الإجتهاد المقاصدي في فتاوي شؤون المرأة للدكتور القرضاوي

2-مجال شؤون المرأة :
ما هي الحكمة من الزواج والجماع ؟

أحب أن أجيب عن هذا السؤال بما ذكره الإمام السلفي الورع التقي أبا عبد الله بن القيم في كتابه زاد المعاد ، حيث قال :

“وأما الجماع والباءة فكان هديه فيه أكمل هدي ، يحفظ به الصحة، ويتم به اللذة وسرور النفس ، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها ، فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور ، هي مقاصده الأصلية :

أحدهما : حفظ النسل ، ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم .

الثاني : إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن .

الثالث: قضاء الوطر ونيل اللذة ، والتمتع بالنعمة، هذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة .

قال : ومن منافعه : غض البصر، وكف النفس ، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه، في دنيا وأخراه، وينفع المرأة.

ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتعاهده ويحبه، ويقول :” حبب إلي من دنياكم ثلاث : النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة” .

وحث أمته على التزويج فقال :” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج…” ولما تزوج جابر ثيبا قال له : “هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك “.

عدة المطلقة قبل الدخول بها :
المرأة المطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها، بنص القرآن الكريم :{ يا أيها الدين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها وسرحوهن سراحا جميلا }.

ذلك أن العدة لمقصد، وهذا المقصد يتمثل في معنين:

الأول : هو استبراء الرحم .
الثاني : أن العدة جعلت سياجا للحياة الزوجية السابقة ، فليس من اللائق أن تكون امرأة معاشرة لرجل مدة تطول أو تقصر ، ثم تتركه وفي اليوم الثاني تذهب إلى رجل آخر ، هذا لا يليق وفي حالة عدم الدخول لم تحدث زوجية حقيقية ولم يحدث اتصال بين الرجل والمرأة حتى يستبرأ الرحم ، وحتى يحتاج إلى مدة تعتبر سياجا للزوجية السابقة .

حكم المهر وحكمته :
المهر أو الصداق –هو ما يعطيه الرجل للمرأة عند الزواج – تابث بالكتاب والسنة والإجماع ، استقر العمل عليه، وعرفه الخاص والعام من أبناء المسلمين فأصبح من المعلوم من الدين بالضرورة .

والمقصد أو الحكمة من وراء مشروعية هذا المهر عدة أمور:
1- تكريم المرأة بأن تكون هي المطلوبة لا الطالبة ، والتي يسعى إليها الرجل، لا التي تسعى إلى الرجل ، فهو يطلب ويسعى ويبدل، على عكس الأمم التي تكلف المرأة أن تبدل للرجل من مالها،أو مال أهلها، حتى يقبل الزواج منها،كالهنود ثملا.

2-إظهار الرجل رغبته في المرأة ومودته لها ، فهو يعطيها هذا المال نحلة منه، أي عطية أو هدية منه لا ثمنا لها كما يقول المتقولون .

3-الإشعار بالجدية، فالزواج ليس ملهاة يتسلى بها الرجل ، فيقول الرجل للمرأة؛ تزوجتك ويربطها به ، ثم لا يلبث أن يدعها ليعد أخرى يقول لها ما قال للأولى .. وهكذا .

إن بدل المال دليل على أن الرجل جاد في طلبه للمرأة ، جاد في الارتباط بها، وإذا كان الناس فيما دون الزواج يدفعون رسوما وتأمينات وعرابين، دلالة على الجدية، فلا غرو أن تكون حياة الأسرة أحق بذلك ، ولهذا يفرض الإسلام نصف المهر على من تزج ثم طلق قبل أن يدخل بالزوجة أو يمسها، تقديرا لهذا الميثاق الغليظ والرباط المقدس.

4-أن الإسلام قد جعل القوامة على الأسرة بيد الرجل ، لقدرته الفطرية على التحكم في انفعالاته أكثر من المرأة، ولأنه أقدر الجنسين على إدارة هذه الشركة ، فمن العدل أن يغرم الرجل في مقابل هذا الحق الذي أعطى له، حتى لا يتهاون في هدم الأسرة لأدنى سبب، لأنه الغارم في بنائها ، فإذا تهدمت كان هدمها على أم رأسه .

حكم زواج المسلم من الكتابية :
أجاز الإسلام للمسلم أن يتزوج من اليهودية والنصرانية بقيود وهي :
1-الاستيثاق من كونها ” كتابية ” بمعنى أنها تؤمن بدين سماوي الأصل كاليهودية أو النصرانية ، فهي مؤمنة في الجملة – بالله ورسلاته والدار الآخرة .

2-أن تكون عفيفة محصنة، فلا يجوز للمسلم بحال أن يتزوج من فتاة تسلم زمامها لكل رجل .

3-ألا تكون من قوم يعادون المسلمين ويحاربونهم، وبناء على هذا لا يجوز للمسلم في عصرنا أن يتزوج من يهودية ما دامت الحرب قائمة بيننا وبين إسرائيل.

4-ألا يكون من وراء الزواج بالكتابية فتنة ولا ضرر محقق أو مرجح.

وفي ضوء الظروف والملابسات التي تتغير الفتوى بتغيرها، فلا بد من التنبيه على أمر لا يغيب عن ذوي البصائر ، وهو في غاية الأهمية، وهو :

أن قوة الزوج عادة في تلك الأعصار، وغير ته على دينه، واعتزازه به اعتزازا لا حـد له ، وحرصه على حسن تنشئة أولاده ، وسلامة عقيدتهم ، يفقد الزوجة القدرة على أن تؤثر في الأولاد تأثيرا يتنافى مع خط الإسلام .

أما في عصرنا، فيجب أن نعترف بشجاعة وصراحة أن تأثير الرجل على المرأة المثقفة قد ضعف، وأن شخصية المرأة قد قويت، وبخاصة المرأة الغربية .

أما سلطان المجتمع المسلم فأين هو ؟ إن المجتمع المسلم الذي يتبنى الإسلام عقيدة وشريعة، ومفاهيم وتقاليد ، وأخلاقا وحضارة شاملة ، غير موجود اليوم، وإذا كان المجتمع المسلم غير موجود بالصورة المنشودة، فيجب أن تبقى الأسرة المسلمة موجودة، عسى أن تعوض بعض النقص الناتج عن غياب المجتمع المسلم.

فإذا فرطنا في الأسرة هي الأخرى ، فأصبحت تتكون من أم غير مسلمة ، وأب لا يبالي ما يصنع أبناؤه وبناته، ولا ما تصنع زوجته ، فقل على الإسلام وأهله السلام !.

ومن هنا نعلم أن الزواج من غير المسلمات في عصرنا ينبغي أن يمنع سدا للدريعة إلى ألوان شتى من الضرر والفساد ، درء المفاسد مقدم على جلب المصالح،ولا يسوغ القول بجوازه إلا لضرورة قاهرة أو حاجة ملحة، تقدر بقدرها

حدود عورة المرأة:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المرأة كلها عورة عدا الوجه والكفين، وقد ذكروا لذلك عدة أدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف مما جعل رأيهم أرجح وأقوم قيلا ، وأهدى سبيلا .

لكن لا بد من ذكر اعتبارات ترجيحية أخرى تزيد رأي الجمهور قوة، وتريح ضمير كل مسلم ومسلمة .

تغير الفتوى بتغير الزمان :
إن مـن المقرر الذي لا خلاف فيه أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف

والحال، وزمننا هذا الذي أعطى للمرأة ما أعطى، يجعلنا نتبنى الأقوال والميسرة، التي تدعم جانب المرأة، وتقوي شخصيتها .

فقد استغل خصوم الإسلام من المنصرين والماركسيين والعلامانيين وغيرهم سوء حال المرأة في كثير من أقطار المسلمين، ونسبوا ذلك إلى الإسلام نفسه ، وحاولوا تشويه أحكام الشريعة وتعاليمها حول المرأة، وصوروها تصويرا غير مطابق للحقيقة التي جاء بها الإسلام.

لذلك أرى أن من مرجحات بعض الآراء في عصرنا : أن يكون الرأي في صف المرأة وإنصافها وتمكينها من مزاولة حقوقها الفطرية والشرعية .

عموم البلوى :
إن مما لا نزاع فيه : أن عموم البلوى من أسباب التخفيف والتيسير كما يعلم ذلك المشتغلون بالفقه وأصوله ،ولهذا شواهد وأدلة كثيرة .

وقد عمت البلوى في هذا العصر، بخروج النساء إلى المدارس والجامعات وأماكن العمل، والمستشفيات والأسواق وغيرها ، ولم تعد المرأة حبيست البيت كما كانت من قبل ، وهذا كله يحوجها إلى أن تكشف عن وجهها وكفيها ، لدرورة الحركة والتعامل مع الحياة والإحياء في الأخذ والعطاء والبيع والشراء، والفهم والإفهام .

وليت الأمر وقف عند المباح أو المختلف من كشف الوجه والكفين، بل تجاوز ذلك إلى الحرام الصريح من كشف الدراعين والساقين، والرؤوس والأعناق والنحور، وغدونا نجد بين المسلمات الكاسيات العاريات ، فكيف نشدد في هذا الأمر ، وقد حدث هذا التسيب والتفلت أمام أعيننا.

المشقة تجلب التيسير :
إن إلزام المرأة المسلمة ، و-خصوصا في عصرنا- بتغطية وجهها ويديها فيه من الحرج والعسر التشديد ما فيه ، والله قد نفى عن دينه الحرج والعسر والشدة ، وأقامه على السماحة ، واليسر والتخفيف والرحمة ، وقد قرر فقهاؤنا في قواعدهم أن المشقة تجلب التيسير .

كما أن تفسير قوله تعالى :{ إلا ما ظهر منها } بالوجه والكفين هو الراجح ، لأن الاستثناء في الآية بعد النهي عن إبداء الزينة ، يدل على نوع من الرخصة والتيسير، وظهور الرداء والجلباب وما يشبهه من الثياب الخارجية ليس فيه شيء من الرخصة أو اليسر أو رفع الحرج، لأن الظهورهما أمر ضروري وقسري ولا حيلة فيه .

فهرست الموضوعات
المـقـدمـة
الفصل الأول : التعريف بالشيخ يوسف القرضاوي :
1- مولده ونشأته ومؤهلاته العلمية
2- أعماله الرسمية
3 – جهوده ونشاطاته في خدمة الإسلام
4 -مؤلفاته الفصل الثاني : التعريف بالاجتهاد المقاصدي :
1 تعريف الاجتهاد في اللغة والاصطلاح
أ تعريف الاجتهاد في اللغة
ب تعريف الاجتهاد في الاصطلاح
2 تعريف المقاصد في اللغة والاصطلاح
أ تعريف المقاصد في اللغة
ب تعريف المقاصد في الاصطلاح
3 مفهوم الاجتهاد المقاصدي
الفصل الثالث : تاريخ الاجتهاد المقاصدي
1 الاجتهاد في العصر النبوي
– مقاصد السنة
– مقاصد النسخ في الأخبار
– مقاصد التعارض والترجيح
2- الاجتهاد المقاصدي في عصر الصحابة
– وراثتهم النبو ونقله إلى كافة أجيال الأمة
– أثارهم في المقاصد
– الوقائع التي اجتهدوا فيها
– إجمالهم على ترك الحي
3-الاجتهاد المقاصدي في عصر التابعين
– وراثتهم لعلم الصحابة وهدي النبوة
– أخذهم بالنص والمصلحة والقياس
– اختلاف عصرهم عن عصر الخلافة
– اجتهادهم في النوازل
– إنكارهم للحيل
4- الاجتهاد المقاصدي في عصر أئمة المذاهب
– وراثتهم للهدي النبوي وعلم السلف
– أصولهم في الاستنباط
– مقاصدية الاستحسان
– مقاصدية المصلحة المرسلة
– مقاصد العرف
– مقاصدية سد الدرائع
– مقاصدية النوازل التي اجتهد فيها الأمة
5-الاجتهاد المقاصدي عند عموم الفقهاء والأصوليين :
– مظاهر الاجتهاد المقاصدي عند عموم الفقهاء والأصوليين
– التصريح بالمقاصد الشرعية
– الفروع الفقهية والأمثلة التطبيقية
– القواعد الشرعية
– مستثنيات القواعد
– مراعاة الخلاف وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال
– الاعتداد بالمصاب التبعية
– مشاهير علماء المقاصد الفصل الرابع : ضوابط الاجتهاد المقاصدي ومجالاته
أ – ضوابط الاجتهاد المقاصدي
1 -دواعي العمل بالضوابط المقاصدي
2 -الضوابط العامة والشروط الاجمالية للاجتهاد المقاصدي
– شرعية المقاصد وربانيتها
– شمولية المقاصد وواقعيتها وأخلاقها
– عقلانية المقاصد .
3 – الضوابط الخاصة للاجتهاد المقاصدي :
– ضوابط المصلحة المرسلة
– ضوابط العرف
– ضوابط التعليل ب
– مجالات الاجتهاد المقاصدي
1 -القطعيات التي لا تقبل الاجتهاد المقاصدي
– العقيدة
– العبادة
– المقدرات
– أصول المعاملات
– عموم القواطع
2-الظنيات التي تقبل الاجتهاد المقاصدي :
– الوسائل الخادمة للعقائد
– الوسائل الخادمة للعبادة
– كيفيات بعض المعاملات
– النوازل الاضطرارية
– المسائل المتعارضة
– عموم الظنيات الفصل الخامس : منهج الشيخ يوسف القرضاوي في الافتاء المقاصدي
1- عدم التعصب والتقليد
2 – التيسير وعدم التعسير
3 – مخاطبة الناس بلغة العصر
4 – الإعراض عما لا ينفع الناس
5 – الاعتدال بين المتحللين والمتزمتين
6 – إعطاء الفتوى حقها من الشرح والإيضاح
الفصل السادس : مظاهر الاجتهاد المقاصدي من خلال فتاوى الشيخ يوسف القرضاوي
: 1- مجالات العبادة :
أ- الطهارة والصلاة :
– المسح على الجوربين
– الحكمة من الاغتسال من الجنابة
– الحكمة من صلاة الكسوف والخسوف
– صلاة المأموم منفردا خلف الصف
ب- الصيام والزكاة
-الحكمة من السحور
-إخراج الفطرة بقيمتها من النقود
-زكاة الرواتب والأجور ج
– الحج والعمرة
– حج التطوع أو الصدقة
– مقام إبراهيم هل يجوز نقله من مكانه ؟
2- مجال شؤون المرأة
– الحكمة من الزواج والجماع
– عدة المطلقة قبل الدخول بها
– حكم المهر وحكمته
– حكم زواج المسلم من الكتابية
– حدود وعودة الرأة
3- مجال الطب والصحة :
– موقف الإسلام من الاستنساخ
– حكم إجهاض الناشئ عن الاغتصاب
– حكم زرع عضو حيوان نجس في جسم إنسان
– حكم زرع الخصية
4- مجال المجتمع ومجالاته .
– تشميت العاطس : حكمة وحكمته
– نبش مقبرة قديمة للمصلحة
– المقصد من آداب الطعام الواردة في الأحاديث النبوية5
– مجال الحكم والسياسة
– حكم دخول مسلمي الأرض المحتلة برلمان الدولة اليهودية
– حكم مشاركة الفرد والجماعة المسلمة في حكم غير إسلامي
– حكم تعدد الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية
خاتمة
___________________________________________
– سنن النسائي : كتاب عشرة النساء ، باب حب النساء رقم 3878.
– أنظر صحيح البخاري، كتاب النكاح باب منام يستطيع الباءة فيليضم باب 3 حديث 5066/3 ص 341.
– زاد المعاد، ابن القيم ج3 ص 309.
فتاوي معاصرة ، د.يوسف القرضاوي ج 3-ص 488.
– الأحزاب : 49.
– فتاوى معاصرة ، يوسف القرضاوي ، ج1 ص 557.
– فتاوى معاصرة . د . يوسف القرضاوي / ج2 / ص 342.
– فتاوي معاصرة ، ج1، ص 462
– فتاوى معاصرة ، ج2 ، ص 312.



   One Comment


  1. Aziz
      22 December, 2015

    السلام عليكم، أخي الكريم، أرى هذه المقالة أو الرسالة جاذبة جدا، هل يمكن أن أنزلها كلها؟ من فضلك أن تساعدني أستاذي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *