التحكيم في العقود الإدارية : التحكيم في مصر

التطبيقات العملية لنظام التحكيم  – المبحث الثاني:
في هذا المبحث سنحاول تبيان مدى جواز التحكيم في العقود الإدارية والجدل الفقهي والتشريعي والقضائي الذي ثار بشأنها في التجارب المقارنة موضحين كيف تفوقت القوانين المقارنة، وخصوصا في مصر وفرنسا على التشريع المغربي في فهم دور العقود الإدارية في تنمية الاقتصاد، وذلك في مطلب أول، ثم نعرض في مطلب ثان لبعض أهم النماذج العملية لموضوعات التحكيم في تلك العقود.

المطلب الأول: التحكيم في العقود الإدارية
أثار التحكيم في العقود الإدارية جدلا واسعا في الفقه والتشريع والقضاء الوطني والدولي، وتأتي أهمية البحث في مدى جواز الاتفاق على التحكيم في العقود الإدارية، نظرا لما تتمتع به الدولة من سيادة وحصانة، ومركز قانوني متميز باعتبارها أحد أشخاص القانون العام في مواجهة المتعاقدين معها في مجال المعاملات التجارية والاقتصادية. ونظرا لكون  اتفاق التحكيم ينطوي على التقليل من هيبة الدولة وسيادتها فضلا عن تخليها عن أهم مرفق من مرافقها العامة ألا وهو مرفق القضاء فالأصل أن جميع المنازعات الإدارية يختص بالفصل فيها دون غيره القضاء الإداري ومنها المنازعات الناشئة عن تنفيذ العقود الإدارية[1].

أولا: إتفاق التحكيم في العقود الإدارية في التجارب المقارنة
سنحاول في هذه النقطة إبراز مدى جواز التحكيم في العقود الإدارية بـكل من مصر وفرنسا.

أ- التحكيم في مصر:
أثناء مناقشة مشروع قانون التحكيم المصري في بداية مراحله ثار الجدل حول إمكانية تضمين اتفاق التحكيم في العقود الإدارية، نظرا لما تتمتع به العقود الإدارية من أهمية خاصة، فضلا عن كونها من العقود التي دائما ما تكون محل اهتمام المستثمر الأجنبي حينما يقوم بتطوير خدمة مرفق عام داخل جمهورية مصر العربية، أو حين مشاركته في التنمية الاقتصادية للبلاد من خلال إنشاء مشروعات عامة تخدم المواطن المصري وتساعد على تحسن أحواله الاقتصادية.

لقد تضاربت الأحكام القضائية وانقسم جمهور الفقهاء حول هذا الموضوع إلى اتجاهين: اتجاه يتمسك بعدم جواز الاتفاق على التحكيم في العقود الإدارية واتجاه ثان يرى جواز الاتفاق على التحكيم في منازعات العقود الإدارية[2].

الاتجاه الأول: يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى عدم جواز الاتفاق على التحكيم في العقود الإدارية مستندين في حكمهم هذا إلى الأسباب الآتية:

1- أن التحكيم يتعارض مع سيادة الدولة لأنه يعتبر في حقيقته سلبا لاختصاص القضاء الوطني الذي هو مظهر أساسي من مظاهر سيادتها، وإذا كان ذلك مقبولا بالنسبة لمنازعات الأفراد بعضهم البعض، فإن قبولها بالنسبة للدولة يعتبر ماسا بسيادتها، هذا فضلا عن كون التحكيم يستبعد تطبيق القانون الوطني ويؤدي إلى تطبيق القانون الأجنبي.

2- إن الالتجاء إلى التحكيم يتطلب إرادة المشرع وأنه لما كان كل من القانون المدني وقانون المرافعات وقانون مجلس الدولة قد جاءوا خلوا من نص يبيح هذا التحكيم فقد افتقد اتفاق التحكيم لأحد أركانه وهو إقرار المشرع لإرادة الخصوم.

3- أن قواعد الاختصاص القضائي من النظام العام، لا تملك الإدارة مخالفتها وتعديلها بقرارها، لأن ذلك القرار هو تعديل لقواعد الاختصاص الآمرة بأداة لا تساوي الأداة القانونية التي قررت تلك القواعد.

4- اتجاه محكمة القضاء الإداري بعدم جواز التحكيم في منازعات العقود الإدارية في الدعوى رقم 5429 بجلسة 20 يناير 1991 من محكمة القضاء الإداري دائرة العقود الإدارية والتعويضات، والتي تتعلق بالنزاع المعروف بنفق الشهيد أحمد حمدي فنقول المحكمة في حكمها:

إنه بتاريخ 8/10/1975 تم توقيع العقد بين كل من شركة المقاولون العرب “وسير ويليام هالكرو” وشركة “تامر” الأمريكية للقيام بأعمال التصميم والإنشاء للنفق، وبتاريخ 11/3/1976 تم توقيع العقد بين وزارة الإسكان والتعمير بصفتها المالك ورب العمل وبين الاتحاد المكون من كل من شركة المقاولون العرب وشركة تارماك الانجليزية عبر البحار المحدودة وذلك بقصد القيام بعمل محدود وهو إجراء أعمال أبحاث التربة اللازمة والتصميم والتنفيذ والصيانة لنفق الشهيد أحمد حمدي.

ثم بعد ذلك تم التسليم الابتدائي للنفق في 31/3/1982 والنهائي بعد انتهاء فترة الصيانة في 30/6/1983 وتم نقل تبعية النفق بمشمولاته من وزارة التعمير إلى هيأة قناة السويس التي اكتشفت تواجد بعض العيوب في جسم النفق تهدد سلامته وعمره نتيجة تأثير الأملاح المحيطة بالنفق والمتسربة بداخله، وأن مسؤولية ضمان الأعمال تقع على عاتق المدعى عليهم شركة المقاولون العرب وشركة تارماك، وكذا الممثل القانوني للشركات المصممة والمشرفة على التنفيذ باعتبارهم قاموا بأعمال المهندس والمقاول في نفس الوقت فأقامت ضدهم تلك الدعوى.

إلا أن المدعى عليهم دفعوا بعدم قبول الدعوى لوجود الدعوى لوجود شرط تحكيم في المنازعات التي تنشأ عن هذا العقد، كما دفعت شركة تامر  الأمريكية ومكتب المهندسين الاستشاريين العرب بعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظر الدعوى لوجود شرط تحكيم بين طرفي النزاع.

فتصدت المحكمة برفض الدفع بعدم الاختصاص الولائي وبعدم القبول  لوجود شرط التحكيم وذلك بجلسة 20/1/1991 وأكدت بطلان هذا الشرط لعدم جوازه طبقا لنص المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة، ولذلك لا يجوز أن يسلب هذا الاختصاص بموجب نص يتضمنه العقد الإداري الذي تبرمه جهة الإدارة بإسناد هذا الاختصاص إلى هيئة تحكيم …، ومن تم فإن الدفع المبدى في هذا الصدد يكون على غير أساس من القانون جديرا بالرفض.

5- استندوا أيضا إلى اتجاه المحكمة الإدارية العليا بعدم جواز الاتفاق على الحكيم في منازعات العقود الإدارية، وذلك مصداقا للحكم الصادر منها في 20/2/1990، وأيضا الحكم الصادر في الطعنين  رقمي 1970، 1956 لسنة 30 قضائية بجلسة 1990[3].

الاتجاه الثاني: يرى أصحاب هذا الاتجاه بجواز الاتفاق على التحكيم في منازعات العقود الإدارية ووجد تأييدا كبيرا من الفقه والقضاء وذلك في مواجهة المعارضين مستندين في ذلك إلى الأسباب التالية:

1- أن التحكيم جائز وفقا لقانون المرافعات المدنية والتجارية لأنه لم يوجد نص صريح يحظر على الجهات الإدارية الاتفاق على التحكيم، ومن تم لا يجوز افتراض الحظر بغير موجب أو نص قانوني كما أن قانون مجلس الدولة الصادر برقم 47 لسنة 1972 قد أورد بالمادة 58 منه ما يقطع صراحة بجواز إلتجاء الإدارة إلى التحكيم في منازعاتها العقدية مدنية كانت أو إدارية، حيث ألزمت الفقرة الثالثة من هذه المادة الوزارات والهيآت العامة بإبرام أو تقبل أو إجازة أي عقد صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في مادة تقل قيمتها على خمسة آلاف جنيه بغير استفتاء إدارة الفتوى بمجلس الدولة، وهي ما تكشف اتجاه المشرع لإجازة هذا الشرط في العقود الإدارية.

2- إن نص المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة المصري لم تستبعد إمكانية اللجوء إلى التحكيم، إنما كان القصد منها استبعاد اختصاص القضاء العادي لهذه النوعية من المنازعات، لأن التاريخ السابق على صدور مجلس الدولة كان يعطي لمحاكم القضاء العادي في نظر المنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية.

3- إن انضمام مصر للعديد من الاتفاقيات الدولية التي تجيز الاتفاق على التحكيم للدولة وأشخاص القانون  العام، تعد بمثابة الموافقة الكاملة من المشرع عل عدم تقييد أشخاص القانون العام على الاتفاق على التحكيم في العقود الإدارية ، مثال اتفاقية نيويورك بشأن تنفيذ الأحكام الأجنبية، وكذا القانون النموذجي والقواعد الموحدة للأمم المتحدة UNCITRAL بشأن التحكيم، وهو الأمر الذي يؤكد جواز التحكيم في العقود الإدارية سواء على الصعيد الدولي أو المحلي.

4- اتجاه الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بجواز التحكيم في منازعات العقود الإدارية في الفتوى الصادرة منها بجلسة 17/5/1989.

بالإضافة إلى هذا الاتجاه الأخير حاول المشرع أن يدلي بدلوه في الجدل الدائر حول جواز اللجوء إلى التحكيم في منازعات العقود الإدارية، خاصة بعد أن تدخل  بنصوص وذلك بموجب القانون رقم 27 لسنة 1994 بشأن التحكيم في المواد المدنية والتجارية والذي نص في مادته الأولى على أنه تسري أحكام هذا القانون على كل تحكيم بين أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص أيا كانت طبيعة العلاقات القانونية التي يدور حولها النزاع، إذا كان هذا التحكيم يجري في مصر أو كان التحكيم تجاريا دوليا يجري في الخارج أو اتفق الأطراف على إخضاع التحكيم لهذا القانون.

وقد ظن البعض أن هذه المادة قد قفلت الباب أمام الجدل بإباحتها لشرط التحكيم في العقود الإدارية، لكن سرعان ما تجدد الجدل بعد فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة التي رفضت الاعتراف بجواز الاتفاق على التحكيم في العقود الإدارية في الفتوى الصادرة في 22 2/ 1994، مما حدا بالمشرع إلى التصدي مرة أخرى لمسألة التحكيم في العقود الإدارية وأصدر القانون رقم 9 لسنة 1997 بتعديل بعض أحكام قانون التحكيم رقم 27/1994 ، وذلك بإضافة الفقرة الثانية من المادة الأولى، والتي جاء نصها كما يلي:

” بالنسبة إلى منازعات العقود الإدارية يكون الاتفاق على التحكيم بموافقة الوزير المختص أو من يتولى اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية العامة ولا يجوز التفويض في ذلك”.

وبهذا أغلق المشرع المصري الباب أمام أي جدل يتور حول مدى جواز الاتفاق على التحكيم في العقود الإدارية بالنص على جواز ذلك سواء أكان التحكيم داخليا أو خارجيا[4].
المبحث الثاني: التطبيقات العملية لـنظام التحكيم
التحكيم في العقود
___________________________
[1] – د. أحمد محمد عبد البديع شـتــا، مرجع سابق، ص 222.
[2] – – د. أحمد محمد عبد البديع شـتــا، مرجع سابق، ص 222. وما بعدها.
[3] – د أكم الخولي: الاتجاهات العامة في قانون التحكيم الجديد – بحث مقدم إلى مؤتمر التحكيم التجاري الدولي المنعقد بالقاهرة في الفترة من 11-13 سبتمبر 1994، ص 223.
[4] – د. أحمد محمد عبد البديع شـتــا، مرجع سابق، ص229. وما بعدها.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *