ثانيا: تسريع الفصل في المنازعات الضريبية
يعتبر تسريع الفصل في المنازعات الضريبية، من أهم العناصر التي من شأنها أن تساهم في معالجة التهرب الضريبي وذلك من خلال اتجاهين:
1- الاتجاه الأول:
أن قصر مدة الفصل في المنازعة الجبائية يشجع الملزم على ملوك مسطرة المنازعة على الإذغان لتداعيات شروط الإدارة الضريبية ، التي غالبا ما يطبعها تحصيل أكبر مبلغ مادي ممكن من المكلف ، حتى عند عدم  شرعية الضريبة يكفي في ذلك جهل الملزم لمسطرة معينة أو إجراء ما لإثبات الفرض التلقائي عليه.

كما أن تفضيل اللجوء إلى الجهات المختصة في المنازعات الضريبية سيساهم في وضع الإدارة على جادة القانون الضريبي دون تجاوز لذلك وهذا ما سيكرس ثقة الملزم واطمئنانه على حقوقه وبالتالي تورعه عن التهرب من أداء الضريبة

2– الاتجاه الثاني:
أن قصر مدة الفصل في المنازعات الضريبية سيقطع طريق نوع آخر من التهرب في الأداء الضريبي ، إذ أن المتهرب يسلك طرقا متنوعة قصد التهرب وذلك في غياب أعين الإدارة ، لكن عند أي مراقبة أو إعادة فحص تصحيح للضريبة في حقه يلجأ إلى سلك مسطرة المنازعة لكسب هامش من الوقت إلى أن يثبت في حقه الأداء.

في حين أن طول مدة النظر في الدعوى الجبائية يعتبر عقوبة للملزمين الأوفياء في أدائهم الضريبي والذين يرون في زعم الإدارة تصحيحا إضافية شططا سلطويا اتجاههم وأن هذه الآجال الطويلة الأمد هي مضيعة لوقتهم وإضافة مصاريف جديدة عليهم ، مما قد يستميلهم عن إخلاصهم في صدق إقراراتهم الضريبية وبالتالي احترافهم التهرب الضريبي

ومن هنا فمدد آجال الفصل في المنازعات الضريبية تدور كالتالي:

فبعد التبليغ الأول، والتبليغ الثاني من لدن الإدارة الضريبية ، وانتهاء المسطرة التواجهية، هناك إمكانية تسلم اللجنة المحلية تقرير التصحيحات ودعوة رئيس هذه اللجنة للاجتماع وبالتالي يمكن للجنة أن تبث في الطلب خلال اجتماع بحضور الرئيس وعضوين آخرين[1] وذلك حسب التعديل الذي جاء به قانون المالية لسنة 96 – 97.

ويحدد بأربعة وعشرين ( 24) شهرا الأجل الأقصى الذي يجب أن يفصل بين تاريخ تقديم الطعن وتاريخ صدور المقرر المتخذ في شأنه[2] وفي حالة عدم احترام الأجل السالف الذكر، 24 شهرا، يتم تبليغ الملزم بفوات الأجل ، لمنحه بالتالي الحق ، فإنه يتم ربط الضريبة التكميلية بناء على أسس الرسالة التبليغية الثانية ، ويحرم بعدها من رفع طعنه أمام اللجنة الوطنية للطعون الضريبية أما في حالة ممارسة الملزم لهذا الحق ، فإنه يتم ربط الضريبة التكميلية بناء على اسس الرسالة التبليغية الثانية ، ويحرم بعدها من رفع طعنه أمام اللجنة الوطنية ، ليبقى للملزم عندها الرجوع إلى تقديم مطالبته للإدارة

( تظلم تمهيدي) في إطار المنازعة العادية، ورفع دعواه أمام القضاء الإداري.

أما إذا تم تبليغ الملزم بذلك فإن أمامه ( 60 يوما ) كأجل لرفع المطالبة بالطعن أمام اللجنة الوطنية ، وذلك ابتداء من تاريخ تبليغه مقرر اللجنة المحلية وهو التبليغ الذي عمد به القيام به لمفتشي الإدارة الضريبية [3].

وفي حالة عدم تقديم الملزم المعني طعنا أمام اللجنة الوطنية داخل أجل 60 يوما من تاريخ تبليغ مقرر اللجنة المحلية، فإن ذلك يعتبر قبولا ضمنيا من لدن الملزم لتقوم  الإدارة الضريبية بفرض الضريبة انطلاقا مما تضمنه مقرر اللجنة المحلية من تصحيحات.

وإذا تقدم الملزم بطعنه أمام اللجنة الوطنية او الإدارة فإن الأجل الأقصى الفاصل بين تاريخ تقديم الطعن إلى اللجنة الوطنية وتاريخ إصدار مقررها في شأن هذا الطعن ، والذي ينتج عنه إما تأييد قرار اللجنة المحلية أو إلغائه فهو اثنا عشر شهرا. وخلافا للمغرب هناك بعض الدول التي تتوفر على لجنة واحدة  للبث في منازعات الفحص الضريبي قبل اللجوء إلى القضاء ، كما هو الشأن في فرنسا المتوفرة على اللجنة الجهوية[4] ويتم العمل بلجنة واحدة كذلك في تونس وتعرف اللجنة الخاصة لتوظيف  الضريبة والتي تضطلع بدور تقرير من الطرفين الملزم والإدارة الضريبية- إمكانية الطعن القضائي أمام المحكمة الإدارية، وفي مصر أيضا نجد لجنة واحدة وهي لجنة الطعن الضريبي.

فإذا لم تتخذ اللجنة الوطنية أي مقرر داخل الأجل المذكور، لا يجوز إدخال أي تصحيح على اساس فرض الضريبة المعتمد من لدن الإدارة في حالة فرضها بصورة تلقائية بسبب عدم الإدلاء بالإقرار [5].

وبعد صدور مقرر اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة يحق لطرفي النزاع – الملزم والإدارة الضريبية – تقديم طعن قضائي أمام المحكمة الإدارية المختصة في المنازعات الضريبية، وذلك داخل أجل أقصاه 60 يوما.

وهكذا يبقى أمام القضاء الإداري المختص في المنازعات الجبائية أجلا فوق السنة، باعتبار إذا ما حسمت المحكمة الإدارية ابتدائيا النزاع، أو سيطعن فيه أمام المحاكم الإدارية الاستئنافية وبعدها الغرفة الإدارية نقضا.

وهكذا  فإن مسار فصل النزاع الضريبي جد طويل، مما يحبط عزيمة الملزم للخوض في النزاع ويفضل اللجوء إلى المسطرة التواجهية وفي حالة إذا ما لم يتم إنصافه ، فإنه إن كان غير ممتهن للتهرب سيحاول بدوره أخذ حقه بيده عن طريق احتراف التهرب.

وهكذا نعتقد أن آن الأوان لخلق لجان جهوية عوض الاكتفاء باللجن المحلية ولجنة وطنية[6] على غرار فرنسا التي تتوفر على اللجنة الجهوية للضرائب المباشرة والضرائب غلى رقم الأعمال Commission département des impôts directes de taxes sur le chiffre d’affaire  .

دون أن ننسى التجربة الرائدة في كل من الجزائر وفرنسا التي لا تبث في التظلمات الاستعطافية إلا بعد استشارة لجنة إدارية تنشأ لأجل ذلك وفي لجنة “الإعفاء والتصالح ” وهو موقف له محاسنه خاصة من حيث الحد من التظلمات الكاذبة التي يتقدم بها بعض المكلفين ذوي النية السيئة كما أن تواجد هذه اللجنة سيمكن حتى من تخفيف عبء حجم الملفات  المعروضة سواء أمام الإدارة الضريبية أو أمام اللجن بشقيها المحلية والوطنية أو حتى امام القضاء الإداري والجدول التالي يوضح حجم التظلمات المقدمة سواء من طرف الملزم أو الإدارة الضريبية:
جدول رقم 8: عدد التظلمات المقدمة من طرف الإدارة الضريبية والملزم

نوع التظلم
السنوات
أمام الإدارة الضريبية أمام اللجن المحلية أمام اللجن  الوطنية أمام المحكمة الإدارية ضد الإدارة واللجن أمام المجلس الأعلى
[7]2002 76262 تظلم 2001 طلب 350 طلب 883 طعن 229 طعن
2003[8] 80200 تظلم 3570 طلب 674 طلب 1063 طعن 227 طعن

Source: Direction Generale Des Impots, Rapport d’agtivité 2002- 2003.
وبتحليل بسيط لهذه المعطيات نلاحظ ارتفاع التظلمات المقدمة أمام الإدارة الضريبية، وكذا الطلبات والطعون المقدمة أمام اللجن والمحاكم الإدارية والمجلس الأعلى هذه النسب التي هي في ارتفاع سنة بعد أخرى، الشي الذي يؤدي إلى اكتضاض الملفات وهو ما يؤثر بشكل مباشر على الفصل فيها ، وهو لن يكون إلا سببا في ضياع حقوق الملزم تارة وحقوق الخزينة تارة أخرى
نسبة والرسم[9] التالي يزكي نفس الإشكالية أي ارتفاع الطعون الضريبية المقدمة أمام المحكمة الإدارية والمجلس الأعلى:

رسم بياني رقم 21: الطعون المقدمة من طرف الإدارة الضريبية والملزم
الطعون المقدمة من طرف الإدارة الضريبية والملزم
Source: Direction Générale des Impôts, Rapport d’activité 2005.
وباستقراء النشاط العام لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط والمحاكم الإدارية التابعة لدائرتها القضائية خلال الفترة الممتدة من 14 شتنبر 2006 إلى متم غشت 2008 نجد ان عدد القضايا المسجلة في مادة الضرائب وتحصيل الديون العمومية 1525 قضية حكم منها فقط 519 قضية والباقي بدون حكم 1006 قضية[10] ، وهذا ما يزكي فكرة أن اكتضاض الملفات وارتفاع حجمها يعطل من سرعة الفصل فيها الشيء الذي يدل على ضرورة خلق قضاء ضريبي متخصص في المنازعة الضريبية على غرار المحاكم التجارية، لإحكام المعرفة بالواقعة الضريبية من جهة، وتسريع الفصل في المنازعات الضريبية من جهة أخرى.

خاتمة الفصل الثاني:
تأسيسا على ما تم تناوله فيما تقدم، يتبين أن العلاقة بين الجباية والاستثمار تعتبر على درجة من الأهمية والدقة، وكلما كانت هذه العلاقة مضبوطة وموزونة بالشكل اللازم كلما ساهم كل منهما في إثرا الآخر فلا يتصور قيام مشاريع استثمارية قوية دون سياسة جبائية حكيمة كما لا يمكن تنمية الموارد المالية للدولة دون إيرادات ضريبية مهمة.

وقد آخذت العلاقة بين الجباية والاستثمار في رسم حدود جديدة ، على أساس ان الضريبة لا تعد وسيلة لتعطية التحملات العمومية فقط، بل إنها وبفعل تدخلها في وسيلة تحديد الاولويات وتوجيهها العاملي الادخار والاستثمار تعتبر كذلك وسيلة في يد الدولة للتدخل في الحياة الاقتصادية كأداة فعالة لتحقيق التوازن الاقتصادي، وذلك عبر التأثير الذي تحدثه على مجموع أنشطة الفاعلين الاقتصاديين من إنتاج توزيع استعمال الأموال ، والمساهمة في توجيه السلوكات الاقتصادية المتعلقة بالاستثمار.

ويعتبر القاضي الإداري حلقة مهمة في صياغة هذه العلاقة، فهو الحكم الذي يعطي للقاعدة الضريبية بعدها الحقيقي ومضمونها الاجتماعي والاقتصادي بين ما هو مقرر تشريعا وبين ما يفرزه التطبيق العملي على مستوى العمل الإداري ، والحماية الممارسة من طرف القضاي بهذا الخصوص تستحب على حماية النشاط المستثمر من جهة، وضمان الموارد المالية للدولة من جهة أخرى. ومن اهم هذه الحماية نذكر الحماية المقررة من خلال تبسيط القواعد المسطرية ، فتبيسيط القواعد المسطرية ، كما قال جونماري بونتيي ” Jean marie Pontier ” تعتبر ضرورة ملحة ، وإن كان هذا التبسيط على حساب جمالية البناء النظري ، فلا خبر من بناء نظري ناقص إذا كان يسهل المأمورية للمدعي ، ولا فائدة من منطق كامل إذا كان يصعب الطريق امام المتقاضي”.

وتحقيقا للفعالية الاقتصادية، فنجد ان الصورة المتالية تتمثل في اختيار قواعد ضريبية تتزايد بموازاة مع النفقات ، فالنفقات يمكنها ان ترتفع والمداخيل الجبائية يجب أن تنبثق عن عدد قليل من الضرائب المفروضة على قاعدة واسعة، حيث يصبح من الممكن القيام بتعديل بعض المعدلات لإرجاع مجموع المداخيل الجبائية إلى المستوى المطلوب.

ويعتبر كذلك أنه من الأفضل البحث عن بينة جبائية محايدة نسبيا ، بنية جبائية تاتبع الموارد التي تثر أقل ما يمكن على تخصيص الموارد.
وفي هذا الإطار يطرح “Vito Tanzi” خمسة شروط ليصبح النظام الجبائي أداة فعالة للسياسة الاقتصادية  ، وتتمثل في :
* إيجاد مؤشر يمكن الارتكاز عليه لتحصيل مداخيل كبيرة انطلاقا من عدد قليل من الضرائب
* إيجاد مؤشر يقرب الوعاء الجبائي الخاضع للاقتطاع أكثر ما يمكن من إمكانية نيابة الحقيقية ؛
* المحافظة على بعض التأخير القصير في تحصيل الضرائب ؛
* العمل على تفادي الاقتطاعات الخاصة ؛
* إنزال عقوبات جدية على مظاهر التهرب الجبائي.
االفقرة الثانية: دعم دور القضاء الجبائي
المطلب الثاني: تفعيل دور القضاء في المجال الضريبي
المبحث الثاني: سبل الحد من ظاهرة التهرب الضريبي
الفصل الثاني: التهرب الضريبي والفعالية الاقتصادية
إشكالية التهرب في القانون الضريبي
______________________________________
[1] – هذه المقتضيات تمت إضافتها بمقتضى قانون مالية 2001.
[2] – تجدر الإشارة إلى أن اجتماع اللجنة تعتبر قانونيا ولو تغيب ممثل الملزم او ممثل العامل.
[3] – وذلك وفقا لمقتضيات المادة 50 من  مكرر المنظمة لإجراءات التبليغ لكل مقررات الإدارة الضريبية ، حسب مقتضيات قانون المالية لسنة 2001.
[4]-Rolond terrel, contentieux fiscal: les dès du contentieux fiscal par la jurisprudence, maxima, Paris 1996, p:51.
[5] – محمد منقار بنيس “،” مسطرة تصحيح الضريبة ” ندوة ” العمل القضائي والمنازعات الضريبية” لقاء مشترك بين المجلس الأعلى والمديرية العامة للضرائب ، الاثنين ، والثلاثاء 28 – 29 مارس 2005، ص : 19.
[6] تجدر الإشارة إلى أن اللجان المحلية واللجنة الوطنية ليست مؤسسات قضائية ولا تقوم بعمل قضائي إلا أنها مستقلة عن الإدارة الضريبية ويرأس كل واحد منها قاض.
Direction générale des impôts, Rapport d’activité 2002, p 19 – 20 – 21. -[7]
[8] – Direction générale des impôts, Rapport d’activité 2003, p: 17 – 18.
[9] – Direction générale des impôts, Rapport d’activit, 2005, p:19 –  [9]
[10] – “القضاء الإداري المغربي: حصيلة وأفاق”، يوم دراسي بمناسبة الذكرى الثانية لإحداث محاكم الاستئناف الإدارية بالمغرب، الجمعة 24، أكتوبر 2008، ص: 61.