أسباب وجوب النفقة : الزوجية, القرابة والإلتزام

أسباب وجوب النفقة وشروط وجوبها – المطلب الثاني:
الفقرة الأولى: أسباب وجوب النفقة:
النفقة من الموضوعات التي ما تزال محل جدل ومناقشة من أكثر من جانب، ولم يتلاءم تنظيمها بعد مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي، فهناك جدال نظري واختلاف بين التشريعات حول دائرة وجوب النفقة بين قصرها على الأسرة النواة أو توسيعها إلى الأسرة الممتدة، وهناك طبيعة النفقة وما تتسم به من إجراءات التقاضي اليوم من بطء وتعقيد، ويتضاعف ذلك مع وجود طرفي الدعوى في إقليمي دولتين نتيجة الزواج المختلط وتزايد الهجرة.
فالمبدأ هو أن كل إنسان تجب نفقته على نفسه ومن ماله، غير أن هناك بعض الاستثناءات التي ألزم فيها القانون بالإنفاق على الغير، وذلك ما نص عليه المشرع المغربي في المادة 187 من مدونة الأسرة، وكذا المشرع الموريتاني.

ويضيف الفقه إلى سببي القرابة والزوجية سببا آخر من أسباب وجوب النفقة على الغير وهو الملكية، حيث تستوجب نفقة العبد على سيده.
وسنتناول في هذا المحور (أولا) سبب الزوجية، وفي (ثانيا) سبب القرابة، على أن نتعرض لسبب الالتزام في (ثالثا).

-أولا: سبب الزوجية:
من أسباب وجوب النفقة على الغير الزوجية، ومعناها أن الزوج يكون وحده ملزما بالإنفاق على زوجته والعكس غير صحيح وغير جائز شرعا وقانونا.
والنفقة لا تجب إلا بعقد الزواج الصحيح شرعا، فإن كان فاسدا فلا نفقة للزوجة لأن الواجب حينئذ الافتراق لا المعاشرة[1].
والنفقة الواجبة للزوجة على زوجها ثابتة بكتاب الله والسنة وإجماع علماء الأمة، ففي الكتاب يقول الله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته}[2] وقوله تعالى كذلك : {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن}[3] وهذه الآيات تحمل طابع الأمر والوجوب.
وفي السنة، ما رواه أبو داود عن معاوية القشيري قال: “أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما تقول في نسائنا؟ قال: أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون” كذلك لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم هندا بأن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها بالمعروف، بدون علم منه، إذ القاعدة أنه لا يجوز أخذ شيء من أموال الناس بدون وجه حق: وإلا كنا أمام سرقة أو غصب.
وبالإضافة إلى ما سبق بيانه، فقد أجمعت الأمة باختلاف مذاهبها وفي كل العصور على وجوب نفقة الزوجة على زوجها.

وتجدر الإشارة إلى أن الزوجية تبقى قائمة حتى أثناء العدة من طلاق رجعي، وبذلك تستوجب أن ينفق الزوج على زوجته المطلقة رجعيا أثناء العدة.

-ثانيا: سبب القرابة:
بخصوص سبب القرابة ، فقد اختلف الفقهاء في حدود القرابة الموجبة للإنفاق، فمالك رضي الله عنه ضيق النفقة الواجبة فجعلها على الأولاد الصلبين والأبوين، دون بقية الأصول والفروع وذلك لقوله تعالى:  {وبالوالدين إحسانا}، وقوله تعالى كذلك: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف}، وقال الشافعي، أن القرابة الموجبة للإنفاق هي قرابة الولادة، أي تجب فقط نفقة الفروع على أصولهم، ونفقة الأصول على فروعهم من غير تقيد بدرجة. أما أبو حنيفة فيرى أن سبب نفقة الأقارب، المقصود به القرابة المحرمة، ولو لم تكن قرابة أولاد، فهي بهذا المعنى تشمل الأصول والفروع والحواشي كالعم والخال وابن الأخ وابن الأخت مثلا.

وقال أحمد أبو حنبل، إن القرابة التي تكون سببا من أسباب الإنفاق هي القرابة التي يكون فيها القريب الموسر وارثا للقريب المحتاج، إن ترك مالا، لقوله تعالى في نفقة الولد: {وعلى الوارث مثل ذلك}، ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي أن يكون الوارث أحق بمال المورث من سائر الناس، فيجب أن يختص لوجوب صلته بالنفقة من دونهم، فإن لم يكن وارثا، لتأخر القرابة الموجبة لذلك، لم تجب عليه النفقة لذلك[4].
ولأن الميراث شرط القرابة الموجبة للنفقة عند أحمد، فيجب اتحاد الدين، حتى في قرابة الولادة، لأنه لا توارث بين المسلم وغير المسلم، فلا بد أن يكون كلاهما مسلما لتجب النفقة.
وبخصوص مدونة الأسرة فقد سارت في هذا الاتجاه على المذهب المالكي.

-ثالثا: سبب الالتزام:
المقصود بسبب الالتزام هو أن يلتزم الشخص عن طواعية بالإنفاق على غيره ممن لا تلزمه نفقته قانونا، وهو ما نصت عليه المادة 205 من مدونة الأسرة كما يلي: “من التزم بنفقة الغير صغيرا كان أم كبيرا لمدة محدودة لزمه ما التزم به وإذا كان لمدة غير محدودة، اعتمدت المحكمة على العرف في تحديدها”.

تعتبر هذه المادة من النصوص الغامضة في صياغتها، فهي من ناحية لم تميز في الالتزام بالنفقة بين أن يكون بعوض أو بدون عوض، ومن ناحية ثانية لم تبين حدود اللزوم الذي قررته فهل يبقى قائما مثلا ولو افتقر الملتزم، أو أفلس أو مات، وما الحكم في حالة ارتباط الالتزام بالنفقة بشروط؟ وهل يحق للملتزم توقيف النفقة بمجرد ما تبين له الإخلال بتلك الشروط؟ أم يتعين عليه الرجوع إلى القضاء وإثبات الإخلال أمامه؟.

موقف الفقه من الالتزام بالنفقة[5]:
أ‌-    الالتزام بالنفقة بعوض وبغير عوض:
أهم الأحكام التي يختلف فيها الإلتزام بعوض والإلتزام بغير عوض كما هو معلوم هي:
أ-1 الأهلية:
أ-2 شرط التسليم، وتنفيذ الالتزام حيث لا يعتبر من شروط صحة العقد في الإلتزامات العوضية كمبدأ عام. في حين يعتبر كذلك إذا كان الالتزام بغير عوض. ومن تم يبطل الالتزام إذا أفلس الملتزم أو مات قبل التسليم. يقول الحطاب: “والمعروف (أي الالتزام التبرعي) على مذهب مالك وجميع أصحابه، لازم لمن أوجبه نفسه، ما لم يمت أو يفلس”.

والنفقة يمتد تنفيذها في الزمن، وكذلك قد يعجز الملتزم أو يفلس أو يفقد الأهلية أو يموت، فيختلف الحكم حيث ينقضي الالتزام بها إذا كانت بدون عوض، بينما إذا كانت بعوض لا يتأثر استمرارها بهذه الأسباب.

والالتزام بالنفقة قد يأتي في عقد عوضي مثل البيع والإجارة وحكمها هنا حكم أي بدل في العقد العوضي، متى تم إبرام العقد صحيحا، تعين على الملتزم بالنفقة تنفيذ التزامه إلا إذا تحققت فيما بعد بسبب من أسباب الفسخ. وإذا تسلم المبيع أو استوفى خدمات الأجير ألزم بأداء النفقة التي التزم بها، وفي كلتا الحالتين لا يسقط التزامه بفقر أو إفلاس، أو فقدان أهلية أو موت.

وقد يأتي الالتزام بالنفقة في صورة التبرع، وهو الذي يعبر عنه الفقه بالالتزام المطلق أي أن الملتزم لم يربطه بشيء من عمل أو واقعة ما، وحكمها في هذه الحالة أنها مثل باقي الالتزامات التبرعية، تسقط بالإفلاس وفقدان الأهلية والوفاة.

ويعتبر الالتزام بالنفقة أو بغيرها بمثابة الالتزام العوضي متى علق على فعل فيه منفية للملتزم، أو للملتزم له، أو للغير فيخضع لأحكام هبة الثواب أو الإجارة أو الجعل حسب الأحوال.

ب‌-الالتزام بالنفقة بين الزوجين:
إذا كان الفقه يقول:” من التزم الإنفاق على شخص مدة معينة أو مدة حياة المنفق أو المنفق عليه، أو حتى يقدم زيد أو إلى أجل مجهول لزمه، ما لم يفلس أو يمت”، فإنه سلك اتجاها آخر عندما يكون الالتزام بالنفقة بين الزوجين.

ب-1 التزام الزوج:
الالتزام في صلب العقد يمكن أن يكون لمدة محددة كسنة أو خمس سنوات مثلا، أو لمدة غير محددة مثل ربطه بمدة العلاقة الزوجية، أو إلى أن يتوفر المنفق عليه على ما ينفق به على نفسه.
أما إذا كان الالتزام بالنفقة تم بعد عقد الزواج، فإنه يكون صحيحا وتجري عليه أحكام الالتزامات التطوعية فتسقط بإفلاس أو وفاة الملتزم.

ب-2 التزام الزوجة:
يعتبر منافيا للعقد وبالتالي باطلا شرط الزوج على الزوجة أن تنفق على نفسها، فالبطلان من باب أولى اشتراطه عليها أن تنفق عليه.
وتعرض الفقه لالتزام الزوجة في عقد الخلع بالإنفاق على أبنائها أو على زوجها المطلق ذاته.

ومدونة الأسرة لم تتعرض للمدة وإنما اشترطت أن تكون مختلعة قادرة على الوفاء بالنفقة التي تحملت بها.
نفقة المتعة حسب الحالة الاجتماعية
_______________________
[1] ذ. محمد الكشبور: شرح مدونة الأسرة، الجزء الأول، طبعة 2006 ص 315.
[2] سورة الطلاق، الآية 7.
[3] سورة الطلاق الاية 6.
[4] ذ. محمد أبو زهرة: الأحوال الشخصية. دار الفكر العربي. مطبعة الحمدني. القاهرة طبعة 1957. ص 413-414.
[5] أحمد الخمليشي: التعليق على قانون الأحوال الشخصية، الجزء الثاني مطبعة المعارف الجديدة, الرباط. الطبعة الأولى ص 277 وما بعدها.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *