القضاء الإجتماعي ومفتشية الشغل: التشارك والتكامل – الصلح

علاقة التشارك والتكامل بين مفتشية الشغل والقضاء الاجتماعي – أولا:
سبقت الإشارة إلى أن علاقة مفتشية الشغل بالقضاء الاجتماعي تظهر أساسا([1])، على مستوى أول، من خلال الصلح الذي يبرم بمحضر مفتش الشغل في إطار نزاعات الشغل، وعلى مستوى ثاني من خلال المحاضر التي ينجزها عون التفتيش بمناسبة قيامه بمهمته الرقابية. لذلك سنتناول علاقة التعاون والتكامل بين الجهازين المذكورين من خلال إبراز مظاهر هذه العلاقة على مستوى عنصرين: الأول منهما مشترك (الصلح) والثاني رابط (المحاضر).

1– التشارك والتكامل على مستوى العنصر المشترك (الصلح).
يتعلق الأمر هنا بالصلح الذي يبرم بمحضر مفتش الشغل بمناسبة نظرة في النزاعات الشغلية التي تعرض عليه (أ) وكذا بمحاولة الصلح التي تجرى أمام القضاء الاجتماعي (ب).

أ- على مستوى الصلح التمهيدي.
يرمي الاختصاص التصالحي لمفتش الشغل إلى فض النزاعات التيس قد تنشأ بين العمال من جهة وأرباب العمل من جهة أخرى، سواء كانت النزاعات المذكورة فردية أو جماعية، وكيفما كان موضوعها. وهو الاختصاص الذي ظل مفتشوا الشغل يمارسونه حتى في ظل الأوضاع السابقة عن مدونة الشغل بالرغم من كونه نابعا فقط من احتكاكهم اليومي بأطراف العلاقة الشغلية([2]).

ولما كان الاختصاص المذكور قد أبان، حتى قبل مدونة الشغل، على قدرة جهاز التفتيش على الفصل الودي وبشكل نهائي في نسبة هامة من النزاعات المتعلقة بالشغل([3])، وصلت% 70 من النزاعات التي قد تدخلت فيها مفتشية الشغل([4]).

ولما كان ما تقدم من شأنه أن يحد من القضايا الممكن عرضها على القضاء ويخفف الضغط على هذا الأخير، خاصة وأن المسطرة أمام مفتشية الشغل بسيطة وسريعة ومجانية([5]).

فإن هذا وذاك قد شجعا على تكريس هذا الاختصاص الواقعي سمقتضى نصوص قانونية تضمنتها مدونة الشغل([6])، وذلك بالرغم من انتقادات بعض الفقه المغربي([7]).

وهكذا فإن تعاون جهاز التفتيش مع القضاء على مستوى الصلح يعود إلى فترة ما قبل دخول مدونة الشغل حيز النفاذ، وهي الفترة التي كان فيها الجهاز القائم على تفتيش الشغل يشرف على الصلح في مجال نزاعات الشغل دون أن يستند في ذلك إلى نص قانوني، حيث أخد بعض القضاء المغربي بهذا الصلح واعتبره صحيحا، سواء على مستوى قضاء الموضوع([8]) أو على مستوى قضاء القانون([9]).

أما بعد صدور مدونة الشغل ودخولها حيز النفاذ، فقد أصبح الصلح التمهيدي من بين الاختصاصات القانونية التي يقوم بها مفتش الشغل([10])، وبذلك لم يعد أمام القضاء إلا احترام إرادة المشرع الذي اعتبر الصلح المتوصل إليه بمحضر مفتش الشغل نهائيا وغير قابل لأي طعن([11])، وذلك طبعا متى توافرت شروط هذا الصلح.

ب- على مستوى الصلح الذي يجريه القضاء.
تقضي المادة 277 من ق.م.م بأن إجراء محاولة الصلح بين أطراف النزاع الاجتماعي تعتبر إجبارية، ويترتب على عدم مراعاة هذا الإجراء بطلان الحكم([12])، وإن كانت الإجبارية مقتصرة فقط على المرحلة الابتدائية([13]).

وهكذا، فإن المحكمة إما أن تتوفق في إجراء الصلح فتقوم بإثبات شروطه بمقتضى أمرا ومحضر يضع حدا للنزاع وينفذ بقوة القانون ولا يقبل أي طعن([14])، وإما أن يتعذر عليها تحقيق الصلح المذكور فيتعين عليها أن تبت في النزاع في الحال([15]) مكرر.

هذا وإن التكامل بين مفتشية الشغل والقضاء الاجتماعي، يظهر على هذا المستوى في تلك الخدمة التي يمكن أن يسديها محضر عدم الصلح الذي يحرره مفتش الشغل، في حالة عدم توفقه في إبرام الصلح، للمحكمة المعروض عليها النزاع؛ إذ يغدو محضر عدم الصلح بمثابة وسيلة تطلع المحكمة على فحوى النزاع وعناصره ومواقف أطرافه مما يمكن من إبراز حسن أو سوء نية هذا الطرف أو ذاك([16]).

هذا عن علاقة التعاون والتشارك بين جهاز تفتيش الشغل على مستوى العنصر المشترك بينهما، فماذا عن نفس العلاقة في إطار العنصر الرابط بين الجهازين المذكورين؟
مفتشية الشغل
_______________________________
[1] للإشارة فإن المشرع المغربي لم يتناول علاقة جهاز التفتيش بالقضاء، وحتى مشروع مدونة الشغل لسنة 1994، الذي اعتبر آنذاك بأنه حقق تطابقا كبيرا مع مقتضيات اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 81 و 129، لم يوضح هذه العلاقة.
– عبد العزيز العتيقي- قانون الشغل المغربي –م.س – ص 180.
[2] محمد الكشبور – نظام تفتيش الشغل –م.س – ص65.
[3] محمد الدكي- تأملات في نظام تفتيش الشغل- م.س – ص 112.
[4] Mohamed Tadli – la reforme de la ligeslation sociale au Maroc – Imprimerie elmaarif eljadida – Rabat 2004- p 418.
[5] بلقاسم بنبراهيم – تأملات تحول دور مفتش الشغل بالمغرب في ظل القانون 99-65 بمثابة مدونة الشغل – المجلة المغربية بقانون الأعمال والمقاولات – العدد 8 – السنة2005- ص 73.
[6] يتعلق الأمر بقانون 99-65 بمثابة مدونة الشغل، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 194. 1.03 المؤرخ في 14 رجب 1424 (11 سبتمبر 2003) الجريدة الرسمية عدد 5167/ المؤرخة في 8/12/2003- صفحة 3969.
[7] فقد انتقد بعض الفقه المغربي منح مفتش الشغل الاختصاص التصالحي على اعتبار أن هذا الأخير يتعارض أو على الأقل لا يتلاءم مع الاختصاص الرقابي، وذلك مهما توفرت لمفتش الشغل المؤهلات التي تمكنه من إجراء الصلح المذكور. وهو نفس التوجه الذي تبنته منظمة العمل الدولية في الاتفاقيتين رقم 81 و 129 والتوصية رقم 133، وأخذت به بعض الدول كاليابان التي منعت مفتش الشغل من التدخل في نزاعات الشغل.
– الحاج الكوري – القانون الاجتماعي المغربي م.س – ص 95.
– عبد اللطيف خالفي – الوسيط في مدونة الشغل – م.س –ص 158 وما بعدها.
– عبد العزيز العتيقي مفتشية الشغل ودورها في علاقات الشغل – مجلة الإشعاع – العدد -4- السنة 1990- ص 57.
مع الإشارة إلى أن مفتشي الشغل يؤكدون أن التعارض بين الاختصاص التصالحي والرقابي يبدو فقط من الناحية النظرية، أما الواقع العملي فإنه يظهر قدرة مفتش الشغل على القيام بكلا الاختصاصيين دون أن يؤثر أخدهما على الآخر.
– يونس التباري – مفتش شغل سابق وموظف حاليا بمديرية وزارة التشغيل – أدلى لنا بالرأي السالف الذكر خلال مقابلة أجريناها معه بتاريخ 12 أبريل 2007.
[8] قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء الصادر بتاريخ 18 يناير 1989 – أورده الأستاذ محمد الكشبور في مرجعه السابق – هامش الصفحة 70.
[9] جاء في أحد قرارات المجلس الأعلى ما يلي: ” حيث إنه بمقتضي الفصل 1098 من ق.ل.ع فإن الصلح عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه وكل ما أدلت به الطاعنة عبارة عن رسائل من عامل الدار البيضاء والسيد وزير التشغيل وهي وإن كانت تشير إلى الصلح فإن الطاعنة لم تدلي بأي محضر أو عقد مفضى من طرف المطلوب في النقض أو من يمثله بصفة قانونية ومادام المطلوب في النقض لا يعترف بالاتفاق والصلح المشار إليها في الرسائل المدلى بها فإنه غير ملزم له….”
– قرار صادر بتاريخ 9 مارس 1987، أورده الأستاذ محمد الكشبور في مرجعه السابق – هامش الصفحة 70.
[10] وفي ذلك تنص المادة 532 من مدونة الشغل على ما يلي: ” تناط بالأعوان المكلفين بتفتيش الشغل المهام التالية: ….4- إجراء محاولات التصالح في مجال نزاعات الشغل الفردية……”.
[11] فقد جاء في المادة41 من مدونة الشغل ما يلي: “….يعتبر الاتفاق الذي تم التوصل إليه في إطار الصلح التمهيدي نهائيا وغير قابل للطعن أما المحاكم…”
[12] جاء في قرار المجلس الأعلى : “…..وحيث إنه لا يوجد في الحكم المطعون فيه، ولا من بين وثائق الملف ما يفيد أن القاضي قام بالإجراء المذكور، الشيء الذي يتعرض معه الحكم المذكور إلى البطلان”.
– قرار المجلس الأعلى رقم 28 مارس 1988 – منشور بالمجلة المغربية للقانون – العدد 19 – السنة 1988 – ص 247.
[13] وفي ذلك قرر المجلس الأعلى ما يلي: ” حيث يعيب الطاعن على القرار خرق الفصل 277 من ق.م.م لعدم قيام المحكمة بإجراء محاولة التصالح بين طرفي النزاع.
لكن حيث إن إجراء محاولة التصالح تتم أما القاضي الابتدائي لا أمام محكمة الاستئناف، وفيما يخص الحكم الابتدائي، فإنه نص على تعذر تحقيق التصالح بين الطرفين، مما يؤكد أن محاولة التصالح قد تمت ابتدائيا ولم تأت بنتيجة، وبذلك فالوسيلة لا أساس لها.
– قرار صادر عن الغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى تحت رقم 720 بتاريخ 24 أبريل 1989 ملف اجتماعي عدد 8658/87 – منشور بمجلة الإشعاع – العدد 2 – السنة 1989 – ص 98.
[14] وجاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 278 من قانون المسطرة المدنية ما يلي: ” إن إثبات الاتفاق بمحضر أو أمر يضع حدا للنزاعات وينفذ بقوة القانون ولا يقبل أي طعن”.
[15] تنص الفقرة الأولى من الفصل 279 من قانون المسطرة المدنية على ما يلي: ” إذا تعذر تحقيق التصالح لاختلاف الإطراف أو لعدم لحضور أحدهم أو ممثل عنه في قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، فإن القاضي المكلف يحرر محضرا بعدم المصالحة ويبث في القضية حالا، أو يؤخرها الجلسة أخرى عند الاقتضاء” .
[16] محمد الكشبور-  نظام تفتيش الشغل – م.س – ص 68.
للتوسع أكثر بخصوص المسطرة المنبعة أمام القضاء الاجتماعي راجع:
Abdellah BouDAHRAIN- Droit du travail – soch press-Unioocsité – p 95 et suivantes.



   One Comment


  1. jalil
      7 September, 2011

    merci pour vos efforts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *