافق إرادتي الزوجين على إنهاء الرابطة الزوجية، وذلك بالتراضي على مبدأ الطلاق وعلى الآثار المترتبة عنه ، بدون طرح فكرة المقابل على الطلاق وإنما الغرض هو إنهاء هذه الرابطة المقدسة بطريقة ودية، يتم من خلالها الفرقة بهدوء وتفاهم تراعى فيها بالأساس ما أمر الله سبحانه وتعالى عباده في قول عز وجل “فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان” وان طرح فكرة المقابل سيشنج هذه العلاقة.
-الثاني : أن اتفاق على الطلاق بمقابل وإن كان يتفق مع الطلاق الاتفاقي في أن كلا منهما يعتبر عقدا يجب أن يتوفر فيه شرط التراضي بين الزوجين, إلا أن حرية الزوجين في التراضي تختلف في كلا المؤسستين.
فالمشرع المغربي وإن سمح للزوجين بالتراضي على المقابل، فإنه احتاط لتعسف الزوج في ممارسة حقه في الطلاق والمغالاة في المقابل, فجعل الاتفاق على المقابل بين الزوجين مقيد بشروط, كما وضع معايير يجب على القاضي مراعاتها.
حيث نصت المادة 120 على أنه “إذا اتفق الزوجان على مبدأ الخلع، واختلفا في المقابل… حكمت المحكمة بنفاذ الخلع بعد تقدير مقابله مراعية في ذلك مبلغ الصداق، وفترة الزواج، وأسباب طلب الخلع، و الحالة المادية للزوجة “واحتاط المشرع لحماية الزوجة القاصرة فقام بالنص “على المحكمة أن تراعي مصلحتها عند تقدير بدل الخلع”. هذه المعايير يجب مراعاتها من قبل المحكمة حتى بعد الاتفاق على المقابل.

وإذا كانت الزوجة يحق لها أن تتنازل عن كافة حقوقها المالية الشرعية من نفقة ومتعة ومؤخر صداق, فانه لا يمكن لها أن يشمل التنازل, حقوق أطفالها والتخلي عن حضانتهم ونفقتهم وغيرها[13], لأنها ليست حقوقا خاصة بها.وهذا ما نصت عليه المادة 119 إذ “لا يجوز الخلع بشيء تعلق به حق الأطفال أو نفقتهم إذا كانت الأم معسرة, وإذا أعسرت الأم المختلعة بنفقة أطفالها وجبت النفقة على أبيهم دون مساس بحقه في الرجوع عليها”[14] , الأمر الذي  يوضح أنه في ظل هذه المقتضيات لا يمكن الحديث عن إرادة حرة في الاتفاق بخلاف الطلاق الاتفاقي، الذي يستلزم أن يكون الاتفاق حر بين الزوجين, وان كانت هذه الحرية نسبية لخضوعها لمراقبة القضاء .

مما يوضح لنا أن المشرع المغربي نص من خلال الفصلين 114 و115 على نظام التراضي على الطلاق، حيث يحق فيه للزوجين التراضي على إنهاء العلاقة       الزوجية, بدون مقابل وهو الطلاق الاتفاقي, أو بمقابل, لكن مع احترام المقتضيات التي نصت عليها مدونة الأسرة في أحكام الخلع, ويؤكد كذلك الاختلاف الموجود بين مؤسسة الطلاق الخلعي و الطلاق الاتفاقي من حيث الأهداف والمبادئ التي ينبني عليها كل واحد منهما، وأن اعتبار الطلاق الاتفاقي نوع من أنواع الطلاق الخلعي سيؤدي إلى إفراغ هذه المؤسسة من الهدف المتوخى منها, على أن إحالة مدونة الأسرة في الفصل 115 على أحكام المادة 114 إنما للمسطرة المتبعة في حالة التراضي بين الزوجين على الخلع، إذ يجب على الزوجين أن يقدمان طلب التطليق للمحكمة مرفقا به للإذن بتوثيقه.
الطلاق الإتفاقي للمغاربة في المهجر وفق مدونة الأسرة
___________________________________________________
[1] – يقول ابن رشد “والفقه أن الفداء (الخلع) إنما جعل للمرأة في مقابل ما بيد الرجل من الطلاق, فانه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك المرأة جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل”.أبي الوليد :ابن رشد الحفيد “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”.دار الحديث القاهرة ج 2, سنة الطبع 1425ه- 2004م ص 68. والفرك :العراك, البغض, وقيل لا يستعمل إلا في تباغض الزوجين خاصة.
[2] – الخلع: بذل المرأة العوض على طلاقها. إلا أن اسم الخلع يختص ببذلها له جميع ما أعطاها والصلح ببعضه والفدية بأكثره والمباراة بإسقاطها عنه حقا لها عليه .حاشية الدسوقي الجزء 2 ص 349, انظر أيضا محمد الكشبور. الوسيط في قانون الأحوال الشخصية مطبعة النجاح, الطبعة الخامسة 1412 – 2000 ص 310.
[3] -حاشية الدسوقي. الجزء الثاني ص 406
[4] – نقلا عن عبد الرحمان الصابوني” مدى حرية الزوجين في الطلاق في الشريعة الإسلامية ” أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق, مطبعة جامعة دمشق 1382 هـ – 1962 م ص 489 ,506.
[5]- سورة البقرة الآية 229, راجع في تفسير هذه الآية, تفسير ابن كثير, الجزء الأول مؤسسة الكتب الثقافية بيروت, الطبعة السادسة 1419ه _1998 م ص 261 و 262
[6] -محمد الصابوني “صفوة التفاسير”المجلد الأول, دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع, القاهرة, الطبعة التاسعة(بدون ذكر سنة الطبع)ص 146
[7]- العمراني الكد”فقه الأسرة المسلمة في المهجر هولندا نموذجا”رسالة دكتوراه, جامعة محمد الأول, شعبة الدراسات الإسلامية, 2002-2003 الجزء الأول ص 19
[8] -وهو ما يتحقق لدينا باتفاق الزوجين على الطلاق .
[9] -نقلا عن عبد الرحمان الصابوني “مدى حرية الزوجين في الطلاق” مرجع سابق ص 570-571.
[10] -hppt//www.islamonline.net/arabic/adam
[11] -إذا اتفق الزوجان على الفرقة في مقابل مقدار معين من المال تعطيه الزوجة لزوجها وطلقها بناء على ذلك فان هذا يعتبر يمينا من جانب الزوج, لأنه علق طلاقها على قبول المال, والتعليق يسمى يمينا في اصطلاح الفقهاء ويعتبر معاوضة من جانب الزوجة, لأنها التزمت بالمال في مقابل افتداء نفسها وخلاصها من الزوج.زكي الدين شعبان “الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية “منشورة الجامعة الليبية كلية الحقوق, الطبعة الرابعة 1398 ه-1978 م ص 460
[12] – عمد المشرع المغربي إلى النص على أحكام الخلع وفقا لما قررته الشريعة الإسلامية ولعل ذلك سيحقق منافع لطرفي العلاقة الزوجية إذ بموجبه يسترد الزوج ما دفعه لزوجته من مقدم صداق ويرفع عن كاهله عبء أداء أي من الحقوق المالية الشرعية للزوجة من نفقة وعدة ومتعة ومؤخر صداق فيزول عنه بذلك أي ضرر مما يجعل إمساكه لزوجة بعد أن تقرر مخا لعته إضرارا خالصا بها.
[13] وفي حاشية الدسوقي على مختصر خليل تعليقا على جواز الخلع بالتنازل عن الحضانة “هذا مقيد بان لا يخشى على المحضون ضررا إما بعلوق قلبه بأمه, أو لكون الأب غير حصين والا فلا تسقط الحضانة حينئذ, اتفاقا ويقع الطلاق.حاشية الدسوقي ج2 ص 349.
[14]- قال مالك “ومن الحق أن يكلف الرجل نفقة ولده وان اشترط على أمه نفقته, وإذا لم يكن لها ما تنفق عليه”أبو عبد الله القرطبي “الجامع لأحكام القران”دار إحياء التراث العربي الطبعة الأولى الجزء الثالث ص 143..



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *