أنواع التحكيم : التحكيم الدولي والتحكيم الإجباري …

أنواع التحكيم – ثانيا:
نظرا للأهمية المتزايدة لنظام التحكيم على الصعيدين الدولي والداخلي، وتأكيدا لرغبة الأفراد في انتشار هذا النظام باعتباره الوسيلة المثلى لحل المنازعات بالطرق السلمية، وكذا رغبة الدول في تشجيع الاستثمار، لذلك ظهرت الحاجة لوجود عدة أنواع للتحكيم لتغطي كافة المنازعات وخيارات الأفراد، فمن ناحية قد يكون التحكيم حرا وقد يكون مؤسسيا، وقد يكون اختياريا وقد يكون إجباريا وأخيرا قد يكون التحكيم وطنيا وقد يكون دوليا، وسوف نبين في بحثنا هذا أنواع التحكيم المختلفة في عجالة سريعة تمكننا من معرفة أهمية كل نوع ووظيفته لحل المنازعات المختلفة بالطرق السلمية.

أ- التحكيم الحر والتحكيم المؤسسي
1-  التحكيم الحر: هو ذلك التحكيم الذي يعطي الحرية الكاملة للخصوم في تحديد القواعد والإجراءات التي يتبعها المحكم الذي يختارونه لكي يفصل في النزاع المطروح عليه وفقا لهذه القواعد سواء كانت إجرائية أو موضوعية وفي المكان الذي يحددونه بما لا يتعارض مع القواعد الآمرة أو النظام العام.

وقد ظهر التحكيم الحر قبل ظهور التحكيم المؤسسي، وفيه يعطي حرية كبيرة للأفراد في اختيار المحكمين الذين يضعون فيهم ثقتهم اعتمادا على خبرتهم في حل النزاع، وقد تكون القواعد والإجراءات المتبعة لحل النزاع أكثر مرونة وواقعية عنها في قواعد التحكيم المؤسسي، كما أن عامل السرية والسرعة في حل النزاع، قد يكون أكثر ما يميز هذا النظام، كما أن الاعتماد على مؤسسة أو هيئة لحل النزاع القائم، قد يأتي بكثير من القواعد والإجراءات التي قد تكون على عكس توقعات الأفراد والتي قد تساعد على إطالة زمن التحكيم لتأخر فهم الخصوم لها وما يتبعها من تحضير مستندات، ودفوع تستطيع الرد على هذه القواعد والإجراءات.

2- أما التحكيم المؤسسي: فهو ذلك التحكيم الذي تتولاه هيئات ومنظمات دولية أو وطنية، وفق قواعد وإجراءات موضوعة ومحددة سلفا، تحددها الاتفاقيات الدولية أو القرارات المنشئة لهذه الهيئات، وقد شاع انتشار مراكز التحكيم، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وقد عظمت أهميتها بعد انتشار الاقتصاد الحر والتجارة الدولية، ومن هذه المراكز ما هو متخصص في مجال معين كتجارة القطن أو الحبوب مثلا، ومنها ما هو عام يتولى التحكيم في مختلف أوجه النشاط التجاري، ومنها ما هو وطني مثل غرفة التحكيم بباريس، ومنها ما هو دولي كغرفة التجارة الدولية بباريس (CCI ) ومركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري.

وكل هذه المؤسسات السالفة الذكر توصف بالتخصص والدوام لأن التحكيم هو وظيفتها الوحيدة، وهي أيضا دائمة لأنها لا تقف عند عملية تحكيم بعينها بل هي مستمرة لتلقي ما يعهد إليها من عمليات تحكيمية.

ولقد أصبح التحكيم المؤسسي هو الأساس في مجال التجارة الدولية، فالأطراف عادة ما يفضلون الاستعانة بأنظمة التحكيم المؤسسي لما تكلفه من تنظيم مسبق ومفصل لمعظم مسائل التحكيم، مما يمكنهم من تفادي مسألة عدم الخبرة في وضع قواعد وإجراءات التحكيم واستهلاك مزيدا من الوقت في الاتفاق على هذه القواعد كما هو الحال في نظام التحكيم الحر، هذا فضلا عن الإمكانيات الإدارية والمالية والتنفيذية التي تتمتع بها تلك الهيئات وتضعها بين أيدي الأفراد، وكذا الخبرة التي تتمتع بها تلك الهيئات نظرا لوجود قواعد عملية وواقعية ثم تجربتها وثبت نجاحها في العديد من المنازعات التي فصلت فيها[1].

ب- التحكيم الاختياري والتحكيم الإجباري:
1- التحكيم الاختياري: يكون التحكيم اختياريا متى كان للأفراد حرية كاملة في طرح نزاعاتهم في مسألة معينة أمام القضاء أو الاتفاق على عرضها أمام هيئة التحكيم موضحين في اتفاقهم كيفية قيام التحكيم وإجراءاته وكيفية تعيين المحكمين، ففي مصر مثلا صدر القانون رقم 27 لسنة 1994 بشأن التحكيم في المواد المدنية والتجارية ونص في المادة الرابعة في فقرتها الأولى على أنه “ينصرف لفظ التحكيم في حكم هذا القانون إلى التحكيم الذي يتفق عليه طرفي النزاع بإرادتهما الحرة سواء كانت الجهة التي تتولى إجراءات التحكيم، بمقتضى اتفاق الطرفين منظمة أو مركز دائم للتحكيم أو لم يكن كذلك”، ومؤدى هذه المادة أن التحكيم الذي تسري عليه أحكام هذا القانون هو التحكيم الاختياري، أي التحكيم الذي يتم اللجوء إليه بإرادة الطرفين.

وعلى صعيد التجارة الدولية فالأمر الغالب هو التحكيم الاختياري إذ تتعالى الأصوات بتحقيق مبدأ سلطان الإرادة على وجه يشمل كافة التعاملات بما فيها الاتفاق على التحكيم، وقد سعت الدول إلى توحيد قواعد التحكيم فيما بينها حتى ظهر ما يسمى بالقانون النموذجي (Mode law) والقواعد الموحدة للجنة القانون التجاري الدولي بالأمم المتحدة (Uncitral law) وقد لاقت قواعد هذا القانون قبولا عارما من المجتمع الدولي إذ أن القانون قد قدم للتجارة الدولية نظاما قانونيا موحدا يتلافى عدم ملائمة القوانين المحلية لنظم وإجراءات التحكيم في التجارة الدولية.

2- أما التحكيم الإجباري: ففيه تنعدم إرادة الأطراف سواء فيما يتعلق باللجوء إليه أو فيما يتعلق باختيار الجهة التي تباشره ويصبح التحكيم نظاما مفروضا عليهم، وفي معظم الأحيان يطبق التحكيم الإجباري بناء على قاعدة آمرة تتعلق بالنظام العام، والتي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.

والتحكيم الإجباري قد يأخذ صورتين، فهو إما أن يكتفي المشرع بفرض التحكيم ويترك للخصوم حرية اختيار المحكم وتعيين إجراءات التحكيم، وإما أن يتدخل المشرع فيضع تنظيما إلزاميا لإجراءات التحكيم ككل، فلا يكون لإرادة الخصوم أي دور في التحكيم.

ومثال التحكيم الإجباري القانون المصري رقم 97 لسنة 1983 بإصدار قانون هيئات القطاع العام وشركاته فقد قضى في المادة 56 منه “بأن تختص هيئات التحكيم المنصوص عليها في هذا القانون دون غيرها بنظر المنازعات التي تنشأ بين شركات القطاع العام بعضها وبعض أو بين شركة قطاع عام من ناحية وبين جهة حكومية مركزية أو محلية أو هيئة عامة أو مؤسسة عامة من ناحية أخرى”

وعلى الصعيد الدولي فقد نجد التحكيم الإجباري موجودا في بعض الاتفاقيات الدولية أو في صورة شروط عامة يجب إتباعها في بعض المجالات، كما هو الشأن في الشروط التي وضعها مجلس المعونة الاقتصادية المتبادلة (الكوميكون) في عام 1968 وهي تلك التي تحكم بيوع البضائع بين منظمات التجارة الخارجية في بلدان الكوميكون[2]

ج- التحكيم الداخلي والتحكيم الدولي :
1- التحكيم الداخلي : هو ذلك النوع من التحكيم الذي تتصل فيه جميع عناصره بدولة واحدة دون غيرها، وذلك من حيث موضوع النزاع، جنسية الخصوم، جنسية المحكمين، القانون الواجب التطبيق، المكان الذي يجري فيه التحكيم، وهنا يطبق القانون الوطني ولا تثار مشكلة بالنسبة لقواعد تنازع القوانين أو كيفية تنفيذ الأحكام الأجنبية كما هو الحال بالنسبة للتحكيم الأجنبي[3].

2- التحكيم الدولي : يكون التحكيم دوليا إذا كان موضوعه نزاعا يتعلق بمصالح التجارة الدولية والذي يكون لأحد أطرافه على الأقل موطن أو مقر بالخارج، وهذا ما أكده المشرع المغربي في الفصل 40-327 من القانون رقم 05-08 حيث اعتبر أن التحكيم يكون دوليا في الحالات التالية:
1- إذا كان لأطراف اتفاق التحكيم وقت إبرامه مؤسسات بدول مختلفة.
2- أو كان الأطراف متفقين صراحة على أن موضوع التحكيم يهم أكثر من بلد واحد.
3- أو كان أحد الأمكنة التالية يقع خارج الدولة الموجودة بها مؤسسات الأطراف:
أ- ماكن التحكيم عندما يكون منصوصا عليه في اتفاق التحكيم أو معينا بمقتضى هذا الاتفاق.
ب- كل مكان يجب أن ينفذ فيه جزء مهم من الالتزامات المترتبة على العلاقة التجارية أو المكان الذي تربطه أكثر بموضوع النزاع صلة وثيقة[4].
المطلب الأول: مدلول التحكيم وأنواعه
المبحث الأول : المبادئ العامة لنظام التحكيم
التحكيم في العقود
___________________________
[1] – د. أحمد محمد عبد البديع شتا، شرح قانون التحكيم، دراسة مقارنة وفقا لآراء الفقه وأحكام القضاء، وهيئات التحكيم العربية والدولية دار النهضة العربية ، الطبعة الثالثة 2005 ، ص 55.
[2] — د. أحمد محمد عبد البديع شتا، مرجع سابق، ص 57 وما بعدها.
[3] – د. أحمد محمد عبد البديع شتا، مرجع سابق، ص 66.
[4] – أنظر الفصل 40-327 من القانون رقم 05-08 بتاريخ 6 دجنبر 2007 ج / عدد 5584، ص 3903.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *