الجمع بين اللعان والخبرة الطبية في إثبات النسب

(ثالثا) الموقف الموفق بين الخبرة الطبية و اللعان:
وهو موقف وسط حاول التوفيق بين الرأي الأول والثاني بحيث يمكن الجمع بين اللعان كوسيلة تقليدية للنفي النسب، والخبرة الطبية كوسيلة حديثة للإثباثه، وفي هذا الإطار يرى جانب من الفقه أن التعارض بين اللعان والخبرة الطبية لا يعدو أن يكون تعارضا ظاهرا بقدر ما هو تعارض جوهري، ويتضح ذلك بالخصوص إذا استطعنا أن نكشف على أن انتفاء النسب ليس من لزوم اللعان وثبوت نسب الولد للزوج لا يتعارض مع بقاء اللعان سببا للفرقة بين الزوجين، حينئذ يمكننا رفع التعارض القائم بين استعمال البصمة الوراثية كوسيلة لإثبات النسب وبين اللعان كوسيلة لنفي النسب والتفريق بين المتلاعنين[1]

وترتيبا على هذا المنطق يمكن القول بأنه للقاضي أن يسلك مسطرة الملاعنة دون أن يعوقه ذلك من الاستجابة لإجراء اختبار البصمة الوراثية، فإجراء الملاعنة للتفريق بين الزوجين وإجراء فحص البصمة الوراثية يتم لمعرفة ما إذا كان الزوج الملاعن هو الأب الحقيقي أم لا، فان جاءت نتيجة البصمة الوراثية تؤكد انتفاء النسب فلا إشكال هنا حيث يصبح اللعان سببا موجبا للفرقة وينتفي النسب عن الزوج وهكذا يتحد أثر اللعان مع نتيجة البصمة الوراثية في نفي النسب، أما إذا جاءت نتيجة البصمة الوراثية مؤكدة لثبوت النسب من الزوج الملاعن حكم القاضي بلزومه النسب دون أن يتعارض هذا مع بقاء اللعان كإجراء للفرقة بين الزوجين.

وهكذا يزال التعارض بين البصمة الوراثية كوسيلة لإثباث النسب وبين أحكام اللعان كإجراء يكمن أن يؤدي لنفي النسب[2]

ويذهب بغض الفقه إلى إمكانية الاستعانة بالخبرة الطبية في تحديد النسب كلما دعت الضرورة إلى ذلك مع التقيد بالأحكام الشرعية حتى لا تخالف نتيجتها نصا قطعي الثبوت والدلالة، وذلك انطلاقا من كون مشرع مدونة الأسرة قد أباح للقاضي استعمال كل الوسائل المشروعة من أجل إثبات النسب بما في ذلك الخبرة الطبية، رغبة منه لصيانة حقوق الأفراد والجماعات وتجاوزا للكثير من المشاكل المرتبطة بالنسب وتفاديا للنزاعات العائلية[3]

وقد جاء في الحلقة النقاشية للندوة التي انعقدت على مدار يومي الأربعاء والخميس 28 ، 29 /1/1421 هـ الموافق 3 ، 4 /5/2000 م بالكويت تحت عنوان”مدى حجية استخدام البصمة الوراثية لإثبات البنوة” أنه: إذا كان الإسلام قد اشترط لإجراء اللعان انعدام الدليل مع الزوج فما وجه إجرائه إذا ثبت يقينا بالبصمة الوراثية أن الحمل أو الولد ليس من الزوج أو منه؟

يظهر أن أثر البصمة الوراثية ينحصر كدليل مع الزوج أو ضده، فان كان معه فلا وجه للعان إلا من أجل المرأة أن تدفع عنها حد الزنا، وان كان ضده وتبين أن الولد منه وجب عليه حد القذف إلا على قول من يرى أن حد القذف حق المرأة ولها أن تسقطه،أو أن يكون اللعان من أجل تهمتها بالزنا وليس من أجل نفي الولد فيحق للزوج أن يلاعن لهذا الغرض الأخير دون أن يكون للبصمة الوراثية أدنى تأثير على إجراء اللعان[4]

وفي نظر الأستاذ محمد الكشبور تظل تقنية البصمة الوراثية وسيلة احتياطية لا يمكن اللجوء إليها بعد التحقق من شروطها إلا في حالة عدم الاحتكام إلى اللعان علاوة على أنه يجب أن يكون هناك تبرير لها وهو ما أكدته المادة 153 من مدونة الأسرة[5]

تأسيسا على ما سبق وفي ظل الآراء والمواقف المتضاربة حول تعارض اللعان مع الخبرة الطبية فيما يخص نفي أو إثباث النسب نتساءل عن موقفنا الشخصي من بين هذه المواقف؟

كما تبين أعلاه فإن مسطرة اللعان تكون بأن يشهد الزوج بالله أربع مرات على نفي حمل زوجته أو ولدها عن نسبه، ويزيد في المرة الخامسة: (” لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين “) ثم تشهد الزوجة بالله أربع مرات أيضا أن زوجها كاذب فيما أشهد الله عليه، وتزيد في الخامسة: (“غـضب الله عليها إن كان من الصادقين”)، والواقع أن هذه الأقوال التي تصدر عن المتلاعنين هي أيمان على أن الملاعن جازم بصدقه في نفي النسب عمن ذكر، وأن الملاعنة جازمة بكذب الزوج في ذلك إلا أن الغريب في الموضوع أن المدعي وهو الزوج الطالب لنفي النسب يكتفي منه باليمين المتعددة على الحكم له بما طلب، وسند الفقه في ذلك أنه لولا قبول هذه الأيمان من الزوج والحكم له بمقتضاها لالتحق بنسبه من ليس منه عملا بمقتضى القاعدة (الولد للفراش)، إذ لولاه لم يجد الزوج سبيلا إلى قطع الدخيل فيه، وذلك يؤدي إلى اختلاط الأنساب وهو ممنوع في سائر الشرائع المقدسة، فلا طريق لانتفاء هذه[6] الضرورة إلا عن طريق اللعان، وما يلاحظ أن ادعاء الزوج واقعة الزنا ينبغي إثباته وهذا أمر عسير وصعب في الشريعة الإسلامية، إن لم نقل مستحيل، إذ على المدعي إثبات دعواه بأربعة شهود على الأقـل من الرجال وأن يؤدوا اليمين بأنهم شهدوا هذا الفعل يتم كاملا، الأمر الذي قـد يدفـع الزوج الملاعـن إلى اللجـوء إلى طلب إجـراء الملاعـنة من أجل نفي الحمل أو الـولـد [7]ـــ ولهـذا لما نـزلـت آية اللعان بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم من نزلت فـيه وقال له: (” أبشر فـقـد جـعـل الله لك مخـرجـا “) وأنه لا يـقـدم الزوج عليه إلا إذا كان متيقنا بسببه في الواقع نظرا للوازع الديني.[8]

ولهذا فان آية اللعان قيدت إجراءه بما إذا لم يكن ثمة شاهد إلا الزوج، ومفهومه أنه لو كان هناك بينة من شـهود فإنه لا يجرى اللعان بل يثبت ما رمى به الزوج زوجته، كما لو أقرت الزوجة زوجها فيما رماها به من الزنا فإذا منعنا وقوع اللعان لوجود سبب مانع له، فما وجه إجرائه مع وجود بينة قطعية ( البصمة الوراثية ) تخالف دعوى الزوج  فإننا إذا قمنا بذلك كان ضرباً من المكابرة ومخالفة للحس والعقل، وينبغي للقضاة أن يحيلوا الزوجين قبل إجراء اللعان لفحوص البصمة الوراثية لأن إيقاع اللعان مشروط بعدم وجود الشهود، فإذا كان لأحد الزوجين بينة تشهد له فلا وجه لإجراء اللعان

وإذا علمنا أن الشهادة أقوى من قول الزوج في اللعان لأن الشهادة مبنية على غلبة الظن أما قول الزوج في اللعان فهو متساوي الطرفين في الصدق أو الكذب أي بنسبة (50 %) لأنه إما أن يكون صادقاً أو تكون الزوجة صادقة، فهل من الفقه أن ندع بينة قطعية تصل لـ 999.9 % تؤكد كـذب الزوج ونأخذ ما هو محتمل للصدق بنسبة 50% وننسب ذلك للشريعة ؟؟!! خصوصا أنه في ظل واقعنا الحالي تأكد فساد كثير من الذمم التي أصبحت تنزلق عن المحجة البيضاء وعن قيم وتعاليم ديننا الحنيف، وتراجع إن لم نقل انعدام الوازع الديني لدى العديد من الأفراد عديمي الضمائر الذين يغيبون عن أذهانهم عقاب الله الأخروي عن تصرفاتهم الدنيئة، البذيئة، فيلجئون لهذه المسطرة السريعة والسهلة ويحلفوا أيمانا كاذبة كيدية لزوجاتهم أو إضرارا بأولادهم أو تملصا من المسؤولية وتحمل أعبائهم،[9] ولعل الأخذ بالخبرة الطبية (البصمة الوراثية) يحقق مقصود الشرع في حفظ الأنساب من الضياع ويصد ضعاف الضمائر من التجاسر على الحلف بالله كاذبين، على اعتبار أن إلحاق نسب الطفل بأبيه مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، لقوله تعالى : “ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله” فإذا أثبتت البصمة الوراثية نسب طفل وأراد الأب لأوهام وشكوك أو للتهرب من النفقة أو لأي غرض آخر، فإن العدل يقتضي أن نلحق الطفل بأبيه ولا نمكن الأب من اللعان لئلا يكون سبباً في ضياع الطفل.

ومن المعلوم أن اللعان حكم شرعي وردت بشأنه نصوص قطعية، في القرآن والسنة النبوية، ولكن المؤيد أيضا أن الأمر يتعلق بنوع الأحكام المعبر عنها بالوسيلة الصرفة، وهي أحكام تتميز بكونها ليست مقصودة لذاتها نهائيا ومن ثم فهي قابلة للتغيير إذا فـقـدت الوسيلة قيمتها ووظيفتها، وترتيبا على ذلك فإننا نرى أنه متى تبين أن زماننا يتيح لنا تنظيم هذه الوسيلة وتنفيذ هذه التدابير التوسلية الصرفة، ببدائل أكثر نجاعة وفاعلية ومصداقية وأكثر تحقيقا للمقصود فلا شك في أن الأخذ بها وإقرار أحكامها وإحلالها محل ما جرى به العمل في الصدر الأول عمل مشروع، وتعبير غير ممنوع، لأن وسائل إثباث النسب ليست أمورا تعبدية حتى نتحرج من إهمالها وصدق الله تعالى إذ يقول في كتابه الكريم : “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد. ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط” (سورة فصلت ــ الآيتان 53، 54)

إذا كان ما قلناه أعلاه يتعلق بموقف الفقه من مسطرة اللعان، فما هو موقف القضاء المغربي منها ؟
نفي النسب بين اللعان والخبرة الطبية في ضوء القانون الوضعي
_____________________________________
[1] محمد محمد أبو زيد، تحديث قانون الإثبات، دور التقدم البيولوجي في إثبات النسب، القاهرة، 2004 ص 86
[2] محمد محمد أبو زيد، المرجع السابق، ص 86 وما بعدها
[3] إدريس الفاخوري، المرجع السابق، ص 195
[4] ملخص الحلقة النقاشية التي انعقدت على مدار يومي الأربعاء والخميس 28 ، 29 /1/1421 هـ الموافق 3 ، 4 /5/2000 م بالكويت بفندق الميريديان ــ قاعة الصالحية ــ تحت عنوان”مدى حجية استخدام البصمة الوراثية لإثبات البنوة”
[5] محمد الكشبور، المرجع السابق، ص 214
[6] ــ عبد الباقي الزرقاني، شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل، الجزء 4، ص 349.
[7] ــ رشيدي مغنية: حق الطفل في النسب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، كلية الحقوق فاس  سنة 2002 /2003 ص 77.
[8] ــ أحمد الغازي الحسيني، الولد للفراش، مقال منشور بمجلة القضاء والقانون، العدد 130 سنة  الصفحتان 41 و42.
[9] ــ رشيدي مغنية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في موضوع: حق النسب، كلية الحقوق ــ فاس، 2003/2002، ص 80



   2 Comments


  1. سيف الدين
      20 November, 2011

    السلامعليكم ورحمة الله وبركاته.لو سمحتم مساعدتي بمراجع في بحثي الكاديمي حق الطفل في النسب في الشريعة الاسلامية والمواثيق الدولية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *