تعريف نفقة المتعة

نفقة المتعة وكيفية تقديرها – الفصل الأول:
لقد شغل موضوع نفقة المتعة حيزا كبيرا في قانون الأحوال الشخصية لما لهذا الموضوع من أهمية، حيث تتطلب المحافظة على الحياة الإنسانية، تلبية احتياجاته اليومية، مما يعد من مقومات الحياة الإنسانية، ومنها نفقة المتعة، فبين القانون مستندا إلى الفقه الإسلامي ما يلزم الإنسان من نفقات لغيره، ولعل الناظر إلى مجموع الدعاوى المقامة لدى المحاكم الشرعية يجد أن دعاوى نفقة المتعة شغلت حيزا كبيرا من جملة الدعاوى وكان ذلك نتيجة لابتعاد الناس عن الإسلام وتعاليمه السمحة التي حثت على البر والإحسان، فنجد الزوج رغم يسر حاله لا يقوم بواجباته تجاه زوجته من حيث الإنفاق عليها، مما يضطر صاحب الحق إلى طلب فرض النفقة من القضاء[1].

وحيث أنه قد تراخت المروءة في هذا الزمن وانعدمت، لا سيما بين الأزواج إذا انقطع حبل المودة بينهما، وأصبحت المطلقة في حاجة إلى المعونة أكثر من نفقة العدة، تعينها من الناحية المادية على نتائج الطلاق، وفي المتعة ما يحقق المعونة، وفي الوقت نفسه تمنع الكثيرين من التسرع في الطلاق.
ولما كان الأصل في تشريع المتعة هو جبر المطلقة ومواساتها من المروءة التي تطلبتها الشريعة، وكان من أسس تقديرها قوله تعالى: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره}[2].

وحتى يمكن الإلمام بمختلف عناصر هذا الموضوع سنخصص المبحث الأول لدراسة ماهية نفقة المتعة أما تقدير نفقة المتعة والضمانات الإجرائية في تقديرها ووسائل تنفيذها فسنعرض له ضمن المبحث الثاني.

المبحث الأول: ماهية نفقة المتعة
نصت المادة 18 مكرر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985:
“الزوجة المدخول بها في زواج صحيح إذا طلقها زوجها دون رضاها ولا سبب من قبلها تستحق فوق نفقة عدتها متعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حال المطلق يسرا وعسرا وظروف الطلاق ومدة الزوجية، ويجوز أن يرخص للمطلق في سداد هذه المتعة على أقساط”.

وهكذا سنتناول في هذا المبحث تعريف نفقة المتعة وحكم مشروعيتها (المطلب الأول) كما سنعالج في (المطلب الثاني) شروط استحقاق هذه النفقة وآثارها.

المطلب الأول: تعريف نفقة المتعة وحكم مشروعيتها:
الفقرة الأولى: تعريف نفقة المتعة
المتعة لغة: اسم لما ينتفع به، ومتعة المرأة ما توصلت به بعد الطلاق، واصطلاحا: هي مال يعطيه الزوج لمطلقته زيادة على الصداق لتطيب نفسها وتعويضا لها عن الألم الذي لحقها بسبب الفراق بينهما.
وهذا وقد جاء الفصل 52 مكرر من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ينص على إلزام: “كل مطلق بتمتيع مطلقته إذا كان الطلاق من جانبه بقدر يسره وحالها، إلا التي سمي لها الصداق وطلقت قبل الدخول”.
إذا ثبت للقاضي أن الزوج طلق بدون مبرر مقبول تعين أن يراعي عند تقدير المتعة ما يمكن أن يلحق الزوجة من أضرار”.
وهذا المقتضى لم يكن منصوصا عليه في مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957، بل هو مقتضى جاءت به تعديلات 10 شتنبر 1993.

نفس الأمر يمكن قوله بالنسبة لقانون المسطرة المدنية قبل تعديل سنة 1993 حيث كانت خالية من أي مقتضى بهذا الشأن، غير أنه بمقتضى التعديل السالف الذكر أصبح الفصل 179 من نفس القانون يقضي بما يلي: “يصدر القاضي تلقائيا بعد الخطاب على رسم الطلاق أمرا يحدد فيه… المتعة المراعى في تقديرها ما قد يلحق الزوجة من أضرار بسبب الطلاق غير المبرر”.

فمن خلال قراءة لكل من مقتضيات م ح ش الملغاة و ق م م بشأن المتعة يمكن القول بأنهما يقران أحقية المطلقة في المتعة بكون هذا الطلاق جاء من جانبه وانعدام الدافع للمطلق إلى إيقاعه، أما إذا كان هذا الطلاق من جانب الزوجة أو توفر الدافع إليه لدى المطلق كانت المطلقة محرومة من متعتها، وهو ما يستفاد من مفهوم المخالفة لكل من المادة 52 مكرر، والفصل 179 من ق م م، وهو ما يعتبر مخالفة صريحة للآيات القرآنية التالية: يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا}[3]، وقوله سبحانه وتعالى أيضا: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين}[4].

والتي تجعل الحق في المتعة قائما بمجرد طلاق المرأة بصفة عامة دون تميز بين كون الطلاق من جانبها، أو من جانب الزوج، ووجود الدافع لدى الزوج لذلك من عدمه.

هذا وقد نص الفصل 60 من م ح ش الملغاة على أنه: “يلزم كل مطلق بتمتيع مطلقته.. إلا التي سمي لها الصداق وطلقت قبل الدخول”، وقد جعل الفصل 45 من م ح ش الملغاة مفهوم المطلقة يشمل المرأة التي في نكاح صحيح أو المعتدة من طلاق رجعي، مما يجعل الحق في المتعة قائما لكل مطلقة ما دام الطلاق صادرا عن الزوج دون مبرر لذلك، ما لم تكن مطلقة قبل الدخول وقد سمي لها مهر، وبذلك تتكرر المتعة بتكرر الطلاق، غير أنه أحيانا يحدث أن يرجع الزوج زوجته قبل مخاطبة القاضي على رسم الطلاق[5].

وبمفهوم المخالفة للفصل 60 السالف الذكر تكون الزوجة محرومة من حقها في المتعة في الطلاق الخلعي وحال فسخ زواجها بعد اللعان أو ترد لعيب فيها، كما تحرم أيضا المرأة التي تختار الطلاق في التمليك والتخيير أو في الحالة التي ترفع فيها دعوى التطليق ويتم الحكم وفق طلبها[6].

الطلاق الاتفاقي للمغاربة في المهجرويعد ذلك مخالفا لما هو وارد في المذهب الظاهري الذي يجعل واجب التمتيع ملقى على عاتق الزوج سواء كان مطلقا طلقة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، وقع الدخول أم لم يقع فرض لها صداق أم لم يفرض، ولا متعة لمن انفسخ نكاحه منها دون طلاق[7].

وهو ما أفادته م س التي جعلت المتعة حقا للزوجة المطلقة سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده، من جانب الزوجة أو من جانب الزوج، وسواء كان ذلك بمبرر أو بدونه، ويستثنى من ذلك انحلال الزواج عن طريق الفسخ مادام أن هذا الأخير لا يعد طلاقا[8].

ويذهب الأستاذ الحسين بن دالي إلى أن المشرع المغربي أقر الحق في المتعة للزوجة سواء كان الطلاق مبررا أم غير مبرر، فقط في حالة كون الطلاق غير مبرر فإن ذلك قد يجعل قيمة المتعة مرتفعة بعض الشيء حتى يتم جبر خاطر الزوجة، وفقا لمقتضيات الفصل 179 من ق م م الذي يجعل هذا النوع من الطلاق فعلا ضارا يلحق بالزوجة يستوجب تعويضا عنه”[9]، وهو ما جعل البعض يعتبرها تعويضا عن الضرر المعنوي الذي يلحق الزوجة جراء الفراق[10] مما يتم معه أخذ ذلك بعين الاعتبار فتكون المبالغ المحكوم بها في طلاق يتولى الزوج إيقاعه دون أن يتوفر على المبرر له، أكبر من تلك المحكوم بها في قضية مشابهة لزوج مطلق يتوفر على المبرر لذلك حيث يكون التعويض عن الضرر الناتج عن الطلاق غير المبرر جزءا من المتعة، هذا فيما يخص ماهية المتعة وطبيعتها وواقعها في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، لكن ما هي الحكمة من مشروعية نفقة المتعة؟
نفقة المتعة حسب الحالة الاجتماعية
_______________________
[1] أحمد حلمي مصطفى، المشكلات العملية في النفقة الزوجية ص 187.
[2] سورة البقرة الآية 234.
[3] سورة الأحزاب: الآية 49.
[4] سورة البقرة: الآية 239.
[5] الشمانتي الهواري ع السلام، الحقوق المالية للمرأة المتزوجة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس، الرباط السنة الجامعية 1988-1999 ص 104.
[6] محمد الكشبور شرح مدونة الأسرة، الجزء الثاني، انحلال ميثاق الزوجية، الطبعة الأولى 2006 ص 58.
[7] الإمام ابن حزم، المحلى المجلد السابع الجزء العاشر، دار الآفاق الجديدة بيروت ص 257.
[8] ذ. محمد الكشبور، المرجع السابق ص 59.
[9] ذ. الحسين بن دالي: طبيعة الأمر بتحديد الالتزامات المترتبة على الطلاق وصلاحيات قاضي التوثيق عند إصداره.
[10] ذ. أحمد الخمليشي، التلاقي المتحكم في تطور قانون الأحوال الشخصية مجلة الميادين العدد الثالث عدد خاص، طبعة 1988 ص 283.
ذ. الحسين بلحساني مبدأ التعويض عن الطلاق التعسفي في الفقه الإسلامي ومدونة الأحوال الشخصية مجلة الميادين، العدد الثالث عدد خاص، طبعة 1988 ص 219.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *