بحث عن الخبرة الطبية واللعان في نفي وإثبات النسب

إثبات النسب بين اللعان والأدوات الطبية العلمية – خاتمة:
تأسيسا على ما سبق يتبين أن اللعان قد فـقـد فعلا قيمته ــ خاصة في وقتنا ــ الحالي ما دام يقوم على الشك لا اليقين ــ كما قال بذلك بعض الفقه كما سبق وأن وضحنا ــ، وأحيانا يعـد انتقـاميا كيديا ليس إلا، فالشك يظهـر لنا من خلال أن الزوج إذا كان في استطاعته أن يشهد على سبيل القطع أن زوجته قد ارتكبت الزنا فإن الأمر على خلاف ذلك بالنسبة لواقعة نفي الولد، لأن الزوج لا يستطيع أن يؤكد على سبيل القطع أن الولد ليس منه حتى ولو كان صادقا في اتهامه لزوجته بواقعة الزنا، إذ قد تكون الزوجة مرتكبة للزنا فعلا إلا أن الولد قد يكون ابنه بأن يكون الحمل قد حدث منه، وهذا ما جعل الفقه والقضاء كما رأينا أنهما يخضعان في هذه المسطرة لعدد من القيود والشروط للحد من الشك، ويمنع الزوج من اللعان، إذا وجدت قرائن بسيطة تدل على عدم الجدية في إنكاره، كعدم استبراء المرأة قبل ظهور الحمل والسكوت بعد العلم بالحمل ولو يوما أو يومين، والاستنتاج البديهي من هذا الاجتهاد الذي طبق به الفقه آية اللعان هو أنه متى توفرت وسيلة قادرة على كشف الحقيقة يكون لكل من الزوجين الحق في المطالبة بها لتبرئه ساحته من تهمة الكذب التي لا يبعدها عنه أداء أيمان اللعان[1].

وإذا كانت البصمة الوراثية قد  جاءت بالمشاهدة الحقيقية للصفات الوراثية القطعية، دونما كشف للعورة، أو مشاهدة لعملية الجماع بين الزوجين، ودونما تشكك في ذمم الشهود أو المقرين أو القافة ( الأطباء)، لأن الأمر يرجع إلى كشف آلي مطبوع مسجل عليه صورة واقعية حقيقية للصفات الوراثية للإنسان، والتي يتطابق نصفها مع الأم الحقيقية ونصفها الآخر مع الأب الطبيعي، فهل بعد ذلك يجوز أن نلتجئ لأدلة الظن ونترك دليل يكاد يكون قطعيا؟[2]

وبما أن نظام اللعان هو نظام يفرض وجوده من حيث القانون ويغيب على مستوى التطبيق العملي للقضاء، فإننا نعود لما قلناه بضرورة تغيير مسطرة اللعان وتدعيمها بالخبرة الطبية، حماية لنسب الطفل من الإنكار الكاذب وأيضا حتى لا يلحق نسب الأب بغير ابنه.

ومن تم يجب الاستعانة اليوم بالتقنيات الطبية الحديثة مع الإبقاء على اللعان للوصول لنتائج يقـينية تبـدد الشك، فالمفروض أن تطبق هـنا قاعـدة ( الشك يزول باليقـين)

فإذا علم بناء على تلك النتائج أن الولد ليس منه يمكن من إجراء اللعان لنفي الولد لأنه ثبت يقينا أن الولد ليس منه، أما إذا علم من تلك النتائج أن الولد منه، فلا يمكن من إجراء اللعان لأجل نفي الولد، وإنما يمكن من اللعان كإجراء شرعي لدرء الحد عن الزوجين، وللتفريق بينهما، لأن الزوج لربما يكون متأكدا من صلة زوجته غير المشروعة بغـيره، وهنا يكون من حقه إجراء اللعان دون نفي الولد، ومن تم فإن الركون للنتـائـج الطبية قد يحـقـق غايتين إحداهما: إمكانية تراجع الملاعن قبل الـفحـص، وثانيهما: إمكانية إثبات الفحص عكس مزاعـم الملاعـن، وبذلك تتحـقـق الغاية من مقاصد الشريعة الإسلامية التي تتشوف للحـوق النسب، وبهـذا نكون قـد فهـمنـا النـص على أساس ضرورات التـطـور الاجتماعي والعلمي دون أن يعني ذلك إهماله أو تجاوزه وإنما هو النفاذ إلى جوهره وما وراءه[3].

وختاما تجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من كون موقف المشرع المغربي يعتبر مهما ومتقدما بنصه على الخبرة الطبية صراحة في عدة مواد من مدونة الأسرة مقارنة بباقي التشريعات العربية المتعلقة بالأحوال الشخصية فانه مع ذلك يعتبر منتقدا على أكثر من صعيد لأن المشرع المغربي لم يفصل أحكام وشروط وضوابط العمل بالبصمة الوراثية في مجال إثباث ونفي النسب كما أنه لم يبين مكانة البصمة الوراثية  وحجيتها خاصة عند تعارضها مع وسائل الإثبات أو النفي المقررة شرعا.

المراجع

الكتب:

  • القرآن الكريم
  • محمد الكشبور: “البنوة والنسب في مدونة الأسرة- قراءة في المستجدات البيولوجية،دراسة قانونية وشرعية مقارنة-” طبعة 2007
  • محمد محمد أبو زيد، تحديث قانون الإثبات، دور التقدم البيولوجي في إثبات النسب، القاهرة، 2004 ص
  • محمد الأزهـر، شرح مدونة الأسرة، ( الزواج ـ انحلال ميثاق الزوجية وآثاره ـ الولادة ونتائجها)، مطبعة دار النشر المغربية عين السبع الدار البيضاء، 2008
  • إدريس الفاخوري، ندوة: مدونة الأسرة بعد ثلاث سنوات من التطبيق الحصيلة والمعوقات، أشغال الندوة الدولية المنظمة من طرف مجموعة البحث في القانون والأسرة، يومي 15 / 16 مارس 2007 بكلية الحقوق وجدة ، طبعة 2008
  • جميلة أوحيدة: آثار الولادة والأهلية والنيابة القانونية، الطبعة ودار النشر، ومكان النشر غير مذكورين، 2009
  • خليفة علي الكعبي: “البصمة الوراثية و أثرها في الأحكام الفقهية: دراسة فقهية مقارنة” دار الجامعة الجديدة للنشر الإسكندرية 2004
  • خالد منتصر، وهم الإعجاز العلمي، الطبعة الأولى 2005 دار العين للنشر،
  • شرح الزرقاني: على مختصر سيدي خليل عبد الباقي الزرقاني، الجزء 4. الطبعة الأولى، سنة 1984.
  • أحمد الخمليشي، التعليق على قانون الأحوال الشخصية، الجزء الثاني، آثار الولادة والأهلية والنيابة القانونية، الطبعة الأولى  سنة 1996.
  • المنتقى من عمل القضاء، من تأليف وزارة العدل، الجزء الأول،  منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، العدد 10، فبراير 2009
  • ادريس الفاخوري: “العمل القضائي الأسري ـ الجزء الأول ـ الزواج ـ انحلال ميثاق الزوجية.” الطبعة الأولى 2009
  • مدونة الأحوال الشخصية
  • مدونة الأسرة
  • Amira HORCHANI : APPLICATION DES EMPREINTES GENETIQUES DANS L’ETABLISSEMENT DE LA FILIATION PARENTALE : A PROPOSE DE 16 DOSSIERS ANALYSES A L ‘INH DE RABAT (thèse pour l’obtention du doctorat en pharmacie) ; UNIVERSITE MOHAMED V FACULTE DE MEDECINE ET DE PHARMACIE _RABAT_ ; ANNEE 2009

الرسائل والأطروحات:

  • عائشة سلطان إبراهيم المرزوقي: “إثبات النسب في ضوء المعطيات العلمية المعاصرة- دراسة فقهية وتشريعية مقارنة- “رسالة لنيل درجة الدكتوراه، قسم الشريعة الإسلامية،  2000 القاهرة، دار العلوم
  • أحمد ميدة ومحمد رافع: إثباث النسب بين الوسائل الشرعية والتطور العلمي (بحث نهاية التمرين بالمعهد العالي للقضاء)، الفوج 33 سنة 2003-2005
  • رشيدي مغنية: حق الطفل في النسب رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق فاس سنة: 2002 /2003

المقالات:

  • يوسف وهابي، مقال بعنوان ” تحاليل البصمة الوراثية ( أ.د.ن A .D.N) ودورها في إثبات أو نفي النسب: قراءة في مواقف القضاء والتشريع (مدونة الأسرة): دراسة مقارنة، مجلة الملف|، العدد 8 مارس 2006
  • محمد باية: مقال بعنوان ” إشكالية التمييز بين أسباب النسب ووسائل إثباته في مدونة الأسرة” ، المجلة القانونية للمحكمة الابتدائية بمكناس، العدد الأول،  2008
  • محمد كفيل، إعمال الخبرة الطبية في دعاوى النسب، مجلة المحاكم المغربية، عدد 118 يناير- فبراير 2009،
  • ماجدة ابن جعفر،مقال بعنوان تطور وسائل الإثبات في مادة النسب،منشور بمجلة القضاء والتشريع، العدد 1، جانفي 2002
  • خالد البرجاوي، مقال بعنوان ” تطور قواعد النسب في القانون المغربي” مجلة قضايا الأسرة من خلال اجتهادات المجلس الأعلى 2007
  • يوسف فلالي محسن، إثباث النسب ونفيه بالتحاليل الطبية، مقارنة تشريعية وفقهية وقضائية- مقال مجلة قضايا الأسرة من خلال اجتهادات المجلس الأعلى- 9 مارس 2007
  • أحمد الغازي الحسيني: الولد للفراش، مقال مجلة القضاء والقانون، العدد 130، السنة 2001.
  • مجلة قضاء المجلس الأعلى، قرار صادر في 03/02/1987، منشور العدد 40

المواقع الالكترونية:

  • slconf.uaeu.ac.ae/prev_conf/2002/2.pdf
  • emro.who.int/ahsn/pdf/MedicalEthicsAr.pdf
  • ــ elmilki.ma/articles m/30 -06 – 2004.htm

نفي النسب بين اللعان والخبرة الطبية في ضوء القانون الوضعي
____________________________________
[1] ــ أحمد الخمليشي، التعليق على قانون الأحوال الشخصية، الجزء الثاني، آثار الولادة والأهلية والنيابة القانونية، الصفحتان 71و 72.
[2] عائشة سلطان إبراهيم المرزوقي: المرجع السابق، ص 315
[3] ــ رشيدي مغنية، المرجع السابق، 2003 ص 82.



   One Comment


  1. بدر شمسان
      25 January, 2014

    لو تكرمت باعطائي البحث لكي اتمكن من قراءته

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *