منهج الشيخ يوسف القرضاوي في الإفتاء المقاصدي

منهج الشيخ يوسف القرضاوي في الإفتاء المقاصدي – الفصل الخامس:
يعتمد الشيخ يوسف القرضاوي في الإفتاء المقاصدي على عدة قواعد أهمها :
1- عدم التعصب والتقليد : وذلك أن الشيخ يوسف متحرر من العصبية المذهبية والتقليد الأعمى لزيد أو عمرو من المتقدمين أو المتأخرين، هذا مع التوقير الكامل لأئمتنا وفقهائنا فعدم تقليدهم ليس خطأ من شأنهم، بل سيرا على نهجهم، وتنفيذا لوصاياهم بألا نقلدهم ولا نقلد غيرهم وأن نأخذ من حيث أخذوا .

وهذا الموقف لا يتطلب من العالم المسلم المستقل في فهمه أن يكون قد بلغ درجة الاجتهاد المطلق كالأئمة الأولي، وغن كان هذا غير ممنوع شرعا ولا قدرا. ولكن حسب العالم المستقل في هذا الموقف أمورا “.

أ-ألا يلتزم رأيا في قضية بدون دليل قوي، سالم من معارض معتبر ، ولا يكون كبعض الناس الذين ينصرون رأيا معينا لأنه قول فلان، أو مذهب علان، دون نظر دليل أو برهان مع أن الله يقول :{ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }، ولا يسمى العلم علما إذا كان ناشئا من غير دليل .

ب- أن يكون قادرا على الترجيح بين الأقوال المختلفة والآراء المتعارضة بالموازنة بين أدلتها والنطر إلى مستنداتها من النقل والعقل ليختار منها ما كان أسعد بنصوص الشرع، وأقرب إلى مقاصده، وأولى بإقامة مصالح الخلق التي نزلت لتحقيقها شريعة الفالق ، وهذا ليس عسيرا على من ملك وسائله من دراسة العربية وعلومها، وفهم المقاصد الكلية للشريعة ، بجانب الإطلاع على كتب التفسير والحديث والمقارنة .

ج- أن يكون أهلا للاجتهاد الجزئي أي الاجتهاد في مسألة معينة من المسائل وإن لم يكن فيها حكم المتقدمين ، بحيث يستطيع أن يعطيها حكمها بإدخالها تحت عموم نص تابث . أو بقياسها على مسألة مشابهة منصوص على حكمها. أو بادراجها تحت الاستحسان أو المصالح المرسلة،أو غير ذلك من الاعتبارات .

2-التيسير وعدم التعسير : من القواعد التي اعتمدها الشيخ القرضاوي رضي الله عنه تغليب روح التيسير والتخفيف على التشديد والتعسير نظرا لأمرين: أولا: أن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج من العباد، وهذا ما نطق به القرآن وصرحت به السنة في مناسبات عديدة .

ففي ختام أي الطهارة قال تعالى :{ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ، وليتم نعمته عليكم}، وفي ختام أية الصيام قال تعالى :{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }،وفي ختام أية المحرمات من الزواج قال تعالى :{ هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج “.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :” يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا “. ويقول أيضا :” إنما بعتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين “.

ثانيا: طبيعة العصر الذي نعيش فيه وكيف ضغت فيه المادية على الروحية والأنانية على الغيرة والنفعية على الأخلاق، وكيف كثرة فيه المغريات بالشر ، والمعوقات عن الخير . وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر ، حيث تواجهه التيارات الكافرة من كل جهة ، تريد أن تقتله من جدوره ، وتأخذه إلى حيث لا عودة والفرد المسلم في هذه المجتمعات في محنة قاسية بل في معركة دائمة.

فقلما يجد من يعينه بل يجد من يعوقه .

ولهذا ينبغي لأهل الفتوى أن ييسروا عليه ما استطاعوا . وان يعرضوا عليه جانب الرخصة أكثر من جانب العزيمة، ترغيبا في الدين وتثبيتا لأقدامه على طريقه القويم. وقد نقل عن الإمام النووي في مقدمة المجموع كلمة كبيرة للإمام الكبير – أمام الحديث والورع- سفيان الثوري قال فيها : ” إنما العلم الرخصة من تقة أما التشدد فيحسبه كل أحد !”

وهكذا كان سفيان من الصحابة ومن بعدهم ، إذا شددوا فعلى أنفسهم ، أما على الناس فييسرون ويخففون، وهذا وز منهم زمن الإقبال على الدين فكيف بزماننا والناس مدبرون عنه.

إننا كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي أحوج ما نكون إلى التوسعة على الناس .

وهذا ما اختاره الشيخ يوسف لنفسه ، فهو ييسر في الفروع ويشدد في الأصول ، وهذا لا يعني لي أعناق النصوص حتى تبوح بما يريده منها من المعاني والأحكام تيسير على الناس.

كلا فالتيسير الذي يتبناه الشيخ، هو الذي لا يصادم ثابتا محكما ولا قاعدة شرعية قاطعة ، بل ييسر في ضوء النصوص والقواعد والروح العمة للإسلام.

ولهذا لم يتساهل قط في تحريم الفواعد الربوية من البنوك وغيرها ، لوجود النصوص الصريحة ، التي تتحدى أي متهاون في شأنها .

ولم يتساهل في أمر التدخين – رغم عموم البلوى به – لوجود القواعد الشرعية التي تمنعه . وتبنى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في أمر الطلاق، لأنه يعبر عن روح الإسلام ومقاصد الشريعة، ويتمشى مع نصوص القرآن – والسنة عند التخفيف .

وعلى العموم : إذا كان هناك رأيان متكافئان احدهما أحوط والثاني أيسر ، فإن الشيخ يوسف يؤثر الإفتاء بالأيسر ، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما .

أما الأحوط فيمكن أن يأخد به المفتي في خاصة نفسه، أو يفتي به أهل العزائم والحريصين على الاحتياط. ما لم يغش عليهم الجنوح إلى الغلو .

3- مخاطبة الناس بلغة العصر : حيث تجنب الشيخ يوسف وعورة المصطلحات الصعبة ، وخشونة الألفاظ الغربية ، وتوخي السهولة والدقة .

وقد جاء في الإمام علي رضي الله عنه ” حدثوا الناس بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون ، أتريد أن يكذب الله ورسوله ؟ !”.

وقال تعالى ” وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم “. ولكل عصر لسان أو لغة تميزه وتعبر عن وجهته فلا بد لمن يريد التحدث إلى الناس في عصرنا أني فهم لغتهم ويحدثهم بها .

ولغة عصرنا كما يرى الشيخ يوسف تتطلب عدة أشياء يجب على المفتي أن يراعيها.

أ- أن يعتمد على مخاطبة العقول بالمنطق ، لا على إثارة العقول بالمبالغات فمعجزة الإسلام الكبرى معجزة عقلية هي القرآن الذي تحدى الله به ، ولم يتحدى بالخوارق مع وقوعها للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولم تعرف البشرية دينا يحترم العقل والعلم كما يحترمه الإسلام.

ب-أن يدع التكلف والتقعر في استخدام العبارات والاساليب، وان يستخدم اللغة السهلة القريبة المأنوسة، وبعض الألفاظ والأمثال العامية للتوضيح أكثر وأكثر . وذلك لأن جمهور المستمعين والمشاهدين ليسوا في مستوى واحد من الثقافة والفكر. فمنهم الأستاذ الكبير ومنهم الطالب الصغير. ومنهم التاجر ومنهم العامل . وكلهم يجب أن يفهم ويعي .

ج- أن يذكر الحكم مقرونا بمقصده وحكمته وعلته، مربوطا بالفلسفة العامة للإسلام . وذلك لأمرين :

الأول : أن هذه طريقة القرآن والسنة .

فالقرآن حين يفتي في المحيض يقول ” قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض” . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن علة الحكم – هو الأذى – مقدمة للحكم نفسه وهو الاعتزال. وحتى العبادات الشعاشرية يأمر بها القرآن مقرونة بعلل وأحكام تقبلها الفطرة السليمة والعقول الرشيدة .

ففي الصلاة يقول : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ، وفي الصيام يقول تعالى :{لعلكم تتقون}، وفي الزكاة يقول تعالى :{ تطهرهم وتزكيهم بها }، وفي الحج يقول تعالى:{ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات }،

أما السنة ، فإن من تامل فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم رآها مشتملة على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته .

ومن هذا قوله لعمر حين جاء منزعجا ، إذ قبل امرأته وهو صائم فقال له : أرأيت لو تمضمضت ثم مججته أكان يضر شيئا ؟ قال : لا فنبه على أن مقدمة المحظورة لا يلزم أن تكون دائما محظورة ، فإن غاية القبلة أن تكون مقدمة الجماع ، فلا يلزم من تحريمه مقدمته ، كما ان وضع الماء مقدمة شربة، وليست المقدمة محرمة .

وعن هذا قوله صلى الله عليه وسلم ” لا تنكح المرأة : على عمتها ولا على خالتها ولا على إبنة أخيها ولا على إبنة أختها ، فإنكم ذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم “. فقد ذكر صلى الله عليه وسلم الحكم ، ونبههم على حكمة تحريمه. وهو ما يترتب عليه من قطع ما أمر الله به أن يوصل نتيجة الاحتكاك الضروري بين الضرائر .

وهذا في القرآن والسنة كثيرا جدا مع أن قول الله ورسوله بنفسها وإن لم تعرف له علة معينة .ب وحسبنا أن لا يأمر إلا بخير .

الثاني : أن الشاكين والمشككون في عصرنا كثيرون ولم يعد أغلب الناس يقبلون الحكم دون أن يعرفوا مأخده ومغزاه ، ويعوا حكمته وهدفه ، وخاصة فيما لم يكن من التعبدات المحطة .

ولا بد أن نعرف طبيعة عصرنا وطبيعة الناس فيه، ونزيل الحرج من صدورهم ببيان حكمة الله فيما شرع . وبذلك يتقبلون الحكم راضين منشرحين فمن كان مرتابا ذهب ريبه. ومن كان مؤمنا زاد إيمانه.

ومع هذا لا بد من التأكيد على أن من حق الله تعالى . أن يكلف عباده ما شاء بحكم ربوبيته لهم. وعبوديتهم له ، فهو وحده له الأمر ، كما له الخلق ولهذا لابد أن يطيعوه فيما أمر ، ويصدقو فيما أخبر وإن لم يدركوا علة أمره، او كنه خبره وعليهم أن يقولو في الأول:{ سمعنا وأطعنا }، وفي الثاني :{ أمنا به كل من عند ربنا }،.

4-الإعراض عما لا ينفع الناس : وذلك أن الشيح يوسف رضي الله عنه لا يشغل نفسه ولا جمهوره إلا بما ينفع الناس، ويحتاجون إليه في واقع حياتهم أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المرء والجدل أو التعالم والتفاصح أو امتحان المفتي وتعجيزه أو الفوض فيما لا يحسنونه أو إثارة الأحقاد والفتن بين الناس. أو نحو ذلك ، فإن الشيخ كان يضرب عنها صفحا ولا يلقى لها بالا لأنها تضر ولا تنفع . وتهدم ولا تبنى وتفرق ولا تجمع .

ومثل ذلك الأسئلة التي تتعلق بالأمور الغيبية، التي لم يحدد هانص معصوم. وكذا غوامض المسائل الدينية والعقائدية التي لا تتحملها الطاقة العقلية المعتادة لجمهور الناس، ويخشى عن الفوض فيها – سؤالا وجوبا – التشويش على الكثيرين.

ومن الأسئلة التي لم يكن الشيخ يوسف يعبأ بها : ما يتعلق بالمفاصلة بين آل البيت والصحابة رضي الله عنهم وما شجر بينهم من خلاف .

سئل الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز عن قتال أهل صفين . فقال : تلك دماء كف الله عنها بدي فلا أحي أن الضخ بها لساني ،.

ومن الأسئلة التي يحرص الناس على إثارتها، أيهما أفضل عند الله أبو بكر أم علي ؟ وأيهما كان أحق بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

أيهما أفضل : فاطمة الزهراء، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟.

أسئلة لا يترتب على العلم بها. قوة في دين ولا نهضة في دنيا ومن جهل الجواب عنها فلا إثم عليه . ومن كون في كل منها رأيا فهيهات أن يتنازل عنه لذلك فقد قال الشيخ في بعض إجاباته عن مثل هذه الأسئلة :” إنها أشبه بموضوعات الإنشاء التي كان معلمونا – ونحن تلاميذ صغار – يكلفوننا الكتابة فيها تدريبا للقلم . وشحدا للملكان مثل المفاضلة بين الليل والنهار ، وبين الصيف والشتاء وبين الأرض والسماء، وبين القطار والسفينة ، وغير ذلك مما لا معنى للمفاضلة بين بعضها وبعض عند أهل البصر والبصيرة “.

إن الله تعالى ورسوله عابا على بني إسرائيل كثرة أسئلتهم . واختلافهم على أنبيائهم وسؤالهم فيما لا ضرورة إليه. ولا فائدة منه إلا إعنات أنفسهم، وفي هذا ذكر الله تعالى لنا قصة دبح البقرة وكثر: أسئلتهم فيها دون حاجة . ولو أخذوا أي بقرة فدبحوها لكانوا ممثلين للأمر. ولكن شددوا فشدد الله عليهم وما ذكر الله لنا هذه القصة إلا لتكون لنا عظة وعبرة .

ومن الأسئلة التي أعرض عنها الشيخ يوسف: ما يتعلق بتفسير الرؤى والأحلام لذلك فقد أعلن غير ما مرة : أنه مهمته بيان الأحكام ، لا تفسير الأحلام. وذلك أن الأحكام لها أصول يحتكم إليها ، ومصادر يرجع إليها. أما الأحلام فلا ضابط لها ولا قاعدة ، ويختلف تأويلها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان وعلى العموم فهي تخمين وظن . إلا من وهبه الله الفراسة في ذلك وعلمه تأويل الأحاديث .

5-الاعتدال بين المتحللين والمتزمتين :

من خصائص المنهج الذي سار عليه الشيخ يوسف القرضاوي : الالتزام بروح التوسط دائما. والاعتدال بين التفريط والإفراط، وبين الدين يريدون أن يتحللوا من عرف الأحكام الثابتة بدعوى مسايرة التطور من المتعبدين بكل جديد، وبين الدين يريدون أن يظل كل ما كان على ما كان من الفتاوى والأقاويل والاعتبارات، تقديسا منهم لكل قديم .

عبيد التطور :

أما الأولون فهم لا يريدون أن يبقى شيء على حاله، ولا يستمر وضع كما كان وأن يغيروا كل شيء، بحجة أن العالم يتطور، والحياة تتغير ، وهم الذين سخر منهم بعض الأدباء بأنهم يريدون أن يغيروا الذين واللغة والشمس والقمر !

لذلك قالوا بأن الربا كان حراما في الزمن الماضي لأن آخده –المرابي- كان هو القوى الغني ومعطي الربا كان هو الضعيف المحتاج .

أما الآن فأخذ الربا هو العامل أو الموظف الضعيف الذي يدخر من دخله دراهم معدودة يودها في البنك . ليأخذ عليها فائدة محددة والبنك الذي يعطيه الفائدة هو الغني القوي ، الذي يربح من وراء إيداع الكثير ، وإذن يقضي التطور بتبديل الحكم في الربا الذي اعتبره القرآن والسنة من أكبر الكبائر ، وأعظم الموبقات وآدان فاعله بحرب من الله ورسوله !!.

وهذا أمر لا بقبله عقل ولا يسمح به نقل: أن ينتقل حكم تكليفي من دائرة المحرمات المنصوصة، بل الكبائر المعلومة، إلى دائرة المباحات المشروعة .

أما المقدمات التي يستند إليها “هؤلاء التطوريون” فغير مسلمة، وقائمة على المغالطات فمن أين لهم أن علة تحريم الربا تنحصر فيما ذكروه وصوروه؟

إن تحريما الربا له أكثر من وجه ، وأكثر من علة بعضها اقتصادي وبعضها اجتماعي، وبعضها سياسي، وبعضها أخلاقي، وقد شرح ذلك أهل الإختصاص في كتب ورسائل وبحوث شتى “،

المتزمتون في الفتوى:

وفي مقابل هؤلاء ” العصريين” أو ” المتقدمين ” الذين يريدون أن يحللوا كل شيء بحجة “التطور ” وتغير الزمان، ومرونة الشريعة إلى إلخ .. نجد آخرين يريدون أن يحرموا على الناس كل شيء، فأقرب شيء إلى ألسنتهم وأقلامهم إطلاق كلمة حرام ، دون مراعاة لخطورة الكلمة ، ودون تقديم الأدلة الشافية من نصوص الشرع وقواعده سندا للتحريم .

فعمل المرأة حرام، والغناء حرام، والموسيقى حرام والتمثيل حرام، والتلفزيون حرام، والسينما حرام، والتصوير كله حرام، والجمعيات التعاونية حرام !

والحياة كلها حرام في حرام “.

هذا مع تحذير القرآن والسنة والسلف الصالح من إطلاق كلمة “الحرام” إلا في علم تحريمه جزما من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

يقول الله تعالى :{ قل آرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل : آلله أذن لكم أم على الله تفترون ؟ }.

ويقول تعالى :{ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب : هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ،إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون }.

وثبت في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” وإذا حاصرت حصنا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله : فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تذري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ؟ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك”.

وقال الإمام مالك : ولم يكن من أمر الناس، ولا من مضى من سلفنا الذين يقتضى بهم، ويعول عليهم، أن يقولوا:هذا حلال وهذا حرام ولكن يقول : أنا أكره كذا ، وأحب كذا ، وأما حلال وحرام فهذا الافتراء على الله أما سمعت قول الله تعالى :{ قل آرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق …}، لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله “.

وقال غير واحد من السلف : ليحذر أحدكم أن يقول : أحل الله كذا، وحرم كذا ، فيقول الله له : كذبت ، لم أحل كذا، ولم أحرم كذا.

سادسا : إعطاء الفتوى من الشرح والإيضاح .

كان الشيخ يوسف القرضاوي رضي الله عنه يرفض طريقة بعض العلماء قديما وحديثا في جواب السائلين : بأن هذا يجوز أو لا يجوز… وهذا حلال وهذا حرام .. أو حق وباطل طلبا للاختصار، وعدولا عن الإطالة ، ليفرق بين الفتيا والتصنيف . حتى ذكر عن ابن حمدان ” صفة الفتوى والمستفتي أن بعض الفقهاء قيل له أيجوز كذا ، فكتب : لا !.

وهذا إن جاز مع بعض الأشخاص، وفي بعض الأحوال لا يجوز أن يكون قاعدة فيما يذاع على جمهور الناس . أو يكتب في صحيفة أو كتاب بقرؤه الخاصة والعامة. لذلك فقد كان الشيخ يعتبر نفسه عند إجابة السائلين مفتيا ، ومعلما ومصلحا وطبيبا ومرشدا .

هذا ما جعله يبسط بعض الإجابات وبوسعها شرحا وتحليلا، حتى يتعلم الجاهل وينتبه الغافل ويقتنع المتشكك ، ويثبت المتردد ، وينهزم المكابر ، ويزداد العالم علما والمؤمن إيمانا .

ولا بأس من تسجيل أهم الخطوات التي اتبعها الشيخ القرضاوي في الشرح والبيان وإن أشير إلى بعضها فيما سبق .

أ- الفتوى لا معنى لها إذا لم يذكر معها دليلها. بل جمال الفتوى وروحها الدليل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد يعوج الأمر إلى مناقشة أدلة المخالفين عند اللزوم في المسائل الهامة ليسلم ” دهن السائل من تشويش المعارضات .

ب- ثم إن ذكر القصد والحكمة والعلة أمر لا يستغنى عنه ، خصوصا في عصرنا ، كما بينا ذلك من قبل. وإلقاء الفتوى سادجة مجردة من حكمة التشريع ، وسر التحليل والتحريم بجعلها جافة غير مستساغة لدى كثير من العقول بخلاف ما إذا عرف سرها وعلة حكمها ، وقد قيل : إذا عرف السبب بطل العجب.

ج- المقارنة بين موقف الإسلام في القضية المسؤول منها ، وموقف غيره من الأديان أو المذاهب والفلسفات فقديما قال الشاعر:

والضد يظهر حسنه الضد

وقال آخر :

وبضدها تتميز الأشيــاء

د- التمهيد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولا لدى السائلين،وقد ذكر ابن القيم أن الحكم إذا كان مما لم تألفه النفوس . وإنما ألفت خلافه، فينبغي للمفتي أن يؤطئ قلبه مؤذنا به . كالدليل عليه والمقدمة بين يديه .

هـ-ومن الفتاوي ما يحرم على المستفتي أمرا كان يظن إباحته أو يريد ويتمناه لحاجته إليه. أو تعلقه به . فينبغي هنا أن يدل على البديل الحلال، وما دام يتمناه قد سد وجهه طريق العرام. وما من شيء حرمه الله إلا وفيها أصله ما يغني عنه “.

فمن سأل في إيداع المال في المصاريف (البنوك) بالفوائد الربوية منع منها حتى لا يأذن بحرب من الله ورسوله. وأرشد إلى المضاربة المشروعة .

ومن ســـأل عن صيام يوم الجمعة بين له كراهية إفراده. ودل على استحباب صوم يومي الاثنين والخميس، أو الثلاثة أيام البيض من كل شهر .

و-ربط الحكم المسؤول عنه بغيره من أحكام الإسلام، حتى تتضح عدالته وتتبين روعته ،لأن الحكم منفصلا عن غيره قد لا يعطي الصورة المضيئة لعدل الإسلام ، ومحاسن شرعه.

ومن أمثلة ذلك: إعطاء البنت نصف نصيب أخيها الذكر من ميراث أبيها، فمن أخذ هذا الحكم وحده، ربما ظن في ذلك إججافا بالبنت لأول وهلة . لكن إذا نظر نظرة شاملة للأعباء العائلية. والالتزامات المالية المنوطة بكل من الابن والبنت، رأى في هذا التشريع العدل كل العدل، لأن العدل ليس هو المساواة دائما، بل التكافؤ بين الحقوق والواجبات .

إن على الابن إذا أراد أن يتزوج ، أن يدفع مهرا لمن يتزوجها، وعليه أن يقوم بنفقتها كلها، وإن كانت ذات مال وثروة. أما البنت فحين تتزوج تأخذ ولا تدفع وتعيش في كفاية تامة من مال زوجها.

وبهذا نجد ميراث الابن يتناقص بحكم أعبائه ، ميراث البنت يبقى سالما عن لم يزد.

ولذلك لا يكون صنف النساء مظلوم ،لأن النسبة التي نقصت من حظ الأنثى، أنفقت على أنثى مثلها. هي امرأة أخيها ، وهذا هو عدل الإسلام.

ز-ترك الإجابة عن بعض الأسئلة لعدم أهميتها … مثل سؤال بعضهم عن القرآن: أهو مخلوق أم غير مخلوق ؟

فهذا سؤال لا وزن له في هذا العصر، ولا حاجة إلى إثارته، وقد مضى زمن أصاب المسلمين من ورائه شر مستطير. ومعنى عظمية أودي فيها علماء المسملمين وخيارهم على رأسهم إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه .

فإحياء هذه المشكلة التاريخية لا معنى له، ولا جدةى منه – إلا إهدار الطاقات الفكرية للأمة في جدل بيزنطي كما يقولون :

فكان الأولى بالسائل عن وجه إعجاز القرآن –مثلا- ليقنع غير المسلمين بأنه يسأل عند الله، وأنه تنزيل من حكيم حميد.

أو يسأل عن قصص القران ليأخذ منها العظة، يلتمس العبرة والذكرى له ولكل من كان قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

ومما يقتضيه البيان أحيانا ، الاستطراد إلى الأشياء تكمل موضوع السؤال. أو ترتبط به ارتباط تشابه أو تضاد. أو غير ذلك مما يمكن أن يحتاج إليه السائل . وإن لم يسأل عنه.

فقد يسأل السائل عن الصلوات المحدثة في ليلة النصف من شعبان، فيجيب عنها المفتي، ثم ينتقل إلى الحديث عن صلوات محدثة أخرى هي ” صلاة الغائب” في أول رجب فإن الشيء بالشيء يذكر .

وقد يسأل آخر عن سنة الصبح القبلية. فيجاب عن بيان السنن الراتبة مع الصلوات الخمس جميعا ، تتميما للفائدة .

وهذا كله يقتضيه المقام . وذكره مما يفيد ، وإن عاب ذلك بعض الناس ، قال ابن القيم :” ومن عاب ذلك فلقلة علمه وضيق عطنه وضعف نصحه “.

وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء بماء البحر ، فقال لهم :” هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته “.

فأجابهم عما سألوه عنه بيان طهارة ماء البحر ثم زادهم فائدة أخرى لم يسألوا عنها، وهي حل ميتته ، نصحا لهم وبرا بهم .

فهرست الموضوعات
المـقـدمـة
الفصل الأول : التعريف بالشيخ يوسف القرضاوي :
1- مولده ونشأته ومؤهلاته العلمية
2- أعماله الرسمية
3 – جهوده ونشاطاته في خدمة الإسلام
4 -مؤلفاته الفصل الثاني : التعريف بالاجتهاد المقاصدي :
1 تعريف الاجتهاد في اللغة والاصطلاح
أ تعريف الاجتهاد في اللغة
ب تعريف الاجتهاد في الاصطلاح
2 تعريف المقاصد في اللغة والاصطلاح
أ تعريف المقاصد في اللغة
ب تعريف المقاصد في الاصطلاح
3 مفهوم الاجتهاد المقاصدي
الفصل الثالث : تاريخ الاجتهاد المقاصدي
1 الاجتهاد في العصر النبوي
– مقاصد السنة
– مقاصد النسخ في الأخبار
– مقاصد التعارض والترجيح
2- الاجتهاد المقاصدي في عصر الصحابة
– وراثتهم النبو ونقله إلى كافة أجيال الأمة
– أثارهم في المقاصد
– الوقائع التي اجتهدوا فيها
– إجمالهم على ترك الحي
3-الاجتهاد المقاصدي في عصر التابعين
– وراثتهم لعلم الصحابة وهدي النبوة
– أخذهم بالنص والمصلحة والقياس
– اختلاف عصرهم عن عصر الخلافة
– اجتهادهم في النوازل
– إنكارهم للحيل
4- الاجتهاد المقاصدي في عصر أئمة المذاهب
– وراثتهم للهدي النبوي وعلم السلف
– أصولهم في الاستنباط
– مقاصدية الاستحسان
– مقاصدية المصلحة المرسلة
– مقاصد العرف
– مقاصدية سد الدرائع
– مقاصدية النوازل التي اجتهد فيها الأمة
5-الاجتهاد المقاصدي عند عموم الفقهاء والأصوليين :
– مظاهر الاجتهاد المقاصدي عند عموم الفقهاء والأصوليين
– التصريح بالمقاصد الشرعية
– الفروع الفقهية والأمثلة التطبيقية
– القواعد الشرعية
– مستثنيات القواعد
– مراعاة الخلاف وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال
– الاعتداد بالمصاب التبعية
– مشاهير علماء المقاصد الفصل الرابع : ضوابط الاجتهاد المقاصدي ومجالاته
أ – ضوابط الاجتهاد المقاصدي
1 -دواعي العمل بالضوابط المقاصدي
2 -الضوابط العامة والشروط الاجمالية للاجتهاد المقاصدي
– شرعية المقاصد وربانيتها
– شمولية المقاصد وواقعيتها وأخلاقها
– عقلانية المقاصد .
3 – الضوابط الخاصة للاجتهاد المقاصدي :
– ضوابط المصلحة المرسلة
– ضوابط العرف
– ضوابط التعليل ب
– مجالات الاجتهاد المقاصدي
1 -القطعيات التي لا تقبل الاجتهاد المقاصدي
– العقيدة
– العبادة
– المقدرات
– أصول المعاملات
– عموم القواطع
2-الظنيات التي تقبل الاجتهاد المقاصدي :
– الوسائل الخادمة للعقائد
– الوسائل الخادمة للعبادة
– كيفيات بعض المعاملات
– النوازل الاضطرارية
– المسائل المتعارضة
– عموم الظنيات الفصل الخامس : منهج الشيخ يوسف القرضاوي في الافتاء المقاصدي
1- عدم التعصب والتقليد
2 – التيسير وعدم التعسير
3 – مخاطبة الناس بلغة العصر
4 – الإعراض عما لا ينفع الناس
5 – الاعتدال بين المتحللين والمتزمتين
6 – إعطاء الفتوى حقها من الشرح والإيضاح
الفصل السادس : مظاهر الاجتهاد المقاصدي من خلال فتاوى الشيخ يوسف القرضاوي
: 1- مجالات العبادة :
أ- الطهارة والصلاة :
– المسح على الجوربين
– الحكمة من الاغتسال من الجنابة
– الحكمة من صلاة الكسوف والخسوف
– صلاة المأموم منفردا خلف الصف
ب- الصيام والزكاة
-الحكمة من السحور
-إخراج الفطرة بقيمتها من النقود
-زكاة الرواتب والأجور ج
– الحج والعمرة
– حج التطوع أو الصدقة
– مقام إبراهيم هل يجوز نقله من مكانه ؟
2- مجال شؤون المرأة
– الحكمة من الزواج والجماع
– عدة المطلقة قبل الدخول بها
– حكم المهر وحكمته
– حكم زواج المسلم من الكتابية
– حدود وعودة الرأة
3- مجال الطب والصحة :
– موقف الإسلام من الاستنساخ
– حكم إجهاض الناشئ عن الاغتصاب
– حكم زرع عضو حيوان نجس في جسم إنسان
– حكم زرع الخصية
4- مجال المجتمع ومجالاته .
– تشميت العاطس : حكمة وحكمته
– نبش مقبرة قديمة للمصلحة
– المقصد من آداب الطعام الواردة في الأحاديث النبوية5
– مجال الحكم والسياسة
– حكم دخول مسلمي الأرض المحتلة برلمان الدولة اليهودية
– حكم مشاركة الفرد والجماعة المسلمة في حكم غير إسلامي
– حكم تعدد الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية
خاتمة
__________________________________
– الفتوى بين الانضباط والتسيب ، د.يوسف القرضاوي ص 69.
– فتاوي معاصرة د.يوسف القرضاوي .1/10.
– سورة النمل الآية 65.
– الفتاوي بين الانضباك والتسيب .د يوسف القرضاوي ص 70.

– سورة المائدة الآية 6.

– البقرة : الآية 183.

– الحج الآية 75.

– صحيح البخاري كتاب الأدب ، باب قوله صلى الله عليه وسلم ” يسروا ولا تعسروا … 5/2269 رقم الحديث 5774

– صحيح البخاري كتاب الأدب ، 5/2270 رقم 5777

– فتاوي معاصرة ، د. يوسف القرضاوي ، 1/11-12.

– فتاوي معاصرة ص 1/14.

– نفسه ، ص 1/14.

– فتاوى معاصرة 1/15..

– سورة إبراهيم الآية 4.

– فتاوى معاصرة .د. يوسف القرضاوي 1/15.

– البقرة : الآية 219.

– العنكبوت ، الآية 44.

– البقرة : الأية 111.

– التوبة، الآية 103.

– الحج : الآية 25.

– صحيح البخاريي ، كتاب النكاح باب ، لا تنكح المرأة على عمتها حديث شريف 5108 ج3 ص 351.

– البقرة 283

– آل عمران الآية 6.

– فتاو معاصرة ، 1/18.

– فتاوى معاصرة . 1/18

– أنظر الموافقات للشاطبي ج3/320.

– فتاوى معاصرة د. يوسف القرضاوي ج1/ص 20.

– الفتوى بين الانضباط والتسيب ، د. يوسف القرضاوي ص 86.

– فتاوى معاصرة.د يوسف القرضاوي . 1/21.

– الفتوى بين الإنضباط والتسيب / الدكتور يوسف القرضاوي / ص 90-91.

– الفتوى بين الإنضباط والتسيب / الدكتور يوسف القرضاوي / ص 92-93

– سورة يونس : الآية 59.

– سورة النحل الأية : 116.

– صحيح مسلم . كتاب الجهاد والسير / باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم رقم الحديث 3261 .

– ترتيب المدارك للقاضي عياض ج1 ص 145.

– فتاوى معاصر / الدكتور يوسف القرضاوي / ج1 ص 25.

– الفتوى بين الانضباط والتسيب .د يوسف القرضاوي ، ص 95.

– فتاوي معاصرة .د.يوسف القرضاوي ، ج1 ص 26-27.

– أنظر أعلام الموقعين ،ج 1 ص 163.

– الحلال والحلام في الإسلام، د. يوسف القرضاوي ، ص 30.

– فتاوى معاصرة .د يوسف القرضاوي 1/29.

– الفتوى بين الانصباط والتسيب، د.يوسف القرضاوي ، ص 96-97.

– فتاوى معاصرة .1/31.

– الفتوى بين الانضباط والتسيب ، د. يوسف القرضاوي ص 98.

– إعلام الموقعين ، ابن القيم الجوزية ، ج4 ص 158-159.

– سسن الترميدي ” كتاب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور رقم 64.

 



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *