طبيعة إلتزام الطبيب: الإلتزام العام والخاص

طبيعة إلتزام الطبيب – المطلب الثاني:
يعد العقد الطبي من العقود التبادلية، ينشئ التزامات متقابلة في ذمة طرفيه، فالطبيب مدين بأداء العمل الطبي المتفق عليه والزبون ملزم بأداء الأجر أو الأتعاب، ولا يثير تحديد مضمون التزام هذا الأخير أي إشكال عكس مضمون التزام الطبيب الذي يثير عدة مشاكل قانونية وعملية

فالطبيب يتعهد بتسخير جميع الوسائل الممكنة من أجل تحقيق نتيجة معينة، دون ضمان النتيجة التي هي الشفاء وهذا ما يطلق عليه الالتزام العام (الفقرة الأولى)، كما يلتزم الطبيب بتقديم علاجات وفق شروط معينة وهذا ما يسمى بالالتزام الخاص (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الالتزام العام
يتمثل الالتزام العام للطبيب في التزامه ببذل عناية وليس التزاما بتحقيق نتيجة (أو غاية) وهذا ما تقضي به قواعد المهنة وقوانينها، وعليه فمتى بذل الطبيب القدر من العناية المطلوب منه برئت ذمته ولو لم يشفى المريض، وتحدد درجة العناية الواجبة فيما يتعلق بالأطباء غير الأخصائيين بمعيار الطبيب المتوسط إذا وجد في مثل ظروف الطبيب المدعى عليه[1]، وهذا ما أكد عليه القرار موضوع التعليق حيث جاء في صدره “… وينشئ هذا العقد على عاتق الطبيب، ما لم يكن هناك اتفاق مخالف، التزاما يقضي فقط بالتعهد باستخدام الوسائل الملائمة لتحقيق نتيحه معينة دون ضمان الشفاء…”.

وبالتالي فالطبيب لا يلتزم بشفاء المريض، لأنه لا يعقل منطقا وقانونا أن يكون محل الالتزام حياة الإنسان، وإنما يبذل كل ما في وسعه مسخرا كل الوسائل المتاحة لعلاج المريض وشفائه، وهذا ما أكد عليه القضاء الفرنسي بتاريخ 20 ماي 1936 حيث أصدرت محكمة النقض الفرنسية قرارا يعد نقطة تحول في ميدان المسؤولية الطبية، اعتبرت فيه الطبيب مرتبطا بعقد مع مريضه يلتزم بمقتضاه ليس بشفائه ولكن أن يقدم له عناية يقضة تقضيها ظروفه الصحية وتكون متطابقة مع الأصول الثابتة لمهنة الطب وما وصل إليه العلم من تقدم.

ولم يحسم هذا القرار في طبيعة مسؤولية الطبيب باعتبارها تعاقدية فحسب وإنما قرر في نوعية التزامه كذلك باعتباره التزاما ببذل عناية،  فالقرار أكد أن العقد الطبي لا ينشئ التزاما بشفاء المريض، وإنما يوجب معالجته بانتباه ويقظة وصدق وضمير وفقا للمكتسبات العلمية المستقرة[2]

وهذا ما أخد به القضاء المغربي حيث جاء في قرار صادر عن الغرفة المدنية بالمجلس الأعلى عدد 2149 بتاريخ 31/5/2001 – ملف مدني عدد 1081/1/5/2000 حيث جاء في إحدى حيثياته “… وان المسؤولية التعاقدية تلزم الطبيب ببدل عناية لا بتحقيق غاية وانه إلى جانب الخبرة هناك الملف الطبي الذي يجب أن يكون ممسوكا بانتظام لتتبع حالة المريض والوقوف على المرحلة التي تثبت خطأ الطبيب في العلاج ولا يمكنه الاعتراض بدعوى الالتزام بالسر المهني وان عدم مراعاة الملف الطبي للأمر يكون في نطاق الخطأ الشخصي المرتكب عن بينة واختيار وانه بذلك يكون مسؤولا وان الطبيب يلتزم عند إثبات وجود عقد العلاج بتبصير وإخطار المريض بحالته الصحية … [3]

الفقرة الثانية: الالتزام الخاص
وهو الالتزام الرئيسي في العقد الطبي أو ما يسمى بالأداء المتميز في العقد والمتمثل في تقديم العلاجات، وليس أي علاجات بل لابد أن تكون علاجات صادقة، يقضة، متفقة مع الضوابط العلمية وأصول المهنة وهذا ما أكد عليه القرار موضوع التعليق.

إلا أن التزام الطبيب ببذل عناية صادقة بانتباه تام ويقظة ضمير تتفق مع الظروف القائمة والأصول العلمية تتحكم فيه عدة عوامل:

أولا: القواعد التي تفرضها مهنة الطب ودرجة تقدم العلوم الطبية، فشفاء المريض رهين باعتبارات خارجة عن إرادة الطبيب كحالة المريض ودرجة مناعة جسمه ومدى تفاعله مع العلاج المقدم له، واستحضار المستوى الذي وصل إليه علم الطب في علاج المرض المصاب به.

ثانيا: المستوى المهني للطبيب، فالالتزامات التي يتحملها الطبيب العام ليست هي نفسها التي يتحملها الطبيب الاختصاصي فهذا الأخير يفترض فيه بدل جهد كبير من العناية، ولذلك فالقضاء عادة ما يتشدد بصرامة في تقدير الخطأ المنسوب إليه.

ثالثا: الظروف الخارجية والداخلية التي يمارس فيها الطبيب عمله، ذلك أن تقدير مدى العناية المبذولة من جانب الطبيب متوقفة على حجم الإمكانات المتاحة له والأدوات والأجهزة المتوفرة لديه.

رابعا: أن تكون الجهود التي يبذله الطبيب متفقة مع الأصول العلمية الطبية الثابتة، فإذا كان الطبيب حر في اختيار طريقة العلاج، إلا أنه لا يعقل أن يستعمل وسائل أو أساليب بدائية نبذها العلم وهجرها الطب
المسؤولية الطبية
_____________________
صبري محمود الراعي ورضا السيد عبد العاطي: الموسوعة النموذجية في شرح قضايا التعويضات والمسؤولية المدنية، المجلد الثالث، دار المصطفى [1] للإصدارات القانونية، القاهرة، سنة النشر غير مذكورة، ص 230 و 229
محمد عبد النباوي: المسؤولية المدنية لأطباء القطاع الخاص، الطبعة الثالثة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، يناير 2000 ، ص143[2]
قرار صادر عن الغرفة المدنية بالمجلس الأعلى عدد 2149 –  بتاريخ 31/5/2001 – ملف مدني عدد 1081/1/5/2000 ، منشور بمجلة[3]
الإشعاع، العدد الخامس والعشرون، يونيو2000، ص 171. إلى 176



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *