الخطأ الشخصي للمحافظ العقاري

ثانيا: الخطأ الشخصي للمحافظ
بعدما يتم الحسم في مسألة الاختصاص وتصبح المحكمة المختصة واضعة يدها على القضية بكيفية سليمة تثار مسؤولية المحافظ الشخصية، عند ارتكابه لخطأ تسبب في ضرر للغير، مما يدفعنا للتساؤل عن مفهوم وصور الخطأ التي يمكن للمحافظ أن يرتكبها أثناء قيامه بمهامه؟

1. مفهموم وصور الخطأ الشخصي
وفقا للمبادئ العامة عند ارتكاب المحافظ لخطأ ما يجب البحث أولا فيما إذا كان هدا الخطأ مصلحيا حيث تتحمل الإدارة وحدها المسؤولية طبقا للفصل 79 من ق.ل.ع  وكذلك التعويض عن الضرر أم أن الخطأ شخصيا إذ أن المحافظ يسأل شخصيا عن كل الأضرار التي قد تتسبب فيها أعماله وقراراته للمواطنين الزبناء، هذه القرارات التي قد تنتابها أخطاء واغفالات تلحق مختلف التضمينات والتسجيلات التقييدات والتشطيبات والاغفلات بالسجلات والكنانيش العقارية والشهادات والنسخ، سواء كانت هذه التقييدات نهائية أم احتياطية[1] ولعل في ذلك حماية للمواطنين من جهة والعمل على استقرار المعاملات العقارية وإشاعة الأمن العقاري من جهة ثانية[2]

إضافة إلى أن مسؤولية المحافظ العقاري الشخصية تقوم عند ارتكابه خطأ جسيما وأساس هذه المسؤولية الفصل 80 من ق.ل.ع الذي ينص على أن ” مستخدمو الدولة والبلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم ولا تجوز مطالبة الدولة والبلديات بسبب هذه الأضرار إلا عند إعسار الموظفين المسؤولين عنها.”

إذن فالخطأ الشخصي الذي يرتكبه المحافظ العقاري لا بد أن يكون جسيما وأن يكون سوء النية فيه واضحا وبارزا إضافة إلى عنصر التدليس وهو صعب الإثبات، والحالات العملية للقضاء تؤكد ذلك، ويمكن الإشارة إلى أن هناك اختلاف بين الفقه في ما يتعلق بالتدليس ومدى اعتباره يدخل ضمن مقتضيات الفصل 64 من ظهير 12 غشت 1913 أم فقط الفصل 80[3].

وعليه يمكن القول أن مسؤولية المحافظ الشخصية لا تقوم إلا في ضوء ما جاء به الفصل 97 من ظهير التحفيظ العقاري، ولا تتحقق إلا إذا ارتكزت على العناصر التالية:
– الخطأ الجسيم أو التدليس
-وقوع الضرر
– العلاقة السببية بين الخطأ والضرر[4].

وجدير بالذكر أن رفع الدعوى ضد الدولة لمطالبتها بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن تدليس المحافظ أو خطئه الجسيم تأخذ طابع الدعوى الاحتياطية، بمعنى أن ممارستها لا تكون إلا بعد متابعة المحافظ المسؤول بواسطة دعوى أصلية، ويثبت إعساره[5]

  1. 2. الفرق بين الخطأ الشخصي والخطأ المصلحي

هناك من يعتبر أن الخطأ يكون شخصيا إذا أمكن فصله عن الوظيفة ويكون مصلحيا إذا كان لا يمكن ذلك.
وهناك من يرى أنه يجب النظر إلى نية الموظف فإذا كانت هذه النية ترمي إلى تحقيق أهداف الإدارة يكون الخطأ مصلحيا وإذا كان هذا الموظف يرمي من وراء عمله تحقيق حاجات خاصة فيكون الخطأ شخصيا

وبالتالي فان الأضرار الناتجة عن الخطأ الإداري (المصلحي) تسأل عنها الدولة، أما الأخطاء الشخصية التي يرتكبها الموظف العمومي فيسأل عنها شخصيا[6].

وبناءا عليه فان القضاء العادي هو المختص بالنظر في دعاوى المسؤولية المدنية والجنائية، فيما إذا  كان خطأ المحافظ يشكل جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي أما الأخطاء المصلحية فيختص بها القضاء الإداري لكن المشكل المطروح هنا هو صعوبة تكييف الأخطاء الصادرة عن المحافظ فيما إذا كانت مصلحيه أو شخصية رغم وجود عدة معايير لهذه التفرقة، كما أن الخطأ المصلحي قد يفقد طبيعته ويتحول إلى خطأ شخصي يثير مسؤولية المحافظ خاصة وأن المهام التي يقوم بها متشعبة وكثيرة، وهكذا يبقى القضاء هو المختص الوحيد في تقدير هذه الأخطاء وذلك حسب كل قضية على حدى[7].

إلا أنه يمكن التساؤل عن مدى إمكانية اعتبار امتناع المحافظ عن تنفيذ حكم قضائي صورة من صور ممارسة السلطة المخولة له أم أن الأمر غير ذلك؟

للجواب على هذا السؤال لا بد أولا من معرفة المعنى المقصود بالتنفيذ وإدراك الفرق بينه وبين التقييد ثانيا

فيعرف التنفيذ بأنه إخراج الشيء من مجال الفكر والتصور إلى مجال العمل والتطبيق أي التجسيد الفعلي لمنطوق الأحكام والقرارات ومجمل السندات الحائزة لقـــوة الشـــيء المقضي به.

وفي هذا الإطار يكتفي المحافظ بتطبيق منطوق الحكم القضائي وليس له التدخل في مضمونه عن طريق مناقشته أو التعليل عليه، ثم انه يلتزم بتطبيق الأحكام القضائية كما هي وان اختلفت الأطراف من رفع الدعوى إلى ديباجة الحكم القضائي[8]، وقد جاء في حيثيات قرار لمحكمة الاستئناف بالرباط صادر بتاريخ 09/02/2005، ما يلي: ” حيث من جهة أخرى إذا كان المحافظ هو الذي يقوم بمهمة المنفذ للحكم القاضي بصحة التعرض كليا أو جزئيا، وتحت مسؤوليته طبقا للفصل 37 من ظهير التحفيظ العقاري، فان إثارة الصعوبة في التنفيذ لا يثبت الحق فيها إلا لأطراف الحكم المراد تنفيذه وليس لعون التنفيذ أو للمحافظ الذي يقوم بدور المنفذ، حسبما استقر عليه رأي المجلس الأعلى…

وبناء عليه فما دام أي أحد أطراف الحكم المطلوب تنفيذه لم يثر أي صعوبة في التنفيذ، فانه لا صفة للسيد المحافظ في إثارتها أساسا…”[9]

faute personnelleأما بالنسبة للتقييد، فهو مرحلة التسجيل بالرسوم العقارية، وقد نظمها القانون الأساسي للتحفيظ العقاري في قسمه الثاني الخاص بإشهار الحقوق العينية العقارية المقامة على العقارات المحفظة وفي تسجيلها في السجلات العقارية، بدءا من الفصل 65 وما بعده ويقوم المحافظ العقاري في هذه المرحلة بدور هام وعلى قدر كبير من المسؤولية وبحجم كبير من السلطات والاختصاصات ” فمسؤولية المحافظ ليست هينة إزاء الحقوق التي ينبغي تسجيلها، فهو ليس مجرد عون للتنفيذ يكتفي بتلقي الوثائق والسندات وتسجيلها، بل يجب أن يتحقق من كل عملية على حدة قبل اتخاذ أي قرار بالتسجيل أو عدمه، وليرى هل الحقوق التي يطلب تسجيلها، مستوفية لكل الشروط التي يتطلبها القانون سواء من حيث الشكل أو الجوهر…”

ومن تم يتبين لنا الفرق بين التنفيذ والتقييد، حيث أن الأول يلزم المحافظ بتنفيذ ما قضى به القاضي  دون التحقق من الوثائق والسندات، على عكس الثاني الذي يخول للمحافظ إمكانية ممارسة سلطته حيث لا يتخذ قرار التقييد إلا باستيفاء جل الشروط المتطلبة قانونا.

خاتمة:
تـأسيسا على ما سبق يتبين لنا مدى جسامة وخطورة المسؤولية التي يتحملها المحافظ العقاري، التي تتعدى الصبغة الإدارية والجنائية إلى المالية والشخصية، فهي مسؤولية تبقى سيفا مسلطا على رقبة المحافظ، تخيفه وتقتل فيه روح المبادرة والاجتهاد والإبداع في وقت تطلب فيه بإلحاح هذه الصفات، مما دفع البعض إلى القول بضرورة البحث عن بديل للمسؤولية الشخصية في اتجاه إلغائها أو على الأقل التخفيف منها[10]
المسؤولية المدنية الشخصية للمحافظ العقاري
__________________________________________
الفصل 97 من ظهير التحفيظ العقاري [1]
محمد الحياني: المرجع السابق، ص 96[2]
حفيظة مقساوي:” مسؤولية المحافظ في التشريع المغربي”، مجلة القانون المغربي، العدد 01، مطبعة دار السلام، الرباط، ، 2002 ص 73[3]
محمد الحياني: المرجع السابق، ص 94[4]
محمد خيري: “مسؤولية المحافظين العقاريين وصندوق التأمين وصعوبات تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهتهم”، المرجع السابق، ص 22[5]
المختار عطار: الوجيز في القانون العقاري المغربي والموريتاني، الطبعة الأولى ، مطبعة فضاء الإبداع والطباعة، مراكش1999، ص281[6]
حفيظة مقساوي: المرجع السابق، ص 73 و 74[7]
دورية المحافظ العام تحت عدد 327 بتاريخ 5 يونيو 1996 بشأن تنفيذ الأحكام الصادرة بصحة تعرض على حقوق مشاعة، أشار إليه الدكتور محمد الحياني، المرجع السابق، ص 101 (هامش 63)[8]
قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط، بتاريخ 30 ذي الحجة 1425 ه موافق لـ 09/02/2005، وهي تبث في المادة المدنية، منشور بمجلة [9] محاكمة، العدد 2 مارس- ماي 2007، ص 245-246-247
محمد الحياني: المرجع السابق، ص 96و97[10]



   One Comment


  1. تطبيقات
      25 October, 2011

    دمتم بود
    الف شكر على الطرح القيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *