حقوق السجين في المواثيق والمعاهدات الدولية

2- المواثيق والمعاهدات الدولية :
” الأسرة هي الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع ، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة ” هكذا نصت المادة 23 فقرة (1) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لتؤكد على أهمية وضرورة المحافظة على هذا الكيان والذي يعد النواة الرئيسية للمجتمع ومن ثم الدولة والعمل على إزالة كافة العقبات والمشكلات التي تواجه وتهدد كيان وهيكل هذه النواة .

وقد نصت المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقرة (3) على أن ” الأسرة هي الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع ، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة ” .

كما نصت المادة 10 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقرة (1) على ” وجوب منح الأسرة التي تشكل الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع أكبر قدر ممكن من الحماية والمساعدة ، وخصوصا لتكوين هذه الأسرة وطوال نهوضها بمسئولية تعهد وتربية الأولاد الذين تعيلهم ، ويجب أن ينعقد الزواج برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاء لا إكراه فيه “.

كما نصت المادة رقم 11 من نفس العهد على أن ” تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى ، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية ، وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنقاذ هذا الحق معترفة فى هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم على الارتضاء الحر ” .

هذا وقد تضمنت المادة رقم 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نفس المعنى حيث نصت على أن ” لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفى لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية ، وله الحق فيما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه ”

هذا وقد نصت العديد من المواد الواردة فى المواثيق والمعاهدات الدولية على تساوى جميع المواطنين في الحقوق والواجبات وعدم جواز التمييز فيما بينهم ، فقد نصت المادة رقم 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه ” لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان ، دونما تمييز من أي نوع ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي او الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أى وضع آخر ”

كما نصت المادة رقم 2 فقرة (1) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية فى نص شبيه على أن ” تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أو غير ذلك من الإسبال ”

هذا وقد اهتم المشرع العالمي بهذا الأمر أيضا من خلال ما جاء  بالقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء حيث طالبت – من خلال مواد عديدة تضمنتها هذه القواعد – ألا يكون السجناء والمعتقلون بعيدين بأي شكل من الأشكال عن المجتمع الذي يعيشون فيه بل يبذل المسئولون كافه المحاولات لضمان وتأكيد إحساسهم بأنهم مازالوا جزء – من هذا المجتمع إيمانا منهم بأنهم يستطيعون ان يكونوا عاملا مهما ورئيسيا في بناء المجتمع لذلك نصت القاعدة 61/1 من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء على أنه “يجب ان تؤكد معاملة المسجونين أنهم مازالوا جزءا من المجتمع وليسوا منبوذين منه ولا معزولين عنه ،ولذلك يجب تجنيد هيئات المجتمع ، كلما أمكن ذلك ، لمساعدة موظفي المؤسسة فى مهمة التأهيل الاجتماعي للمسجونين ، وفى كل مؤسسة ، يجب أن يعهد إلى مساعدين اجتماعيين بمهمة المحافظة على كل الصلات المرغوب فى قيامها وتنميتها بين المسجونين وأسرهم وكذا الهيئات الاجتماعية التى يمكنها إفادتهم ، صور سجن Halden Fengselويجب اتخاذ الخطوات لحماية الحقوق المتعلقة بالمصالح المدنية للمسجونين ، وحقوق الضمان الاجتماعي وغيرها من مزايا اجتماعية ، إلى أقصى حد يطابق القانون وتنفيذ العقوبة ” ويفهم أيضا من هذه القاعدة انه لا ينبغي في معاملة السجناء أن يكون التركيز على إقصائهم عن المجتمع بل – على نقيض ذلك – على كونهم يظلون جزء – منه وهذا يعكس مدي المسئولية التي تقع على كل من القائمين على أماكن الاحتجاز والدور الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسات الحكومية والأهلية في الاتصال مع الأسرة والأصدقاء لذلك كانت المسئولية على عاتق القائمين على أماكن الاحتجاز هامة ؛ ومن ثم وجب تدريبهم بكافه الطرق لمحو آثار العقوبة السالبة للحرية وتحجيم آثار ما خلفته تلك السنوات على سلوكهم ، وكذلك وجب على المؤسسات الحكومية والأهلية أن تذلل كافة العقاب أن تنهض بالدور الإيجابي الذي يمكن أن تلعبه بفاعلية مع السجناء وذويهم ، لذلك جاء في القاعدة 37 من القواعد النموذجية ” يسمح للسجين في ظل الرقابة الضرورية بالاتصال بأسرته وبذوي السمعة الحسنة من أصدقائه على فترات منتظمة بالمراسلة وبتلقي الزيارات على السواء ”

لذلك وجه العديد من النقد الي هذه القاعدة في عبارة ” وبذوي السمعة الحسنة ” لأنها عبارة مطاطة بالإمكان أن تفسر حسب أهواء القائمين على أماكن الاحتجاز لان هذه العبارة ليست لها معايير واضحة أو قواعد ثابتة يمكن على أساسها تحديد من ينطبق عليه أنه ذو سمعة حسنة او لا .

ومن ناحية اخرى أكدت هذه القواعد على أهمية المحافظة على الصلات الأسرية بين السجناء وأسرهم فقد نصت القاعدة رقم 79 على أنه “يجب ان يوجه اهتمام خاص نحو المحافظة على صلات المسجونين بأسرهم وفق ما تقتضيه مصلحة الطرفين ” كما نصت القاعدة رقم 80 أيضا على أنه ” يجب ان توجه العناية ابتداء من بدء تنفيذ العقوبة ، إلى مستقبل المسجون عقب الإفراج عنه ، كما يجب أن يشجع ويساعد على المحافظة على صلاته بالأشخاص أو الهيئات الخارجية التي يمكنها إفادة مصالح أسرته وإعادة تأهيله الاجتماعي أو إنشاء صلات ” .

إن عملية الإصلاح والتهذيب والتي هي محور أداء القائمين على السجون لا تبدا فقط داخل السجون وإنما من البداية ، وعندما أقرت القواعد النموذجية ذلك فإنما كانت تهدف إلي كافة التسهيلات لراحه الأسرة والسجين لذلك كانت القاعدة 92 اكثر وضوحا إذ نصت على أنه ” يرخص للمتهم بأن يقوم فورا بإبلاغ أسرته نبأ احتجازه . ويعطي كل التسهيلات المعقولة للاتصال بأسرته وأصدقائه وباستقبالهم ، دون أن يكون ذلك مرهونا الا بالقيود والرقابة الضرورية لصالح إقامة العدل وأمن السجن وانتظام إدارته ” .لذلك يجب أن يبعد بأي شكل من الأشكال أي عوائق للاتصال بين الأسر وذويهم في السجون ولا يحرموا من هذا الحق  .

إن أي إنسان ليس بعيدا عن متناول المسئولية الجنائية لذلك عندما أوجبت القواعد النموذجية ضرورة أن يقوم المقبوض عليه بإبلاغ أسرته بمكانه فورا أو عندما يتم نقله من سجن لآخر وهى بذلك قد أكدت مبدأ هاما في صيانة الحقوق الإنسانية وعدم تحميل الأسرة العبء النفسي الذي يقع عليهم في غياب ذويهم ولتوفير المشقة والعناء اللذين يصيبانهم في حاله نقله دون أن يعلموا بمكانه لذلك أكدت القاعدة 44 على أنه ” لكل سجين حق أعلام اسرته فورا باعتقاله أو بنقله الي سجن آخر ” .

ونظر لأهمية حق الزيارة وما لها من دور رئيسي في تفعيل التواصل بين الأسر وذويهم وما تبثه من حالة الاطمئنان والاهتمام وكم في حاجة ماسة إلي ذلك ، لاسيما في هذه المحنه ، بما يدعم حاله الاستقرار النفسي حتى ولو كانت لبضع دقائق فقد ، وجاء ذلك واضحة الدلالة في مجموعة المبادئ واقر المبدأ 16/1 ” أن لكل محبوس احتياطي او مسجون الحق في أن يبلغ ويقع على السلطة المسئولة تبليغ أعضاء أسرته أو أي أشخاص آخرين من اختياره ، فورا عقب القبض عليه أو حبسه أو سجنه وعند نقله وإبلاغهم عن المكان الذي يحتجز فيه ” .

كانت فكرة التواصل مبدأ مهماً ثابتاً ونظرا لتفعيل هذه الفكرة فلابد وان يكون السجن قريبا من اسرة السجين لإتمام فكرة التواصل بالصورة التي يجب ان تكون عليها .

لذلك جاء في المبدأ (20 ) من مجموعة المبادئ  ” الاحتفاظ بالمتهم المحبوس احتياطيا او السجين ، إذا طلب ، وكلما أمكن في مكان للحبس أو الحبس قريب بصورة معقولة  من محل إقامته المعتاد  ” .

ولما كان التأهيل والإصلاح يأخذان  حيزا كبيرا في فلسفة العقاب نظراً  للدور الذي يمكن ان يلعبه وتأثيرهما الإيجابي ، فمن المقرر والطبيعي أن تحظى هذه الفترة من ” التأهيل والإصلاح باهتمام لا محدود في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ومن ثم وجب أن يراعي نظام السجون معاملة المسجونين معاملة يكون هدفها الأساسي إصلاحهم وتأهيلهم الاجتماعي ؛ وانطلاقا نحو هذا الهدف لابد وأن يفصل الأحداث عن البالغين نظرا لخطورتهم في حالة التجمع معاً لما ينطوي ذلك علي إمكانية نقل خبرة معتادي الإجرام إلى الحدث وتأثر الحدث بذلك ؛ إيمانا بان هذا الفصل هام وضروري فضلا عن معاملتهم معامله تتفق مع سنهم ومركزهم القانوني .

فقد راعي المبدأ  10 / ب ذلك ” يفصل المتهمون الأحداث عن البالغين ويحالون بالسرعة الممكنة إلى القضاء للفصل في قضاياهم ”  .

وقد حمت مجموعة المبادئ مجموعة من القيم الخاصة وامتدت بها خارج السجن وعملت على دعم الخصوصيات التي تمس الإنسان كشئون أسرته أو بيته وسمعته ليس هذا فحسب وإنما أقرت ذلك لما يمثله التدخل السافر في أدق الخصوصيات من انتهاكات لحقوق مصونة يتحتم الحفاظ عليها دون مساس لذلك أكدت المادة 17 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية على أنه :-
1-لا يجوز تعريض أي  شخص على نحو تعسفي أو غير قانوني للتدخل في خصوصياته او شئون أسرته أو  بيته أو مراسلاته ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه او سمعته  .
2-من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس .

ولما كان السجين أو المعتقل جزءاً من نواة هي الاسرة التي هي بدورها جزء ممن مجتمع تؤثر فيه وتتأثر به ؛ ومن ثم فلابد أن تحاط الاسرة بهذه الحماية وجاء اعطاء الاسرة هذه المكانة لما يمكن أن تؤديه في المجتمع . لذلك جاءت المادة 23 بقولها الأسرة هي الوحدة الجماعية الطبيعة والأساسية في المجتمع ولها حق التمتع بحماية المجتمع .

ومن البديهي هي ان يشعر المسلوبة حريتهم بالمهانة أو الخزي نظرا لتواجدهم  بين الجدران ولم يتبق للمحرومين من حريتهم سوي الاحتفاظ بكرامتهم باعتبارها اصيله لذلك أوردت المادة 10من نفس العهد أنه        ( يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية ، تحترم الكرامة الأصيلة في شخص الإنسان ) .

ثانيا : خلفية حول المناخ العام للسجون والسجناء فى ظل قانون الطوارئ ودور الدولة فى رعاية أسر السجناء والمعتقلين .

1- المناخ العام للسجون والسجناء في ظل قانون الطوارئ وقانون تنظيم السجون

أن المبادي القانونية النظرية التي ساقها  كل من المواثيق والمعاهدات الدولية سوء في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أو القواعد النموذجية الدنيا لمعامله السجناء – أو حتى الدستور والقانون واللائحة الخاصة بتنظيم السجون ؛ ما هى إلا جزء نظري حرص كل من المشرعين الدوليين والمحليين الذين رأوا ان تكون هذه النصوص هي المعايير التي  يجب ان يعمل بها  في تلك المؤسسات ، وقد راعوا في ذلك عدة اعتبارات كان أهمها الجانب الإنساني وهو المعيار الرئيسي في المعاملة سواء كان للسجين عامة – سياسياً أو جنائياً – إلي جانب البعد الاجتماعي خارج السجون ليشمل الأسرة الخاصة بالسجين وبالرغم من أنها لم تتطرق الى ذلك بالقدر المطلوب لتشمل البعد الاجتماعي البعيد المكون للأسرة على أنها جزء من كيان المجتمع تؤثر فيه وتتأثر به أيا كان  فهو مجهود شاق أرهق كل من حاول  تفنيد تلك النصوص من القوانين والمعاهدات الدولية أو المحلية سواء كان المشرع او القائمون على إخراج اللائحة الخاصة بتنظيم السجون بالشكل الذي هي عليه الان فهذا هو البعد النظري ولكن الواقع شئ أخر وبتطبيق الجزء النظري على واقع السجون نجد شيئا مختلفا وبتطبيقه على السجناء عامة والمعتقل السياسي خاصة نجد هناك فرقا واضحا حتى نكاد  نجزم بأن هناك خللا فى تطبيق القانون او اللوائح التي تراعي تلك الأبعاد التي حرص المشرعون على إظهارها وتفعيلها داخل إطار السجون وهنا يثور تساؤل لماذا لم يتم تفعيل هذه المعاهدات والمواثيق الدولية والدستور والقانون واللائحة الخاصة بتنظيم السجون بالصورة التي يجب أن تكون عليها .رغم أن الحكومة المصرية صادقت عليها وأصبحت قانونا داخليا وللإجابة عن هذا التساؤل نلقى نظرة سريعة على قانون الطوارئ المطبق فى مصر منذ عدة سنوات لاستبيان أثرة على مدى توافر هذه الحقوق والضمانات .
تأثير الاعتقال أو السجن على اسر السجناء والمعتقلين



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *