الإطار القانوني للمفاهميم الاقتصادية

مقدمة:
تعتبر القاعدة القانونية مرآة عاكسة للمجتمع الذي تطبق فيه؛  فهي تعكس الظروف الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية.

إلا أنه و لما كانت ظروف المجتمع، السالف ذكرها مجتمعة تتغير باستمرار و تشهد تحولات متلاحقة، فإن القاعدة القانونية وحتى تتحقق الغاية المتوخاة منها، و التي هي تنظيم العلاقات المتشابكة، التي تفرزها المعاملات الإنسانية، يتعين أن تستجيب باستمرار للتحولات التي يشهدها المجتمع في شتى المناحي. [1]

و بناء على ما تقدم، فإن القول بأن القواعد العامة المنصوص عليها في القانون المدني قادرة على تأطير الظواهر المستجدة التي عرفها مجتمع اليوم لن يصمد أمام النقد الموضوعي.

و في هذا السياق يأتي موضوعنا ليتناول بالدرس و التحليل، قدر الإمكان، التحولات المفاهيمية التي أفرزتها ضرورة تأطير الظواهر المستجدة داخل المجتمع خصوصا مع تطور الصناعةو التجارة.

و إذا كانت هيمنة القانون المدني جاءت لتتلاءم مع الثورة العقارية، فإن تركيز مجتمع اليوم على التجارة أفرز هيمنة القانون التجاري الذي عرف بدوره تحولا نحو قانون الأعمال[2] وصولا إلى ما أصبح يصطلح عليه بالقانون الاقتصادي، و هذه التحولات مست بدون شك محيط المقاولة المغربية، باعتبارها نواة الاقتصاد الوطني، فأثرت فيها و تأثرت بها و إن اختلفت درجة التأثير و التأثر.

و المقاولة بمجرد ما تتأسس و تبدأ في ممارسة نشاطها تصبح مرتبطة بعلاقات متشابكة مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين؛ [3] و هذه العلاقات كلها مؤطرة بقواعد قانونية قد تستدعي مواكبة المستجدات إعادة النظر فيها.

و لذلك فإن التحولات التي عرفتها و تعرفها المفاهيم القانونية المؤطرة لمحيط المقاولة، و التي تضمنتها و تتضمنها التعديلات التشريعية المتلاحقة، يتعين أن تراعي المصالح المشروعة و المترتبة عن العلاقات التي تربط المقاولة بمحيطها؛ و بعبارة أخرى فإن أي تحول في المفاهيم القانونية السائدة يجب أن يراعي المصالح المذكورة، لا أن يحصل هذا التحول في المفاهيم بعيدا عن المؤثرات الاقتصادية، و استجابة لنظريات مستوردة و التي قد لا تتلاءم مع خصوصيات المقاولة المغربية.

لهذه الاعتبارات يكتسي موضوع هذا العرض أهمية قصوى على عدة مستويات؛ فعلى المستوى الاقتصادي ستمكننا دراسة الموضوع، في مرحلة أولى من معرفة مدى خدمة النظريات التقليدية من جهة و المفاهيم القانونية الجديدة من جهة أخرى للاقتصاد الوطني، لنخلص في مرحلة لاحقة لمعرفة تأثير المفاهيم الجديدة على الواقع الاقتصادي للمقاولة المغربية و كذا طبيعة التوجه الاقتصادي الذي تنهجه الدولة.

و على المستوى الاجتماعي، سنتمكن من خلال هذه الدراسة من الوقوف على مدى عدالة أو مصداقية هذه المفاهيم الجديدة و كذا فعاليتها من أجل تحقيق التنمية المنشودة، ومن جهة ثانية الوقوف على مصدر هذه المفاهيم من خلال تحديد مصدر القواعد القانونية التي تتضمنها، فيما إذا كانت نابعة من روح المجتمع المغربي أم أنها مستوردة من تشريعات أخرى.

أما على المستوى القانوني، فإن دراسة من هذا النوع ستجعلنا نلامس الخطوط العريضة للسياسة التشريعية التي نهجها و ينهجها المشرع المغربي لتحقيق الفعالية في مجال الأعمال و المقاولات، كل ذلك من خلال الوقوف على مدى توفير المناخ الملائم للمقاولة باعتبارها نواة الاقتصاد الوطني حتى تساهم في تحقيق الأهداف الاقتصادية المسطرة.

هذا، و ستتجلى لنا أهمية الموضوع أكثر من خلال الوقوف و لو بشكل مقتضب على المحطات التاريخية للتحولات المتحدث عنها؛ و في هذا الصدد نشير إلى أنه كانت السيادة في البداية للقانون المدني، الذي تميز و لايزال بالبطء و بالشكلية، إلا أن ظهور التجارة و تطورها أدى إلى ضرورة إيجاد قواعد قانونية خاصة تستجيب لخصوصيات النشاط التجاري المتمثلة على الخصوص في السرعة و الائتمان، فبرز القانون التجاري. و لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه ونتيجة لكون المجتمعات و أنشطتها بالتبعية لا تكف عن التطور خصوصا في المجال التجاري، و بالتالي ظهرت تحولات مهمة بظهور أنشطة تجارية جديدة تستدعي قواعد قانونية خاصة تشكل استثناء من القواعد العامة في القانون التجاري لنصبح بذلك أمام استثناء من الاستثناء.

كل ذلك نتج عنه، كما سلف الذكر، تحول في المفاهيم المؤطرة من قريب أوبعيد لمحيط المقاولة في محاولة لتهيئ المناخ الملائم لهذه الأخيرة لتقوم بالدور المنوط بها باعتبارها نواة الاقتصاد الوطني.

و بقدر ما يكتسي الموضوع من أهمية كبرى، فإنه يطرح إشكاليات من قبيل التساؤل عن مكانة التعديلات التشريعية المتلاحقة بالمغرب من الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي المحلي و الذي تشكل المقاولة جزءا منه؟ و مدى التوافق بين هذه التعديلات و بين التركيبية الداخلية للمجتمع المغربي بما في ذلك خصوصيات الصناعة و التجارة و الاقتصاد المغربي بشكل عام؟ [4]

ثم ما مدى قدرة المقاولة المغربية على استيعاب التحولات الحديثة المهيمنة على محيطها الدولي خصوصا في ظل الثورة التكنولوجية؟

و بالرغم من أهمية هذه الإشكاليات فإننا لن نتعرض لها لكوننا لا نريد الدخول في العلاقة الجدلية بين الاقتصاد و القانون باعتباره يشكل موضوعا مستقلا، و إنما سنركز على إشكاليتين أساسيتين؛ ماهي الأسباب الكامنة وراء خروج المشرع المغربي عن النظريات التقليدية في محاولة لتأسيس مفاهيم جديدة؟ و إلى أي حد تستجيب هذه المفاهيم الجديدة للمصالح المشروعة لكل من المقاولة و المستهلك و الاقتصاد الوطني ككل؟

هذا، و يمكن معالجة الموضوع من خلال عدة تصاميم من قبيل تقسيمه إلى شقين يخصص الأول منهما للحديث عن طبيعة هذه المفاهيم الجديدة ويتناول الثاني أثرها على المبادىء العامة، إلا أن هذا التقسيم الكلاسيكي لا يفي بالإشكالية المطروحة على اعتبار أنه يسلط الضوء على الموضوع من زاوية قانونية فقط و لا يمكننا من النفاذ إلى المصالح المتعارضة الكامنة وراء بروز هذه المفاهيم الجديدة؛ لذا سنتناول الموضوع من خلال التصميم الآتي:
المبحث الأول: المفاهيم الجديدة المؤطرة للمقاولة كمؤسسة
المبحث الثاني: المفاهيم الجديدة المؤطرة لعلاقة المقاولة بمحيطها الاقتصادي
_________________________________
نذكر من بين هذه التحولات العقد التجاري في مقابل العقد التجاري وبروز نوع جديد من الحقوق اصطلح عليه الحقوق المعنوية………… [1]
2  نقلا عن أستاذتنا فاتحة مشماشي في إحدى محاضراتها
2  تتجلى هذه العلاقات أساسا في كون المقاولة تشكل موردا لخزينة الدولة(الضرائب) و وحدة إنتاجية لتلبية حاجيات الاستهلاك و وحدة للتشغيل وتوفير مناصب شغل جديدة و بالتالي فهي ترفع من قيمة الناتج القومي. بعبارة أخرى فالمقاولة بمثابة ذلك المكانيزم الذي سيمكن من تحقيق الأهداف المسطرة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
3كما أن نشاط المقاولة يتوقف من جهة على الأخذ بعين الاعتبار عنصرا مهما و هو المستهلك باعتباره الحلقة الأخيرة في المسلسل الاقتصادي ومن جهة أخرى على ضرورة تأهيلها حتى يتسنى لها مواكبة التحديات و الإكراهات التي تفرضها هيمنة المعلوميات.
3  و هو التساؤل الذي يجد مشروعيته إذا علمنا أن معظم المقاولات المشكلة لنسيجنا الاقتصادي يطبعها عدم الوعي بضرورة العمل على رفع مستواها من حيث القدرات الإنتاجية و التقنية.
راجع خالد مداوي-حقوق الملكية الصناعية في القانون الجديد رقم 97-17 –دار القلم للطباعة و النشر و التوزيع- الطبعة الأولى 2005 –ص 11 و ما بعدها.