الاستثمارات الأجنبية والتهرب الضريبي

التهرب الضريبي وجاذبية الاستثمار – الفقرة الثانية
إذا كان الاستثمار هو الرافعة الرئيسية التي تحمل الاقتصاد الوطني نحو الازدهار والنمو، وتخلق فرص الشغل، فإن الاستثمار يجب أن يخضع لتدبير حسن وحكامة جيدة ، تقوم على ضمان ربحية مقنعة ، واستقرار سياسي ، وإدارة عصرية خدومة، ونظام جبائي مناسب.

فالاستثمار يمكن من ضمان وفرة سيولة الإيرادات العامة لخزينة الدولة، حيث جميع المؤشرات الاستثمارية الإيجابية الربحية ستساعد أصحاب المشاريع  وتدفعهم إلى الانخراط في الأداء الضريبية الصادقة.

وفي هذا الإطار فشعور المستثمر في مواجهة الواجب الجبائي يتميز بأحد احتمالين:
– الإحساس بمشروعية الواجب الجبائي، وهذا الإحساس كفيل بدفعة إلى اتخاذ قرار الاستثمار بشكل سليم مع تقليص احتمالات التهرب او مقاومة أو منازعة الضريبة وبالتالي فإن هذه الوضعية هي الأمثل بالنسبة للملزم والإدارة الجبائية[1].
– الإحساس بعدم مشروعية الضريبة ويترتب عن هذا الشعور إما التخلي عن قرار الاستثمار، وإما القيام بالعملية الاستثمارية لكن مع زيادة احتمالات القيام بالتهرب من الضريبة ، وهكذا ، وانطلاقا من واقع الاقتصاد المغربي المتجه قصرا نحو الانخراط في خضم الاقتصاد العالمي، مما يفرض عليه تعزيز الانفتاح على الاستثمار الخارجي المباشر ، مع ضرورة الدعم القوي للاستثمار الخاص الوطني لتكريس اقتصاد وطني مستقل.

أولا: التهرب والاستثمارات الأجنبية
أصبحت الدول ليس فحسب النامية ولكن المتقدمة منها، تسابق إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية ، وذلك بشتى الآليات والتي تبقى الحوافز الضريبية على رأسها.

فإذا كان المستثمر الأجنبي يطالب بالعديد من المزايا التي تشمل الإعفاءات والمميزات الضريبية كحافز له للحصول على أكبر قدر ممكن من الربح من خلال استثماره، فبعض الدول راهنت في سباقها على جلب الاستثمارات الأجنبية [2]إلى إعفاءات كلية من الضريبة أو ما يسمى بالجنات الضريبة [3] les paradis” “fiscaux.

إلا أن هذه الدول وإن كان ضروريا لها أن توازن بين حاجاتها إلى رأس المال الأجنبي من أجل المساهمة في التنمية الاقتصادية وما يستدعيه من إغراء بواسطة الامتيازات الضريبية وبين حاجاتها إلى الإيرادات الضرورية نظرا لدورها في التنمية الشاملة، فإنه في إطار هذه الإستراتيجية يمكن للدولة أن تمنح المستثمر الأجنبي المزايا الضريبية ، فإن ضحت بالموارد الضريبية فإنها ستعوض ذلك – تضحيتها المالية بمنفعة تنموية حقيقية وكل هذا عن طريق ما سيعود عليها من تدفقات رأس المال الأجنبي الذي ما كان لتستقطبه إلا الحوافز الضريبية.

وهكذا فالنظام الجبائي للدولة المضيفة[4] من العوامل المساعدة على جلب الاستثمارات الأجنبية ، هذا  طبعا إلى جانب عوامل أخرى مثل: أهمية السوق الداخلي ، اليد العاملة، السوق المالي، الاستقرار السياسي وخاصة النظام الجمركي. هذا وفي تصنيف العوامل الحاسمة في اتخاذ قرار الاستثمار من طرف بعض مسيري الشركات المستثمرة بالمغرب [5] أكدوا نسبة أهمية عامل الامتيازات الجبائية تبلغ 70 % وهو ما يؤكد الطرح السابق.

والمبيان التالي يوضح الموقف الإيجابي لبعض الشركات من الإجراءات[6] التي تتخذها الدولة من أجل تشجيع الاستثمارات الأجنبية:

الموقف الإيجابي لبعض الشركات من الإجراءات التي تتخذها الدولة
المصدر: تركيب اعتمادا على معطيات: أسامة احمد شتات، قانون ضمانات وحوافز الاستثمار…، م.س، ص: 121.

والمملكة المغربية في إطار سعيها لجلب الاستثمارات الأجنبية وتحسين مناخ الاستثمار داخلها ، قامت بمجموعة من التدابير[7] أهمها إصدار قانون الإطار رقم 95 – 18 بمثابة ميثاق الاستثمارات [8]، هذا الأخير كانت الغاية منه إنعاش وتنمية الاستثمارات وذلك عن طريق:
– تخفيض العبء الضريبي المتعلق بعمليات شراء المعدات والآليات والسلع التجهيزية والأراضي لإنجاز الاستثمار.
– تقليص نسبة الضرائب المفروضة على الدخول والأرباح ، حيث انخفضت الضريبة على الشركات إلى 35 %  أما المنشات المصدرة للمنتوجات والخدمات قد تعفي من الضرائب على الشركات لمدة 5 سنوات أو تخفيض ب 50 % رقم المعاملات المنجزة بالعملة الأجنبية…

هذا مع نص الميثاق على عدة تدابير تهدف بدورها إنعاش وتنمية الاستثمارات كفرض رسم استيراد بسعر يتراوح ما بين 2.5 %و 10 % من القيمة على السلع التجهيزية والمعدات والآلات اللازمة لإنعاش الاستثمار مع إعفائها من الاقتطاع الضريبي عند الاستيراد [9].

و المبيان التالي يوضح نسبة الاستثمارات الأجنبية بالمغرب:
رسم بياني رقم 17 : مساهمة الرأسمال الأجنبي في الاستثمار بملايين الدراهم ما بين سنتي 1986-1996
مساهمة الرأسمال الأجنبي في الاستثمار
Source; Brahim Fouguig,”Entreprises industrielles au Maroc; capital etranger et insertion internationale par les exportations, »Revue Marocaine D’administration Locale et de Devloppement,N 21-2000, p: 115

انطلاقا مما سبق، واعتمادا على معطيات أخرى[10]، نلاحظ أن نسبة الاستثمار الأجنبي من مجموع الاستثمارات المحققة في المغرب لم تبلغ في الفترة 1980-1992 سوى نسبة 3.30 % من مجموع الاستثمارات.

وهي نسبة لم تتطور كثيرا في السنوات الموالية، وما يؤكد هذا هو أنه بالرغم من الارتفاع في الاستثمارات خاصة ما بين سنتي 1987/1993 فإنها لم تصل إلى نسبة 2 % من الناتج الداخلي الاجمالي، وهي نسبة جد ضعيفة بالمقارنة مع أهمية الامتيازات الجبائية التي تتمتع بها رقم أنه عرفت نسبة الاستثمارات الأجنبية أقوى ارتفاع ما بين 90 و 96 بنسبة 17 %  في السنة.

رسم بياني رقم 18: حجم الاستثمارات الأجنبية في المغرب سنة2006
حجم الاستثمارات الأجنبية في المغرب سنة 2006
المصدر: تركيب مستمد من المعلومات المتواجدة ب Direction des invistisements [11].

من خلال هذا الرسم المبياني نلاحظ أن نسبة الاستثمارات الأجنبية لازالت جد ضعيفة مما ينعكس سلبا حتى على مستوى فرض الشغل في ظل العلاقة الوطيدة التي تربط بين نسبة الاستثمار ونسبة فرض الشغل التي قد تكون مرتفعة أو منخفضة حسب متغير الاستثمار والجدول التالي يوضح أكثر هذه العلاقة:
جدول رقم 6:

توزيع الاستثمارات وفرص الشغل يناير- يوليوز 2008
الدولة نسبة الاستثمارات بملايين الدراهم نسبة التشغيل
فرنسا 1.302 755  منصب شغل
إسبانيا 10.965.3 2.412منصب شغل
الكويت 485.4 250 منصب شغل

Source: Direction des investissements

وهكذا ففي ظل لجوء بعض الدول الى اعفاء كلي من الضريبة ابتغاء جلب الاستثمارات خاصة الاجنبية منها، تبقى التجربة  المغربية جد محتشمة مقارنة مع دول أخرى تعرف نسبة استثمار أجنبي مرتفعة، فمثلا سنة 1990 بلغت نسبة الاستثمارات الأجنبية بتركيا ما يعادل 80. 74 %.[12]

غير أن الدولة – المغربية – لا يمكن لها أن تقدم على هذه السياسة، وتلغي الضريبة التي هي الوسيلة الأساسية للحصول على الإيرادات، والتي هي في أمس الحاجة إليها، خاصة وهي تعاني من ندرة الأموال العمومية، وذلك في وقت لم يعد فيه التهرب من الضريبة كليا أو جزئيا ظاهرة ولكن بنية.

ولئن أصبح استقبال الاستثمارات الأجنبية من أولى أولويات المغرب لانطلاق اقتصاده، فإن المغرب اكتفى بالمصادقة على اتفاقيات [13]عدم الازدواج الضريبي[14] وكما تم وضع إطار ضريبي لتشجيع الاستثمار الأجنبي إذ تم اعفاء المقاولات بالمناطق الحرة[15] من الضريبة على الشركات[16] والضريبة على الدخل[17] وذلك فقط خلال الخمس سنوات الأولى على مباشرة العمل.

ليتم بعد ذلك إخضاع هذه المقاولات إلى تخفيض ضريبي على مستوى الضريبة على الشركات بنسبة 8.75 % فيما يخص هذه المنشأة التي تزاول نشاطها في المناطق الحرة طوال العشرين سنة المحاسبية المتتابعة للسنة المحاسبية الخامسة للإعفاء من مجموع الضريبة وتخفيض الضريبة بنسبة 80 % طوال العشرين سنة الموالية في إطار الضريبة على الدخل.

هذا في ظل الامتيازات التي تمنحها دول أخرى لتشجيع الاستثمار مثل كوريا الجنوبية[18] التي تعمل على إعفاء الشركات الأجنبية المتخصصة في التكنولوجية المتقدمة لمدة سبع سنوات من تاريخ بداية العمل، وذلك فيما يتعلق بكل من الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل، وبعد ذلك تقوم بتخفيض هذه الضرائب بنسبة 50%  لمدة ثلاث سنوات مع إعفاء النقل الدولي والبحري والجوي وكذلك صادراتها من الضريبة على القيمة المضافة الأجنبية.

انطلاقا من كل ما سبق، لا يسعنا إلا القول أن حجم الاستثمارات الأجنبية في المغرب وفي ظل  ظاهرة التهرب الضريبي لازال ضعيفا مقارنة مع دول أخرى، الشيء الذي أصبح معه من الضروري تضافر الجهود بين الإدارة الضريبية والملزمين للإقلاع عن التهرب،  آنذاك ستكون الدولة في وضعية مالية مريحة تؤهلها لنهج استراتيجية الحوافز الضريبية.

إلا أنه ينبغي استخدام هذه الحوافز بشكل معقلن وذلك في إطار خطة اقتصادية واجتماعية ملائمة، مع الاستفادة من التجارب السابقة التي بينت أن الامتيازات الجبائية تم سنها في أغلب الأحيان بغية تمكين فئة من المقاولات وبعض الفاعلين للاستفادة منها دونما علاقة بين هذه الامتيازات والأهداف التنموية[19]. وقد كلفت هذه السياسة التشجيعية الخزينة العامة خسارة مهمة أثرت بشكل كبير على مسار السياسة الاقتصادية للبلاد.

هذا ما يتعلق بواقع الاستثمارات الأجنبية بالمغرب، فهل تعرف الاستثمارات الوطنية نفس المسار ؟ خاصة وأن الاستثمار يعتبر شرطا أساسيا لتحقيق التنمية الاقتصادية كما أنه يساعد على تمويل عجز ميزانية الدولة وتسديد الديون الخارجية [20].
الفقرة الأولى: التهرب والبنيات التنافسية
المطلب الثاني: التهرب الضريبي وآثاره على الاستثمار
المبحث الأول: آثار التهرب على السياسة الاقتصادية
الفصل الثاني: التهرب الضريبي والفعالية الاقتصادية
إشكالية التهرب في القانون الضريبي
__________________________________________________
[1] – امحمد اقزيبر ،” موقع الاستثمار داخل السياسة الجبائية….” ، م س ، ص  274.
[2] – أحمد حليبة ، “التهرب الضريبي وانعكاساته… “، م س ، ص  140.
[3] – يقصد بالجنات الضريبة الإعفاء الكلي من الضرائب، أو تقديم تسهيلات ضريبية.
[4] – أسامة أحمد شتات ، قانون ضمانات وحوافز الاستثمار واللائحة التنفيذية سلا 1999، ص : 105.
[5] – أسامة أحمد شتات ، قانون ضمانات وحوافز الاستثمار واللائحة التنفيذية سلا 1999، ص : 106.
[6] – المقصود هنا الإجراءات المتخذة لتشجيع الاستثمار في إطار قانون الاستثمار لسنة 1973.
[7] – صدر أول قانون لاستثمار الصناعي في 13 شتننبر 1958 ليلة قانون 1960، سنة 1973 مجموعة من القوانين ضمت خمس قطاعات اقتصادية، الصيد البحري، السياحة ، الصناعة التقليدية ، المناجم ، قانون انعاش الصادرات سنة 1983 صدور قوانين الاستثمارات الصناعية وقوانين تهم القطاعات الاقتصادية الأخرى.
[8] – ظهير شريف رقم 213-95-1 في 8 نونبر 1995 لتنفيذ قانون الإطار رقم 95 – 18 بمثابة ميثاق الاستثمار الصادر عن مجلس النواب في 3 أكتوبر 1995.
[9] – المادة 3 من قانون الإطار رقم 95 / 18 بمثابة ميثاق الاستثمار
[10] – امحمد قزيبر ، موقع الاستثمار داخل السياسة الجبائية ،…، م س ، ص  322.
[11] –  Ministère de l’industrie du commerce et des nouvelles technologies site; internet: http // www.invest.gov.ma, visité le: 16/11/2009.
[12] -امحمد قزيبر موقع الاستثمار داخل السياسة الجبائية… ، م س، ص  321.
[13] – أقدم المغرب خلال سنة 2005 على إبرام ست اتفاقيات ضريبية الازدواج الضريبي مع كل من: فنلندا أو كرانيا، إيران ، باكستان ، صربيا، مونتيكر، والتايلاند، 2006 دخلت حيز التطبيق سبع اتفاقيات ضريبية مع الدول الثالية : الصين جمهورية التشك ، تركيا اليونان ماليزيا الكويت والسنغال.
[14] – الازدواجية الضريبي هو فرض ضريبة واحدة أو ضريبة من نفس النوع أكثر من مرة على نفلس المكلف وعن مادة ضريبية واحدة في فترة زمنية واحدة ، ويتحقق من خلال:
– وحدة الشخص المكلف بأداء الضريبة ،
-وحدة المادة الخاضعة للضريبة ،
-وحدة الواقعة المنشئة للضريبة ،
وحدة الضريبة المفروضة
وحدة المدة التي تفرض عنها الضريبة.
[15] – تلجأ العديد من الدول بقصد بتشجيع الاستثمارات وخاصة الأجنبية منها، إلى إنشاء مناطق حرة داخل أراضيها وتعتبر هذه المناطق وبالرغم من كونها تقع داخل إقليم الدولة، واقعة خارج حدودها من الناحية الجمركية ، وبالتالي فإن استيراد السلع إلى هذه المناطق وتداولها يتم بحرية كاملة دون أي قيود جمركية عليها.
[16] – المادة 6 – II  ألف 1- من المدونة العامة للضرائب 2009.
[17] – المادة 31 – II ألف من المدونة العامة للضرائب 2009.
[18] – أحمد حليبة ، التهرب الضريبي وانعكاساته ، م س ، ص  141.
[19] – حميد النهري بن محمد ” ملاحظات حول إصلاح المنظومة الجبائية ” المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد مزود
وج 81- 82  يوليوز أكتوبر 2008 ص  146.
[20] –  Said Dkhissi «  le Maroc à la recherche de quelle insertion iunternationale ? » Revue Marocaine d’administration locale et de developpement, N° 21 – 2000 p: 48.



   One Comment


  1. طنجة
      30 September, 2015

    المرجوا مدي بمصدرهذا الموضوع وفي أي جامعة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *