الأمم المتحدة وما تفعله من أجل إعمال حقوق الإنسان والقانون الدولي والتنمية

التحديات التي تواجه الأمم المتحدة في ظل النظام العالمي الجديد
الفصل التمهيدي:
رابعا: الأمم المتحدة وما تفعله من أجل إعمال حقوق الإنسان والقانون الدولي والتنمية
أبرمت الحكومات، بفضل جهود الأمم المتحدة، الكثير من الإتفاقات المتعددة الأطراف التي تجعل من العالم مكانا أكثر أمانا وأوفر صحة يتاح فيه لنا جميعا مزيد من الفرص والعدل. وتمثل هذه المجموعة الشاملة من القوانين الدولية وقانون حقوق الإنسان واحدا من أعضم إنجازات الأمم المتحدة.

الفقرة الأولى: حقوق الإنسان

ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة في عام 1948 على الحقوق والحريات الأساسية التي يحق لجميع الرجال والنساء التمتع بها، ومنها الحق في الحياة والحرية والجنسية، وفي حرية الفكر والضمير والدين، وفي العمل وتحصيل العلم والحق في الغذاء والمسكن والإشتراك في الحكم.
وقد أصبحت الأمم المتحدة الآن تحول تركيز جهودها في مجال حقوق الإنسان نحو تنفيذ قوانين حقوق الإنسان، ومن تم بدأت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي تتولى تنسيق أنشطة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، تعمل مع الحكومات على زيادة تقيدها بحقوق الإنسان، ساعية إلى منع وقوع الإنتهاكات وتعمل بصورة وثيقة مع آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
وتشارك هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الإنذار المبكر ومنع نشوب النزاعات وكذلك في الجهود الرامية إلى معالجة أسباب النزاع من جذورها. وإجمالا تضطلع الأمم المتحدة حاليا بأنشطة ميدانية في مجال حقوق الإنسان في 30 بلدا أو إقليما وهي تعمل على تعزيز القدرات الوطنية في مجال التشريع لحقوق الإنسان وإدارتها والتوعية بها، وتحقق في الإنتهاكات التي يتم الإبلاغ عنها، وتساعد الحكومات على اتخاذ إجراءات إصلاحية إذا اقتضت الحاجة. وقد بات العمل على كفالة احترام حقوق الإنسان يشكل بصورة متزايدة عنصرا رئيسيا في مجال المساعدة الإنمائية المقدمة من الأمم المتحدة، وبوجه خاص يعتبر الحق في التنمية جزءا من عملية دينامية تشمل الحقوق المدنية والثقافية والإقتصادية والإجتماعية والسياسية ويجري من خلالها تحسين رفاه جميع أفراد المجتمع المعني والدعامة الرئيسية للتمتع بالحق في التنمية هي القضاء على الفقر، وهذا من الأهداف الرئيسية للأمم المتحدة.

الفقرة الثانية: القانون الدولي

يطلب ميثاق الأمم المتحدة تحديدا من الأمم المتحدة أن تضطلع بتدوين القانون الدولي وتطويره تدريجيا، وقد وفر ما يزيد على 500 اتفاقية ومعاهدة، تمخض عنها العمل لتعزيز السلم والأمن الدوليين والتنمية الإقتصادية والإجتماعية. والدول التي تصدق على تلك الإتفاقيات تصبح ملزمة بها قانونا.
وتضع لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي قواعد ومبادئ توجيهية لتيسير القوانين التي تنظم التجارة الدولية. كما قامت بدور رائد في تطوير القانون البيئي الدولي، ويدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة اتفاقات نذكر منها اتفاقية مكافحة التصحر، والإتفاقية المتعلقة بطبقة الأوزون، والإتفاقية المتعلقة بنقل النفايات الخطرة عبر الحدود.
وتهدف اتفاقية موتنغوباي لقانون البحار إلى العمل على توفير فرص منصفة لجميع البلدان للإستفادة من ثروات المحيطات وإلى حمايتها من الثلوث وتيسير حرية الملاحة وإجراء البحوث. أما اتفاقية حظر الإتجار غير المشروع بالمخدرات فتعتبر المعاهدة الدولية الرئيسية لمكافحة الإتجار بالمخدرات.
ولا تزال الأمم المتحدة مركزا للجهود الدولية الرامية إلى إيجاد إطار قانوني لمكافحة الإرهاب. وقد بحثت 12 اتفاقية عالمية في هذا الشأن تحت إشراف الأمم المتحدة، من بينها اتفاقية عام 1979 لمناهضة أخذ الرهائن، واتفاقية عام 1997 لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل، واتفاقية 1999 لقمع تمويل الإرهاب. ويجري العالم حاليا لوضع معاهدة شاملة لمكافحة الإرهاب.
وفي أعقاب هجمات 11 شتنبر 2001 ضد الولايات المتحدة، اضطلع مجلس الأمن بدوره في هذا التحالف العالمي الجديد. ففي 28 سبتمبراعتمد قرارا يعطي مسائل  عديدة  في  إطار أحكام  إنفاذ
ميثاق الأمم المتحدة لمنع تمويل الإرهاب وتجريم جمع الأموال لمثل هذه الأغراض، وتجميد الأصول المالية الإرهابية على الفور. كما ناشد المجلس الدول للتعجيل بتبادل المعلومات المتعلقة بتحركات الإرهابيين، وقرر أنه يجب على الدول أن تساعد بعضها البعض في مجال التحقيقات والإجراءات الجنائية المتصلة بأعمال الإرهاب، حيث أنشأ لجنة مكافحة الإرهاب للإشراف على تنفيذ قراره.

الفقرة الثالثة: التنمية

إن إحدى الولايات الرئيسية التي تضطلع بها الأمم المتحدة تتمثل في رفع مستويات المعيشة، وتحقيق العمالة الكاملة وتوفير الظروف المناسبة لتحقيق التقدم والتنمية في المجالين الإقتصادي والإجتماعي. وتكرس منظومة الأمم المتحدة نحو 70 في المائة من أعمالها لإنجاز هذه الولاية.
وتعمل المنظومة بوحي من إيمانها بأن القضاء على الفقر وتحسين أسباب رفاهية الناس في كل مكان يشكلان خطوتين ضروريتين لخلق أوضاع تؤدي إلى استتباب سلام دائم في العالم.
وتتمتع الأمم المتحدة بقدرات فريدة في مجال تشجيع التنمية، فتواجدها عالمي النطاق وتندرج في ولايتها الشاملة الإحتياجات الإجتماعية والإقتصادية والطارئة، ولا تمثل الأمم المتحدة أي مصلحة وطنية أو تجارية معنية. وهناك برامج عديدة أخرى تابعة لها تعمل مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية على تحقيق التنمية، فبرامج الأغذية العالمي هو أكبر مؤسسة دولية في العالم لتقديم المعنوية الغذائية للإغاثة في حالات الطوارئ والتنمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان هو أكبر جهة دولية لتقديم المساعدة في مجال الإسكان، يعمل برنامج الأمم المتحدة للبيئة على تشجيع الممارسات البيئية السليمة في كل مكان. أما برنامجها للمستوطنات البشرية فتقدم المساعدة للذين يعيشون في ظروف سكنية تعرض صحتهم للخطر.
وبالتالي، فلكي تستجيب منظمة الأمم المتحدة لكل هذه الأهداف، وهذا التشعب في العلاقات الدولية، يجب أن تقوى منظمة الأمم المتحدة حتى تستطيع أن يكون لها دور جديد وفعال في عالم يتغير بسرعة.
إن هذه الوضعية تقتضي، بالنتيجة، إعادة الإعتبار للمنظمة الأممية، لأنه طبعا إذا كانت الصدمات والعوائق لها وقعها إلا أنها لايمكن أن تنهش من القيم والأشواط التي قطعها المجتمع الدولي في سبيل إيجاد الحل الكفيل لإخراج البشرية من محنتها. ومن هنا يستقي موضوع إصلاح الأمم المتحدة أهميته، وهي أهمية تكاد تجد سندها من الوهلة الأولى حتى بدون الغوص في الإشكالات العميقة التي تحيط بالموضوع،
لأن المنظمة تعتبر الجوهر أو المجرة التي تسير عبر مستوياتها العلاقات الدولية وهي الكفيلة بنقل القانون الدولي من الإطار اللائحي إلى حيز التطبيق، لذلك يجب تطوير هذه المنظمة وإذخال الإصلاحات الضرورية عليها وذلك وفق تطور جديد يراعي، خاصة، الأوضاع التي أصبح يتسم بها النظام العالمي الجديد.
ولما كانت منظمة الأمم المتحدة الإطار التنظيمي الرئيسي في الحقل السياسي الدولي، لكن ليس الوحيد، وإنما هناك أيضا تنظيمات دولية أخرى نتيجة اتساع ظاهرة التنظيم الدولي وذلك منذ بداية القرن العشرين، الذي عكس تلك الطفرة التنظيمية الهائلة التي استحق أن يوصف، وبجدارة بأنه عصر التنظيم الدولي.
وبالتالي فإصلاح منظمة الأمم المتحدة لن يكون إلا إصلاح الجزء داخل الكل،لكن مع ذلك يمكن أن يحمل صفة الحسم إذا ما تم هذا الإصلاح بشكل من الموضوعية يستوعب كل المتغيرات والتفاعلات التي تحصل في مستوى العلاقات الدولية ويتأسس على البحث الحقيقي عن السبل والوسائل الكفيلة التي يجد العالم معها السلم والإستقرار.
ونظرا لكل هذه العوامل والأحداث والتحولات التي يعرفها العالم، فقد أصبح المتتبع للساحة الدولية يشكك في قدرة منظمة الأمم المتحدة على التأثير في الشأن العام الدولي، ويقلل من حصيلة نشاطها الفعلي. ويجعلها أمام مفترق الطرق تحتم عليها إصلاح نفسها وجعلها مواكبة للعصر من أجل الإستجابة الفعالة لتحديات المستقبل، وتحقيقا للأمال التي تعقدها الشعوب عليها في جميع أنحاء العالم.
وبالتالي تجدر بنا الإشارة أن نتساءل لماذا الإصلاح ضروري في هذه الحقبة بالفعل؟ وماهي العراقيل التي تستدعي التدخل لإصلاحها؟ وكيف يجب إصلاحها وذلك وفق التحولات التي يعرفها العالم حاليا؟ وماهي جل الأفكار المتعلقة بفلسفة الإصلاح؟
وحتى يتم موضوع الإصلاح في إطاره الموضوعي، يستوجب الوقوف على مختلف الأفكار المتعلقة بالإصلاح وذلك نحو اتجاه جل أجهزتها وهو ما سنتناوله في الفصل الأول، على أن نخصص الفعل الثاني للحديث عن جوانب الإصلاح التي تعرفها المنظومة الأممية وذلك وفقا لما أسفرت عليه الدورة الستون لإنشاء منظمة الأمم المتحدة.

خلاصة الفصل التمهيدي:

رغم هذه الإنجازات التى اشرنا إليها وغيرها،والتي تمكنت الهيئة الأممية من تحقيقها، أوحاولت تحقيقها فإنها مع ذلك تظل بعيدة كل البعد عن طموحات المجتمع الدولي وآمال الشعوب التي علقت عليها،وتبقى ضئيلة إذا ما قورنت بعمر الهيئة،حيث عرفت فترات من الجمود و الشلل أو التغييب،ولم تستطع التوصل إلى حل مجموعة من الأزمات الدولية مما يدل على وجود أزمة خطيرة تعصف بالمنتظم الأممي.
وبناء على ما سبق هناك ترسانة من الأسئلة و التساؤلات تضع هيئة الأمم المتحدة تحث المجهر للكشف عنها و محاكمتها   بنوع من الموضوعية العلمية ،وذلك بإقصاء آنتماءاتنا القومية ومعتقداتنا الإيديولوجية و العقائدية.
سنتساءل. إلى أي حد آستطاعت الأمم المتحدة ضبط العلاقات الدولية وتنظيمها على ضوء القواعد القانونية الواردة في الميثاق، وكذا مواجهتها لكل إخلال بهذه القواعد؟
ثم إلى أي حد آستطاعت هذه المنظمة بكل آلياتهاالقانونية و هياكلها التنظيمية و الإمكانيات التي أتيحت لها أن تواجه المشاكل الدولية المطروحة في ظل النظام العالمي الأحادي القطبية؟
وأخيرا، يمكننا أن نتساءل عن طبيعة الأزمة التي تعاني هيئة الأمم المتحدة وما هي مكامن الضعف و الخلل؟ وما هي السبل الكفيلة لمعالجة هذا الخلل؟
هذه الترسنة من الأسئلة و التساؤلات تشكل محورا خصبا ومادة أولية لبحثنا،كما ستكون ضابطا ومحددا للخطة والمنهجية التي سنتبعها لمعالجة موضوع البحث: التحديات التي تواجه الأمم المتحدة في ظل النظام العالمي الجديد.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *