الأساس القانوني لقيام المسؤولية الجنائية عن الإعلانات الخادعة

المسؤولية الجنائية عن الإعلانات الخادعة – المبحث الثاني :
المطلب الأول: الأساس القانوني لقيام المسؤولية الجنائية :
قبل الخوض في الحديث عن الأساس القانوني لقيام المسؤولية الجنائية، لا بد من التساؤل أولا عن المسؤول جنائيا عن الإعلان الخادع، وتجنبا لأي تفسير أو اجتهاد فقد اعتبر القانون أن المعلن الذي يباشر الإعلان لحسابه الخاص مسئول بصفة أصلية عن المخالفة، بمعنى أن صاحب البضاعة الذي أنجز الإعلان لحسابه هو المسئول الأصلي عن المخالفة، أما القائمون بالإعلان كانوا شخصا ذاتيا أو شركة يسألون كمساهمين أ و مشاركين بحسب الظروف [1] .

وبالنظر إلى خطورة تلك الإعلانات وما قد تحتويه من خداع قد يؤدي إلى الإضرار بالمستهلك سواء في صحته أو حياته أو ماله فقد كان من اللازم البحث عن الأساس القانوني لقيام المسؤولية الجنائية للخادع حتى تكون المعاملات التجارية و سلامة المستهلك في مأمن.  وفي هذا الصدد يمكن الاستناد إلى إمكانيتين:

أ_ إمكانية الاستناد إلى جريمة النصب :
إن جريمة النصب تقوم على أساس الاستيلاء على أموال المجني عليه (المستهلك في موضوعنا) برضاه وذلك باستعمال الحيلة و الخداع و المكر[2] . كما أكدت ذلك المادة 540 من القانون الجنائي، هذه الجريمة التي تفرض عرض ركنيها المادي و المعنوي.

الركن المادي : و يتمثل في استعمال الاحتيال، و المساس بالمصالح الصحية،
بخصوص استعمال الاحتيال: فانه يتم بتأكيدات خادعة، و إخفاء وقائع صحيحة، أو باستغلال ماكر لخطأ وقع فيه الغير. و تحتوي التأكيدات الخادعة على كل وسائل الكذب المؤيدة بوقائع خارجية من شأنها خداع المستهلك و تضليله في الإعلان المقدم له. أما مجرد الكذب فلا يكفي لوحده لقيام جريمة النصب لان أقصى ما يشكله هو التدليس المدني الذي لا يقع تحت تأثير الحماية الجنائية. وذلك بذكر أمر مخالف للحقيقة سواء كان هذا الأمر مختلفا برمته أو كان محرفا في بعض جوانبه من خلال الوسائل السمعية و البصرية أو ماهو مكتوب فقط فالإعلان عن السلعة في الصحافة إذا كان مضللا نصبا إذا تم تدعيمه بمظاهر خارجية مؤثرة على المستهلك كاستخدام المستخدمين لدى الصحافة.

أما فيما يتعلق باستغلال ماكر لخطأ وقع فيه الغير، فالمقصود به وقوع المستهلك من تلقاء نفسه أو بفعل شخص آخر.أي توهمه للواقع على غير حقيقته و مثاله أن يعتقد المستهلك غلطا أن الفاعل ( القائم بالإعلان ) مازال ممثلا للشركة التي يتعامل معها فيعمد الجاني الذي انتهت مهمته كممثل للشركة المعلنة و التي يشهد لها بالجودة إلى إيهام الضحية و إضلاله، بمنتجات خادعة بغية الاستيلاء على ماله.

وبخصوص المساس بمصالح الضحية: (المستهلك) فإن جريمة النصب تتم بالاستيلاء على ماله بعد تسليمه. لكن هذا لا يؤثر على قيام هذه الجريمة حتى و لو لم يقع الاستيلاء متى أتى الجاني تصرفا يمس بمصالحه أو مصالح غيره نتيجة نشاط المحتال، ومثاله الإعلان الخادع الذي يود المعلن من خلاله أن يوقع المستهلك في شباك النصب و تم اكتشافه. وهذا ما يستفاد من المادة 540 من القانون الجنائي التي تجعل من النصب جريمة شكلية يكتفي فيها بإتيان الفعل.

الركن المعنوي : في جريمة النصب يتطلب لقيامه توفر القصد الجنائي الخاص بحيث أن هذه الجريمة تصنف ضمن الجرائم العمدية أي أن تكون للجاني في إعلانه الخادع النية الإجرامية في الإضرار بمصالح الضحية، عن طريق وسائله الاحتيالية بهدف تحقيق فائدة مالية.  ونص المادة 540 من القانون الجنائي كان واضحا لما استعمل العبارة التالية (بقصد الحصول على منفعة مالية له أو لشخص آخر) أما إذا استعمل الجاني هذه الوسائل الاحتيالية نتيجة غلط أو جهل فان القصد الجنائي ينتفي هنا، وبالتالي لا وجود لجريمة النصب 15. ويرجع الأمر في تقديره للقاضي الذي يقضي من خلال الوقائع المعروضة أمامه مدى توفر هذا القصد من عدمه، و له أن يستعين في ذلك بكل وسائل الإثبات القانونية مع إلزامه بتبيان تلك الوقائع في الحكم لأن ذلك يدخل في التعليل الواجب للأحكام.
إضافة إلى جريمة النصب يمكن الاستناد أيضا إلى جريمة الغش.

ب- مدى إمكانية الاستناد إلى جريمة الغش :
إذا كان الخداع و المغالطة المكون لجريمة النصب المنصوص عليها في المادة 540 من القانون الجنائي يتم بواسطة تأكيدات خادعة أو كتمان وقائع صحيحة، فإن الإعلانات الخادعة المكونة لجريمة الغش يتم بأفعال تقع على البضاعة نفسها ليقع المشتري في الغلط المطلوب و يتوهم بأن بضاعة ما هي من جنس أو طبيعة بضاعة أخرى هي المطلوبة، وبالتالي فالغش بهذا المعنى يؤدي إلى التداخل بين أفعال خداع   المستهلك و بين أفعال غش في البضاعة ذاتها[3].

و بالاستناد إلى ظهير 5 أكتوبر 1984 يتبين أن هذا القانون ينص على مجموعة من الجرائم اعتبرتها جرائم غش غير أنه لاعتبارها كذلك لا بد من التطرق إلى ركنيها المادي و المعنوي أيضا.

بشأن الركن المادي:لجريمة الغش، وبالنظر إلى المادتين الأولى و الثانية من الظهير المذكور يعد مرتكبا الغش عن طريق الخداع أو التزييف كل من غالط المتعاقد بوسيلة ما، وذلك عن طريق إنجاز الفعل الممنوع قانونا بشكل تتحقق معه عناصره سواء بتزييف البضاعة أو عدم وضع ملصقة قانونية، ويتحقق بإضافة مادة غريبة إلى السلعة أو بانتزاع شيء من عناصرها النافعة أو بإخفاء البضاعة تحت مظهر خادع من شأنه غش المشتري أو بالغلط أو بإضافة مادة مغايرة لطبيعة البضاعة و إظهارها في صورة أجود مما هي عليه في الحقيقة [4]. وبالتالي وضعها محل إعلان تجاري معروض للتسويق من طرف المستهلك . على أن يترتب عن الفعل الصادر من الجاني نتيجة إجرامية و هي حسب المادة الثانية من ظهير زجر الغش عن البضائع إما:
1)- إصابة الغير بمرض أو عجز عن العمل تتجاوز مدته 20 يوما .
2)- إصابة الغير بمرض عضال أو بفقدان استعمال عضو ما أو عاهة دائمة.
3)- الموت دون نية القتل.

و إلى جانب ذلك يجب أن تتحقق العلاقة السببية بين الفعل و النتيجة و هي الرابطة التي تسمح بإسناد النتيجة إلى سلوك إجرامي معين فتقوم بذلك المسؤولية الجنائية للجاني ( والتي تخضع للسلطة التقديرية للقاضي الجنائي الذي يبقى ملزما ببيان الوقائع التي اعتمد عليها للقول بوجود تلك العلاقة أو عدم وجودها، وبالتالي تحقق الجريمة[5]).

أما فيما يتعلق بالركن المعنوي لجريمة الغش، فتقوم جرائم الغش على القصد الجنائي أي أنها جرائم عمدية حيث يتوافر القصد الجنائي في جريمة الغش بمجرد علم الجاني بأن الوسيلة التي يتبعها من شأنها أن تؤدي إلى خداع المستهلك، وأنه يريد من ورائها الوصول إلى تلك النتيجة في إحدى صورها الأربعة و التي تكون محل الإعلانات التجارية الخادعة. توافر القصد الجنائي يخضع في تقديره إلى سلطة قاضي الموضوع و الذي يقدم بالإضافة إلى ذلك الدليل عليه. [6]
الحماية الجنائية للمستهلك من الإعلانات الخادعة
___________________________________________
– ذ. جواد الغماري، مرجع سابق ص 237.[2]
-د. محمد العروصي. مرجع سابق .ص 21 و 22.[3]
-ذ. شهيب محمد. شرح القانون الجنائي. القسم الخاص 1997.ص.181.[4]
– ذ. جواد الغماري . مرجع سابق ص 47 [5]
– ذ. محمد العروصي . مرجع سابق ص 22 و 23. [6]
21-  ذ. شهيب محمد . مرجع سابق ص 184.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *