المصالح الطبية للشغل – طب الشغل

ظروف الشغل – المطلب الثاني:
إن الشغل كان وما يزال محفوفا بالكثير من المخاطر التي تضاعفت في ظل استعمال التكنولوجيا الحديثة مما أفرز أضرارا صحية وعصبية وجسدية وعملا بالمبدأ الطبي القائل “الوقاية خير من العلاج” لجأت العديد من الدول إلى سن قواعد من شأنها درأ المخاطر التي تهدد صحة الأجراء[1]، فالمقتضيات الحمائية أضحت شأنا يهم الجميع دولة وفاعلين اجتماعيين وشركات التأمين، وكل من جانبه يحاول السعي إلى التقليص من مخاطر حوادث الشغل والأمراض المهنية[2]، عن طريق توفير الرعاية الصحية من خلال طب الشغل (الفقرة الأولى) وكذا تكريس تدابير الوقاية والسلامة المهنية (الفقرة الثانية(

الفقرة الأولى: طب الشغل
فالاهتمام بموضوع الصحة داخل المؤسسات والمقاولات ليس أمرا حديثا في تشريعاتنا المغربية بل يعود لزمن طويل ثم جاءت مدونة الشغل فخصصت له حيزا كبيرا ضمن موادها[3].

أولا: المصالح الطبية للشغل

لقد أنشأت المصالح الطبية للشغل بمقتضى ظهير 10 يوليوز 1957 ثم جاء مرسوم 8 فبراير 1958 من أجل تطبيق الظهير الأخير الذي أنشأ بدوره المفتشية الطبية للشغل لتشرف على تسيير ومراقبة المصالح الطبية[4]، أما مدونة الشغل فقد عملت على تنظيم هذه الأخيرة (1) وأسندت لها اختصاصات معينة (2) لتحقيق الأهداف المنوطة بها.

أ. تنظيم المصالح الطبية

نظمت مدونة الشغل المصالح الطبية في الباب الثالث من القسم الرابع ــ حفظ صحة الأجراء وسلامتهم ــ من الكتاب الثاني ــ شروط الشغل وأجر الأجير ــ وذلك في المواد من 304 إلى 331، فأوجبت الفقرة الأولى من المادة 304 إحداث مصالح طبية مستقلة للشغل لدى المقاولات الصناعية والتجارية ومقاولات الصناعة التقليدية والاستغلالات الفلاحية والغابوية وتوابعها، إذا كانت تشغل ما لا يقل عن خمسين أجيرا، وهو أمر لم تستسغه أصحاب المقاولات

كما أخضعت الفقرة الثانية من نفس المادة لذات الالتزام المشغلين وجل تلك المقاولات الذين يباشرون أشغالا تعرض الأجراء لمخاطر الأمراض المهنية، التي حددها التشريع المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، مما يفيد أن المصلحة الطبية في الحالة الأخيرة ضرورية مهما كان عدد الأجراء بالمقاولة أو لدى المشغل.

أما بالنسبة للمقاولات التي تشغل أقل من 50 أجيرا فقد أوجب عليها المشرع إحداث إما مصالح طبية للشغل مستقلة أو مصالح طبية مشتركة، وفق الشروط المحددة من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، وفي الحالتين لابد من موافقة المندوب الإقليمي المكلف بالشغل على الاختصاص الترابي والمهني لهذه المصالح الطبية، وذلك بعد أن يوافق الطبيب المكلف بتفتيش الشغل.

ويمكن الإشارة إلى أن المشرع ألزم المصلحة الطبية المشتركة بين المقاولات، بقبول عضوية كل مقاولة داخلة في نطاق اختصاصها، ما لم ير المندوب الإقليمي المكلف بالشغل خلاف ذلك[5].

هذا وتتولى الوزارة المكلفة بالشغل، تحديد الحد الأدنى من الوقت الذي يجب على طبيب، أو أطباء الشغل، تكريسه للأجراء، ويتعين التمييز هنا ما بين المقاولات التي لا يخشى فيها على صحة الأجراء، وبين تلك التي يجب إخضاعها لرقابة خاصة، مع ضرورة التوفر على طبيب شغل طيلة ساعات الشغل بالنسبة للمقاولات المفروض عليها أن تحدث مصلحة طبية مستقلة[6].

وبالنسبة لإدارة المصلحة الطبية المستقلة أو المشتركة بين المقاولات فإنها من اختصاص رئيسها ويجب عليه أن يوجه سنويا، تقريرا حول تنظيم المصلحة، وسيرها، وتدبيرها المالي عن السنة الفارطة، إلى كل من العون المكلف بتفتيش الشغل، وإلى الطبيب المكلف بتفتيش الشغل، وإلى مندوبي الأجراء والممثلين النقابيين بالمقاولة عند وجودهم، وإلى مناديب السلامة، إذا تعلق الأمر بالمقاولات المنجمية التي يسري عليها النظام المنجمي، ويحدد نموذج هذا التقرير من قبل الوزارة المكلفة بالشغل[7].

وفي ما يخص مصاريف تنظيم المصلحة الطبية ومراقبتها، فتتحملها المقاولة أو المصلحة الطبية المشتركة بين المقاولات، وتتكفل بأداء الأجر المخصص لطبيب الشغل[8].

ب. اختصاصات المصالح الطبية

تتألف المصالح الطبية للشغل من طبيب أو أكثر، يطلق عليهم “أطباء الشغل”. يسهرون على تسييرها ، ويجب عليهم أن يباشروا مهامهم بأنفسهم[9] بكل استقلالية وحرية، سواء تجاه المشغل أو تجاه الأجراء، وألا يرعوا إلا الاعتبارات الخاصة بمهنتهم[10]، كما يجب عليهم أيضا أن يكونوا حاصلين على شهادة تثبت أنهم مختصون في طب الشغل وأن يكونوا كذلك مسجلين في جدول هيئة الأطباء، ومرخصا لهم بمزاولة الطب[11]، مع استعانتهم في جميع أوقات الشغل بمساعدين اجتماعيين أو ممرضين حاصلين على إجازة الدولة ومرخص لهم بممارسة أشغال المساعدة الطبية[12].

وعليه فقد أسند مشرع مدونة الشغل بأطباء الشغل جملة من الاختصاصات تتمثل بالدرجة الأولى في دورهم الوقائي عن طريق مراقبة شروط حفظ الصحة العامة للمؤسسة علاوة على دورهم الاستشاري بل والعلاجي استثنائيا[13].

– 1. الاختصاصات الوقائية:

يعتبر طب الشغل تخصصا طبيا يتسم بخاصية تقنية أصيلة لأنه يتوجه نحو الوقاية ولميدان خاص يتعلق بالأجراء المشتغلين فقط[14]، وهكذا يتولى طبيب الشغل إجراء الفحوص الطبية الواجبة على الأجراء خاصة الفحص الطبي الرامي إلى التأكد من مدى ملاءمة مناصب الشغل للحالة الصحية للأجراء عند بداية استخدامهم، والعمل على تجنيبهم الإضرار بصحتهم بسبب الشغل، ولاسيما بمراقبة شروط النظافة في مكان الشغل، ومخاطر العدوى، والحالة الصحية للأجراء[15]، كما يجوز لطبيب الشغل بصفة استثنائية، تقديم علاجات للأجراء في الأحوال الاستعجالية عند وقوع حوادث أو ظهور أمراض داخل المقاولة، و تقديم الإسعافات لكل أجير تعرض لحادثة شغل، إذا كانت الحادثة لا تؤدي إلى توقف الأجير عن شغله،غير أنه لا يمكن في جميع الأحوال تقييد حرية الأجير في الاستعانة بالطبيب الذي يختاره بنفسه[16].

كما يتمتع طبيب الشغل بصلاحية اقتراح تدابير فردية، كالنقل من شغل إلى آخر، أو تحويل منصب الشغل، إذا كانت تلك التدابير تبررها اعتبارات تتعلق خاصة بسن الأجير، وقدرته البدنية على التحمل، وحالته الصحية، ويتعين على رئيس المقاولة، أخذ تلك المقترحات بعين الاعتبار وألا يرفضها وحتى إذا رفض العمل بها، فعليه بيان الأسباب التي حالت دون الأخذ بها[17].

-2. الاختصاصات الاستشارية:

لا يقف الدور الذي تقوم به المصالح الطبية للشغل عند الدور الوقائي وإنما تتعداه إلى دور ذي طبيعة استشارية خصوصا بالنسبة للإدارة ورؤساء المصالح ورئيس المصلحة الاجتماعية لاسيما فيما يتعلق بالحرص على تطبيق التدابير التالية:

– مراقبة شروط النظافة العامة في المقاولة؛

– وقاية الأجراء من الحوادث، وجميع الأضرار التي تهدد صحتهم؛

– مراقبة مدى ملاءمة منصب الشغل للحالة الصحية للأجير؛

– تحسين ظروف الشغل، وخاصة فيما يتعلق بالبنايات والتجهيزات المستحدثة، وملاءمة تقنيات الشغل للتكوين الجسمي للأجير، واستبعاد المستحضرات الخطيرة، ودراسة وتيرة الشغل[18].

ويجب استشارة طبيب الشغل في ما يلي :

– المسائل المتعلقة بالتنظيم التقني للمصلحة الطبية للشغل؛

– التقنيات الجديدة للإنتاج؛

– المواد والمستحضرات الجديدة[19]

كما يجب على رئيس المقاولة أن يطلع طبيب الشغل على تركيبة المنتجات التي يستعملها في مقاولته، وبالمقابل يلتزم طبيب الشغل بحفظ أسرار المعدات الصناعية والتقنية، وكذا أسرار تركيبة المنتجات المستعملة[20]

وجدير بالإشارة إلى أنه على رئيس المقاولة، أن يقدم لطبيب الشغل، جميع التسهيلات التي تتيح له، من جهة، مراقبة مدى استيفاء المقاولة لشروط الشغل[21].

مقدمــة
المبحث الأول: شروط الشغل وظروفه.
المطلب الأول: شروط أداء الشغل.
الفقرة الأولى: صفات أداء الشغل
الفقرة الثانية: كيفية أداء الشغل
المطلب الثاني: ظروف الشغل
الفقرة الأولى: طب الشغل
الفقرة الأولى: تدابير الوقاية والسلامة
المبحث الثاني: مدة الشغل والراحة والعطل
المطلب الأول: مدة الشغل
الفقرة الأولى: ساعات الشغل العادية
الفقرة الثانية: ساعات الشغل الضائعة والإضافية
المطلب الثاني: فترات الراحة والعطل والتغيبات
الفقرة الأولى: فترات الراحة
الفقرة الثانية: العطلة السنوية والإجازات الخاصة ورخص التغيب
خاتمــة

شروط الشغل : ظروف الشغل ومدته

____________________________

[1] عبد اللطيف خالفي، المرجع السابق، ص 619

[2] محمد يعيد بناني، المرجع السابق، ص 224

[3] عبد اللطيف خالفي، المرجع السابق، ص 620

[4] موسى عبود: دروس في القانون الاجتماعي، الطبعة الثالثة ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،2004 ص 102

[5] المادة 305 من مدونة الشغل

[6] لمادة 306 من مدونة الشغل

[7] المادة 307 من مدونة الشغل

[8] لمادة 308 من مدونة الشغل

[9] المادة 309 من مدونة الشغل

[10] المادة 314 من مدونة الشغل

[11] المادة 310 من مدونة الشغل

[12] المادة 315 من مدونة الشغل

[13] عبد اللطيف خالفي، المرجع السابق، ص 621

[14] محمد سعيد بناني، المرجع السابق، ص 274

[15] المادة 318 من مدونة الشغل

[16] المادة 319 من مدونة الشغل

[17] المادة 320 من مدونة الشغل

[18] المادة 321 من مدونة الشغل

[19] المادة 322 من مدونة الشغل

[20] المادة 323 من مدونة الشغل

[21] المادة 326 من مدونة الشغل

 



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *