ب- التحكيم في فرنسا:
أجمع الفقه والقضاء الفرنسي في بادئ الأمر على عدم جواز الاتفاق على التحكيم بالنسبة لأشخاص القانون العام إلا بنص تشريعي صريح، واستندوا في ذلك إلى نص قانون الإجراءات المدنية الفرنسية في المادة 83 والمادة 1004، واللتان عدلا فيما بعد بالمادة 2060 من القانون المدني الحديث الصادر في 5 يوليوز 1972 على حظر التحكيم في المنازعات التي تتصل بالدولة أو الأشخاص العامة وقد أكد قضاء مجلس الدولة الفرنسي أيضا على حظر الاتفاق على التحكيم في العقود الإدارية وذلك وفقا للأحكام التي صدرت منه نذكر منها قوله:

“إن إدراج شرط التحكيم بالعقود الإدارية يعد باطلا بطلانا مطلقا ويعد هذا البطلان من النظام العام فيجوز لأي من أطراف الدعوى التمسك به في أية حالة تكون عليها الدعوى، كما أن للقاضي أن يحكم به من تلقاء نفسه”[1] كما قرر أيضا “أن البطلان المطلق المقرر عن إدراج شرط التحكيم بالعقود الإدارية لا يقف عند حد بطلان الشرط فحسب، وإنما ينصرف كذلك إلى مشارطة التحكيم ذاتها”[2].

وأمام هذه المواقف المتشددة من الفقه والقضاء الفرنسيين ظهرت عدة تشريعات أجازت استثناء لبعض الجهات الحكومية الفرنسية فض منازعات عقودها الإدارية بطريقة التحكيم نذكر منها:

قانون 17 أبريل لسنة 1906 والذي نص في المادة 69 منه على جواز التحكيم وفقا لأحكام الباب الثالث من قانون الاجراءات المدنية الفرنسية لإنهاء المنازعات المتعلقة بتصفية نفقات عقود الاشتغال العامة والتوريد وحدد هذا القانون نطاق تطبيقه وشروط أعماله.

فقد أجاز هذا القانون للدولة والمديريات والمحليات، إبرام اتفاق التحكيم في عقود الأشغال والتوريدات المتعلقة بتصفية نفقاتها فقط وإشترط أن يتم اللجوء إلى التحكيم من خلال مشارطة التحكيم فقط، أي بعد نشوء النزاع فلا يصح وفقا لهذا القانون إدراج شرط التحكيم في العقد، وإنما يتم ذلك بعد حدوث النزاع وإقرار هذا القانون لمشارطة التحكيم يتفق مع ما ذهب إليه المشرع من تقييد نطاق هذا القانون بنوع معين من النزاعات والتي تتصل بتصفية نفقات الأشغال العامة والتوريدات.

كما أنه يشترط موافقة مجلس الوزراء بمرسوم يوقع عليه وزير المالية والوزير المختص حسب الأحوال، وذلك فيما يتعلق بعقد الأشغال العامة أو التوريد الخاص بالدولة، أما إذا تعلق العقد بالمديريات فيجب أن يناقش مجلس المديرية شرط التحكيم ويوافق عليه أيضا الوزير المختص وإذا تعلق بالبلديات فإنه يجب موافقة المجلس البلدي واعتماد مدير المقاطعة، وكل هذه الشروط تعتبر جوهرية ويجب اتخاذها، وإلا وقع البطلان لمشارطة التحكيم.

وبالرغم من هذا التشدد الثلاثي – التشريع والفقه والقضاء – إلا أن بعض من الأحكام القضائية قد ظهرت منذ عام 1933 وخفقت من هذا القيد بتقريرها أن هذا الحظر بالنسبة لأشخاص القانون العام يسري فقط في المعاملات الداخلية.

أما المعاملات الدولية فلا يسري عليها هذا الحظر، وهو ما أكده صراحة حكم محكمة النقض الفرنسية الصادر بجلسة 14 أبريل 164 والذي قرر “أنه يجوز التحكيم في مجال المعاملات الدولية، ودون الوقوف أمام مسألة الأهلية لإبرام اتفاق التحكيم.

وقد ظلت القواعد العامة في قضاء مجلس الدولة الفرنسي تبني على عدم جواز التحكيم في العقود الإدارية إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك وقد تدخل المشرع الفرنسي لأول مرة في هذا الشأن بمقتضى قانون 19 أغسطس لسنة 1986 والذي أجاز للدولة وللمقاطعات وللمؤسسات العامة أن تقبل شروط التحكيم في عقود الدولة المبرمة مع شركات  أجنبية وذلك استثناء من أحكام المادة 2060 من القانون المدني وبصدور هذا القانون أجاز المشرع الفرنسي تضمين شرط التحكيم في كافة العقود الدولية التي تبرمها الدولة والمقاطعات والمؤسسات العامة بشرطين:

أولهما: أن يكون العقد مبرما مع شركة أجنبية وأن يكون دوليا فلا يجوز هذا الاستثناء مع عقد إداري مبرم مع شركة وطنية.

ثانيهما: أن يكون العقد بخصوص مشروع ذا نفع عام يبرر اللجوء إلى التحكيم وأسوة بما قررته معظم دول العالم بشأن جواز التحكيم في العقود الإدارية نستطيع أن نستخلص من التطور التشريعي للقوانين المتعاقبة في فرنسا بخصوص هذا الموضوع، أن الدولة لم تستطع أن تقاوم حجم المعاملات الدولية التي تقوم بها أشخاص القانون العام والتي تأخذ عادة شكل العقود النموذجية الدولية التي يكون التحكيم فيها شرطا أساسيا، وهاما وبغيره لن يتم الاتفاق على العقد.

ويمكن التأكيد من خلال هذا التطوير التشريعي أن المشرع الفرنسي لن يصمد طويلا أمام هذا الخطر الذي أوجبه على أشخاص القانون العام في العقود الداخلية أسوة بالعقود الدولية، لأن عوامل التنمية في البلاد تلعب دورا أساسيا في تغيير التشريعات الداخلية بما يتلاءم موافقتها وانسجاما مع المتغيرات الدولية وخاصة بعد تطبيق اتفاقية الجات التي جعلت من العالم بأجمعه قرية تجارية صغيرة تتأثر بها كافة الدول مدا وجدبا، بما في ذلك المعاملات الداخلية داخل القطر الواحد [3].
أولا: إتفاق التحكيم في العقود الإدارية في التجارب المقارنة
المطلب الأول: التحكيم في العقود الإدارية
المبحث الثاني: التطبيقات العملية لـنظام التحكيم
التحكيم في العقود
___________________________
[1] – Conseil D’Etat – 8/7/ 1959 – Rec. P 438.
[2] – Conseil D’Etat -31/12/1957– Rec. P 678.
[3] د. أحمد محمد عبد البديع شـتــا، مرجع سابق، ص 238. وما بعدها.