التحكيم في منازعات عقود الطاقة

التحكيم في منازعات عقود الطاقة – ثانيا:
إن أهمية الطاقة بمختلف صورها في عالمنا الحديث تحتل مكانة كبيرة في شتى مجالات الحياة، فهي تعتبر بالنسبة لعدد غير قليل من الدول المصدر الأساسي لدخلها القومي.

وقد ظهرت أهمية الحاجة إلى إدراج شرط التحكيم في عقود الطاقة نظرا لضخامة المصالح العليا المرتبطة بهذه العقود، لذلك فإنه من المستحيل أن تقبل شركات الإنتاج أو التنقيب أن تخضع المنازعات الناشئة عن هذه العقود إلى قضاء الطرف الآخر، وهو الدولة صاحبة الثروة، إذ أن هذا القضاء سوف ينحدر عن جادة الطريق حيث بحثه للنزاع مراعاة منه لدولته ومصالحها القومية، ومن ثم فلن يجد الأطراف إلا طريق التحكيم سبيلا لفض المنازعات التي تنشأ بينهم لذلك كان أمرا مألوفا أن نجد اتفاق التحكيم منصوصا عليه في كافة عقود الطاقة، بل وعادة ما نراه محددا ومفصلا على وجه الدقة لسد كل ثغرة تعرض هذا العقد للخضوع لقضاء الدولة مصدر الثروة.

لذلك كان من المتعين علينا أن نلقي بعض الضوء على عقود الطاقة وطريقة تسوية النزاعات التي تنشأ عن هذه العقود بطريق التحكيم.
من أهم الأمثلة العملية المتعلقة بعقود الطاقة نذكر ما يلي:

أ- قضية و “نـــتــرشال” :
تتلخص وقائع النزاع – التي اشترك الدكتور أكثم الخولي كخبير قانوني فيها- في أن شركة و “نترشال” ومجموعة شركات أخرى معها أبرمت مع الحكومة القطرية عام 1981 عقد تنقيب وإنتاج مشترك EPSA عوضا عن عقد امتياز سابق، وقد نص عقد التنقيب والإنتاج المشترك على منح مجموعة ونترشال حق التنقيب والحفر وإنتاج البترول في منطقة محددة Contract Area، من المياه الاقليمية لمدة ثلاثين عاما على أن تتخلى الشركة عن 50 % من هذه المنطقة ، بعد خمس سنوات وعن 20 %أخرى منها بعد ثماني سنوات، ونص العقد على أنه إذا لم تعثر الشركة في منطقة العقد خلال ثماني سنوات على البترول الخام بكميات تجارية أو على غاز طبيعي غير مصاحب للبترول وقابل للاستغلال على نحو اقتصادي فإنه يجوز للحكومة القطرية الغاء العقد.

أما إذا كان هناك اكتشاف للغاز الطبيعي المصاحب للبترول فإنه يجوز للشركة استغلاله أما وحدها إن شاءت ذلك وإما بالاشتراك مع الحكومة القطرية طبقا لعقد جديد يتفق عليه، ويرجع السبب في هذا الحكم التعاقدي إلى أن استغلال الغاز الطبيعي بتسييله وتصديره يتطلب استثمارات مالية ضخمة لإنشاء مصنع لتسييل الغاز كما يتطلب الإرتباط بعقود تصديرية طويلة الأمد للغاز الطبيعي المسال، وإذا لم تتوفر هذه الاستثمارات وتلك العقود التصديرية فإنه لا يمكن استغلال الغاز غير المصاحب للبترول.

لذلك أعطى العقد للشركة الخيار بين القيام وحدها بتوفير تلك الاستثمارات والعقود التصديرية أو الاشتراك في ذلك مع الحكومة القطرية طبقا لاتفاقيات جديدة يتم التفاوض عليها بين الطرفين.

ولم تعثر مجموعة ونترشال” بمنطقة العقد على بترول خام بكميات تجارية إنما عثرت على غاز طبيعي غير مصاحب للبترول بكميات كبيرة صالحة للاستغلال في جزء من منطقة متنازع عليها بين قطر وبالبحرين، أدعت الشركة إن احتمالات العثور على البترول الخام بها كانت كبيرة.

وبدأت المفاوضات بين الشركة والحكومة لاستغلال هذا الغاز المكتشف في المنطقة المجاورة التي تستغلها الهيئة العامة القطرية للبترول ودار البحث بين الطرفين حول ثلاثة مشاريع مختلفة لاستغلال الغاز لكن المفاوضات لم تنجح.

ومن هذه النقطة لجأت مجموعة و”نترشال” إلى التحكيم – وهو تحكيم حر- مطالبة بتعويض قدره مليون دولار على أساس أن الحكومة هي المسؤولة عن فشل المفاوضات بين الطرفين في استغلال الغاز الطبيعي فضلا عن مسؤوليتها عن منع مجموعة الشركات من التنقيب في منطقة النزاع المجاورة للبحرين رغم ارتفاع احتمالات العثور على البترول بتلك المنطقة، هذا بجانب إثراء الحكومة القطرية بلا سبب نتيجة للمعلومات التقنية التي اكتسبتها من مجموعة الشركات اثناء الحفر الذي يتم الاستفادة منه. وقد رفضت هيئة التحكيم دعوى مجموعة الشركات فيما يخص منعها من التنقيب في منطقة النزاع القريبة من البحرين إذ نص عقد الانتاج المشترك صراحة على حق الحكومة القطرية في منع الحفر والتنقيب في هذه المنطقة تفاديا للنزاع مع البحرين.

كما رفضت دعوى مجموعة الشركات فيما يخص مسؤولية الحكومة في فشل المفاوضات بين الطرفين، لأن الحكومة لم تكن ملتزمة بتوحيد الاستغلال بين منطقة عقد مجموعة الشركات المدعية والمنطقة المجاورة التابعة للمؤسسة القطرية للبترول، كما انه ليس من حق مجموعة “ونترشال” أن تفرض من جانب واحد مثل هذا التوحيد، وكذلك فإن سكوت الحكومة القطرية خلال أربعة سنوات عن الافصاح عن رأيها في قابلية غاز منطقة العقد لاستغلال التجاري لا يمكن أن يعتبر قبولا ضمنيا من الحكومة عن طريق السكوت، لقابلية غاز هذه المنطقة للاستغلال التجاري.

وأخيرا رفضت هيئة التحكيم الادعاء الخاص بالتعويض عن المعلومات الفنية القيمة الناتجة عن قيام مجموعة الشركات بالحفر، لأن هذه المجموعة تلتزم طبقا للعقد بأن تقدم إلى الحكومة المعلومات التي تحصل عليها عن الموارد الطبيعية وبالتالي فإن حصول الحكومة على هذه المعلومات كانت بسبب قانوني ولم تحقق إثراء بلا سبب[1].

ب- قضية شركة « SGRM » الفرنسية :
دارت وقائع تلك القضية بين هيئة التنمية الصناعية لباكستان الشرقية EPIDC وهي شركة مملوكة بالكامل للحكومة الباكستانية وبين الشركة الفرنسية« SGRM » ، وذلك على إثر قيامها بالتعاقد على قيام الشركة الفرنسية بمد خط أنابيب الغاز في باكستان الشرقية (والتي صارت من عام 1981 جمهورية بنغلادش الشعبية) وقد تضمن هذا العقد شرطا تحكيميا لتسوية المنازعات التي تنشأ عنه وفقا لقواعد الغرفة التجارية الدولية بباريس، على أن يدار التحكيم في جينيف بسويسرا.

وعلى إثر منازعة الطرف الباكستاني في مطالبة الشركة الفرنسية له بمبلغ 12 مليون فرنك فرنسي عن الأعمال التي قامت بها لجأ الطرفان لاتخاذ إجراءات التحكيم في 7 ماي 1972 ، غير أن رئيس جمهورية بنغلادش (باكستان الشرقية سابقا) أصدر مرسوما في 9 ماي 1972 يسري بأثر رجعي إلى 26 مارس 1971 يقضي بتأسيس هيئة التنمية البنغالية BIDC لتخلف هيئة التنمية الصناعية الباكستانية EPIDC، بحيث تنتقل للأولى كل الأصول المملوكة للثانية، وكذا جميع ديونها.

كما نص هذا المرسوم على أن كل إجراءات التحكيم التي تكون هيئة التنمية الصناعية نص هذا المرسوم على أن كل إجراءات التحكيم التي تكون هيئة التنمية الصناعية قد ارتبطت بها قبل سريان هذا المرسوم تعد لاغية، ولن يكون لأي حكم تحكيمي تنتهي إليه هذه الإجراءات أي أثر أو إلزام أو نفاذ سواء في مواجهة هيئة التنمية الصناعية الباكستانية أو البنغالية، وإن أي سلطة تمت ممارستها بالنيابة عن الهيئة الباكستانية في إجراءات التحكيم تعد باطلة ولاغية من تاريخ 26 مارس 1971، وإن أي نص في العقد خاص بتسوية المنازعات بطريق التحكيم يعتبر لاغيا.

وبالرغم من ذلك، فقد استمرت هيئة التحكيم في نظر النزاع حتى أصدرت حكمها في 1972 والذي قضى بالمسؤولية المشتركة لحكومة بنغلاديش والهيئة التي تم حلها في مواجهة الشركة الفرنسية – وهو الحكم يتعين تأييده تأسيسا على تطبيق القواعد العامة في انتقال الالتزامات والحقوق للخلف الخاص-.

لكنه وعلى إثر طعن الحكومة البنغالية في حكم التحكيم أمام المحكمة السويسرية الفيدرالية، قضت الأخيرة في 5 ماي 1976 ببطلان حكم التحكيم تأسيسا على أن القانون السويسري لا يتضمن قاعدة قانونية بخضوع الشخص للتحكيم دون إرادته أو رغما عنه، وهو ما يعني استجابة المحكمة السويسرية للتغييرات القانونية التي أحدثتها حكومة بنغلاديش لبطلان اتفاق التحكيم.

خاتمة عامة :
لقد تأكد في السنوات الأخيرة أهمية الدور الذي يؤديه التحكيم باعتباره وسيلة أساسية لحل المنازعات التي تكون الدولة طرفا فيها، فنظرا لزيادة اهتمام الدولة بمجال التنمية الاقتصادية وإبرامها لكثير من العقود مع الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، وما قد ينشأ عن هذه العقود من منازعات، أصبح التحكيم الإداري هو الوسيلة المثلى لدى الشركات الكبرى العالمية للفصل في منازعات العقود التي تكون طرفا فيها.

وإذا كانت القوانين الوطنية وما تبعها من اتفاقيات دولية عملت على تعزيز دور التحكيم من خلال ضبط قواعده وتنظيم إجراءاته بما يؤمن توفير المناخ الملاءم للحريات التعاقدية الكاملة للأشخاص المعنوية، أو الأشخاص الطبيعية سواء كان على المستوى الوطني أو الدولي بغية تشجيع الاستثمار.

والملاحظ أن المشرع المغربي قد تأخر في فهم دور التحكيم في العقود الإدارية ولا سيما الدولية منها في تشجيع الاستثمارات الأجنبية ودورها في تحقيق التنمية.

وإذا كانت عقود الاستثمار المتعارف عليها إقليميا ودوليا تهدف إلى تنفيذ المشاريع الانمائية الخدمية، وكذا تنفيذ مشاريع البنى الأساسية الممولة عن طريق الخواص ونظرا لأهمية العقود ونشأتها في إطار القانون العام ، فإن توفير شروط التبات التشريعي وتوفير شروط تباث العقد فإن اللجوء إلى التحكيم في المنازعات التي قد تنشأ بسبب تنفيذها قد يقلل من تدخل الدولة ويحد من سيادتها ولاسيما دول العالم الثالث التي توجد بين خيارين – أحلاهما مر- بين قبول اللجوء إلى التحكيم لتشجيع الاستثمار وبالتالي تحريك عجلة التنمية وبين الاحتفاظ بمعالم سيادتها وما يترتب عن ذلك من تضييع رؤوس أموال ضخمة من شأنها أن تساهم في تقدمها وازدهارها.
المطلب الثاني: نماذج لتطبيقات التحكيم في العقود الإدارية
المبحث الثاني: التطبيقات العملية لـنظام التحكيم
التحكيم في العقود
___________________________
[1] – د. أحمد محمد عبد البديع شـتــا، مرجع سابق، ص250- وما بعدها..



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *