أخذ القضاء باللعان دون الوسائل العلمية

إنصراف العمل القضائي عن الأخذ باللعان – المطلب الثاني:
انطلاقا من تصفح بعض الأحكام والقرارات الصادرة في مجال اللعان يتضح أن العمل القضائي قد انصرف عن التطبيق العملي للعان، واستبعده في كثير من الأحيان، بحيث أنه عندما يلتمس الزوج الحكم بنفي نسب الابن عنه، تتم إحالته على مسطرة اللعان وعند سلوكه لهذه الأخيرة يتم مواجهته برفض الطلب لعلة عدم توافر شروط اللعان المتطلبة فقها، وقد أخذت المحكمة الابتدائية بتارودانت بمسطرة اللعان ويتجلى ذلك من خلال إحدى حيثيات الحكم الصادر عنها بتاريخ 24/03/2008 ” … وحيث انه بثبوت نسب البنت… إلى المدعي، لا يكون أمام هذا الأخير من سبيل لنفيه سوى اللجوء إلى مسطرة اللعان وفق المنصوص عليه في المادة 153 من مدونة الأسرة وأن عدم سلوكه للمسطرة السالفة يجعل دعواه والحالة هذه غير قانونية وبالتالي يتعين رفضها…”[1] إلا أن مثل هذه الأحكام القاضية باعتماد اللعان في نفي النسب غالبا ما يتم نقضها من طرف محاكم الموضوع  والمجلس الأعلى حيث أنه من خلال الاطلاع على جملة من الأحكام والقرارات المتعلقة باللعان لم نجد ولو قرارا واحدا للمجلس الأعلى قضى بالقبول شكلا ومضمونا في اللعان (ما لاحظناه بخصوص انصراف المجلس الأعلى عن التطبيق العملي للعان يرجع بالأساس إلى ما اطلعنا عليه من استشهادات الكثير من الفقهاء بخصوص هذا الانصراف في كتبهم، ويرجع أيضا فيما اطلعنا عليه ــ حسب مطالعتنا المتواضعة ــ من القرارات المنشورة حيث لم نجد ولو قرارا واحدا للمجلس الأعلى قضى بالقبول شكلا ومضمونا في اللعان، في حين نشر الكثير من القرارات الصادرة بنقض أحكام استئنافـية قضت باللعان،) مستندا في ذلك إلى انعدام شرط من شروط اللعان التي وضعها الفقه الإسلامي، فقد اشترط التعجيل بأداء اللعان من الزوج فور رؤية الحمل أو مشاهدة الزنا، وإلا فالنسب يلحق به، وفي ذلك يقول المجلس الأعلى: «..إذا علم الزوج بالحمل وسكت فلا يسمع قوله بنفي النسب ولا يمكن من اللعان »[2]، كما اشترط أيضا أن يكون الزوج قد استبرأ زوجته ليكون إجراء اللعان صحيحا، وهذا ما قضت به المحكمة الابتدائية بقصبة تادلة في الحكم الصادر عنها بتاريخ 5 دجنبر  الوارد في إحدى حيثياته 2006: “… وحيث انه علاوة على ما ذكر فانه لا بينة للمدعي تثبت استبراءه لزوجته تاريخ مغادرتها بيت الزوجية، ذلك أن قواعد الفقه المالكي تشترط لتمكين الزوج من ملاعنة زوجته عند ادعائه رؤية الزنا ونفي الحمل أن يتقدم ذلك استبراءه لها بالوسائل الشرعية وقد ورد عن ابن عاصم في تحفته:

وإنما للزوج أن يلتعنا                   بنفي حمل أو رؤية الزنا

مع ادعائه للإستبــراء                   وحيضة بينة الأجـــــزاء

وحيث إنه بلإستناد إلى ما ذكر يبقى طلب المدعي الرامي إلى نفي نسب الإبن (…) عن طريق اللعان غير مؤسس قانونا وشرعا مما تقرر معه التصريح برفضه…”[3] وقد أكد المجلس ما قضت به محاكم الموضوع حيث أورد في احدى قراراته «..لما ثبت أن الطاعن لم يقم باستبراء مطلقته  ولا بفور إجراء مسطرة اللعان … وأن الطاعن كان يعاشر زوجته معاشرة الأزواج خلال هذه الفترة التي لم ينكرها، وقضت بذلك برفض دعوى اللعان تكون(المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه) قد طبقت على نازلة الحال أحكام الفقه وأقامت قضائها على أساس… »[4]

وأيضا يجب ألا يكون الولد غير لاحق شرعا بالزوج، كما لو أتت به الزوجة لأقل مدة من أدنى أمد الحمل بعد العقد عليها، وهو ستة أشهر أو لأكثر من أقصى أمد الحمل وهو سنة بعد الفراق حسب المادة 154 من مدونة الأسرة، حيث جاء في قرار للغرفة الشرعية بالمجلس الأعلى: « الوضع لأقل من ستة أشهر.. ينفي النسب بغير لعان.. ويفسخ النكاح..»[5]. لأن الولد في مثل هذه الحالة غير لاحق أصلا وبالتالي لا يحتاج إلى نفي من طرف الزوج.

كما لم يعتد المجلس الأعلى بالحكم الصادر بالخيانة الزوجـية لنفي النسب حيث يقـول: « التصريح بالطلاق وتقـديـم شكاية غير كافـييـن لنفي النسب طالما أن الزوجة في عصمة الزوج، والوضع في أمده القانوني، ففي هاته الحالة لا يمكن للزوج نفـي النسب إلا بإجراء مسطرة اللعان، الشيء الذي لم يقم به الطاعـن وأمـام انعـدام هذه المسطرة فـإنه لا تأثيـر لادعاء الخـيانة لـقـولـه صلى الله عليه وسلم: (” الولد للفراش وللعاهر الحجر “)[6].

يظهر من خلال هذه الأحكام والقرارات التي تم ذكرها أن كل من محاكم الموضوع  والمجلس الأعلى يتعامل بنوع من الصرامة في إعمال كل الشروط التي وضعها الفقه لصحة اللعان ويثيرها تلقائيا ولا يقبل خرقها بأي وجه من الوجوه، وأمام استحالة تحقق شروط اللعان بالكيفية التي حددها الفقه الإسلامي و طبقها القضاء فان المجلس الأعلى ولم يقض في أي قرار بصحة اللعان، فما  السبب وراء ذلك ؟

تبرير موقف المجلس الأعلى من اللعان:
إن تقييم حقيقة موقف المجلس الأعلى من اللعان لم يكن محل إجماع من طرف الفقه، حيث نجد رأيا فقهيا يقول: إن كثيرا من قرارات المجلس الأعلى نقضت أحكاما استئنافية قضت باللعان وأحيانا يكون النقض غير واضح التعليل فهل يأخذ المجلس الأعلى ــ ضمنا لا صراحة ــ بما ذهب إليه صاحب العمل الفاسي بقوله: « واترك لفاسق وغيره اللعان» وعدد صاحب لامية الزقاق ضمن ما جرى به العمل « واترك اللعان مطلقا أو لفاسق» ؟ بمعنى هل صرفت نية المجلس الأعلى لإلغاء اللعان بالمرة من التطبيق العملي تماشيا مع تشوف الشريعة الإسلامية للحوق الأنساب وثبوتها وحفظ مركز الطفل حتى لا يضيع نسبه ؟[7].

في حين يذهب رأي آخر خلاف الرأي الأول حيث يعلل انصراف المجلس الأعلى عن التطبيق العملي للعان إلى الشروط التعجيزية التي أحاطها الفقه الإسلامي والمالكي – بصفة خاصة- باللعان والتي من شأنها عمليا أن تضيق كثيرا من نطاقه وأن تشل إعماله: فكيف يمكن للشخص العادي ــ غير الملم بتفاصيل الفقه الإسلامي في هذا الإطار ــ أن يلاعن في الحمل أو الولد وفقا لكل الشروط الفقهية للعان ؟ زد على ذلك بعض المعيقات العملية التي تحول دون ذلك، فأجل اللعان يوم أو يومين كما هو معروف، مثل هذا الأجل القصير جدا لا يكفي في وقتنا الحاضر تبعا للنظام القضائي والمسطرة الجاري بها العمل للتفكير في هذا الأمر والاتصال بمحام وتحرير مقال وإيداعه بالمحكمة علما أن المحاكم لا تعمل يومي السبت والأحد والأعياد، كما أن الشخص الذي غادر للخارج وترك زوجته بمجرد العقد عليها، ثم يفاجأ بخبر ولادتها وهو بالمهجر، فكيف يسمح له هذا الأجل أن يلاعن زوجته ؟ علما أن الشخص العادي غير عارف بهذا الأجل أصلا، وهذا يعني بمفهوم المخالفة أنه متى كان الزوج من المتشبعين والملمين بتفـاصيل أحكام الفقه في هذا المجال فإنه سيلاعن لا محالة وفقا لكل الشروط الموضوعة لذلك، وآنذاك سوف لن يجد المجلس الأعلى تعليلا لرفض الملاعنة وسيقضي دون شك بذلك [8].

ويبدو أن كلا الرأيان منطقيان إلا أنه يمكن القول أن الرأي الراجح هو الرأي الأول، وذلك لعدة اعتبارات أهمها: أنه ليس من الصدفة وإلى يومنا هذا عدم وجود أي قرار للمجلس الأعلى يقضي باللعان، بل لابد من وجود دافع قوي وراء موقفه غير تبرير أصحاب الرأي الثاني، لأن مدة خمسين سنة ونيف من تأسيس المجلس الأعلى ــ ولا وجود لأي قرار يؤيد إعمال مسطرة اللعان ــ مدة كافية لدحض تعليل أصحاب الرأي الثاني، ويبدو أن المجلس الأعلى متشوف للحوق النسب، ويحرص أشد الحرص على حفظ مركز الطفل حتى لا يضيع نسبه لمجرد دعوى قد تكون كاذبة أو مجرد انتقام من الزوجة وكيدا لها، وهو ما سيؤثر لا محالة على مركز الطفل.
نفي النسب بين اللعان والخبرة الطبية في ضوء القانون الوضعي
___________________________________________
[1] ـ حكم ابتدائي صادر عن المحكمة الابتدائية بتارودانت بتاريخ 24/03/2008 ، الملف عدد 311/07، منشور بكتاب المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة، المرجع السابق، ص  254
[2] ــ قرار المجلس الأعلى الصادر في 5 يوليوز 1975، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 23، ص 34 وما بعدها.
[3] ــ حكم المحكمة الابتدائية بقصبة تادلة رقم 489 المؤرخ في 5 دجنبر 2006، ملف رقم 214/9/06، أورده الدكتور ادريس الفاخوري في مؤلفه: “العمل القضائي الأسري ـ الجزء الأول ـ الزواج ـ انحلال ميثاق الزوجية.” الطبعة الأولى 2009 ص 357 وما بعدها
[4] ــ قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 13/12/2006، عدد 699، منشور بكتاب المنتقى من عمل القضاء، من تأليف وزارة العدل، الجزء الأول،  منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، العدد 10، فبراير 2009 ص 226
[5] ــ قرار المجلس الأعلى الصادر في 3 فبراير 1987، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 40، ص 167 وما بعدها.
[6] ــ قرار عدد 859، بتاريخ 21/07/1992، ملف عدد 6299/91، غرفة الأحوال الشخصية بالمجلس الأعلى، أورده رشيدي مغنية، مرجع سابق، ص 83 ــ 84.
[7] ــ أحمد الخمليشي، التعليق على قانون الأحوال الشخصية، الجزء الثاني، آثار الولادة والأهلية والنيابة القانونية ص 50.
[8] ــ رشيدي مغنية: المرجع السابق، ص 84.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *