إجراءات الطلاق بالإتفاق وصعوبة التكييف

خضوع إجراءات الطلاق الاتفاقي لقانون القاضي – المطلب الثاني:
يعتبر مبدأ اختصاص قانون القاضي المرفوع أمامه النزاع في ميدان الإجراءات من المبادئ الأكثر شيوعا في القانون الخاص المقارن, بعد أن كان هذا المبدأ غائبا في القانون المغربي بمقتضى الفصل 394 من قانون المسطرة المدنية، غير ان التعديلات التي عرفها قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 وإن كانت لم تنص صراحة عن مبدأ اختصاص القانون المغربي، فإن المجلس الأعلى لم يتغافل التجديد ولم يغب عنه الإصلاح إذ لم يتردد في الإعلان في قراره الصادر بتاريخ 8 أبريل 1983 على التصريح بأن الإجراءات الواجب تطبيقها هي المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية دون سواه[1].

وبهذا فإن انحلال الرابطة الزوجية بالاتفاق في اطار الرابطة الأسرية الدولية، تجعل المسطرة المتبعة في دعوة الطلاق الاتفاقي هي مسطرة قانون القاضي (الفقرة الأولى) غير أن معرفة نطاق تطبيق المسطرة المدنية في ميدان التطليق تظل قائمة, لأن ذلك يتوقف على التمييز بدقة بين جوهر قواعد الطلاق والإجراءات المتبعة بشأنها الواجب إخضاعها لقانون القاضي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : صعوبة تكييف إجراءات الطلاق
ان تكييف القاضي للقاعدة المسطرة ليس بالأمر السهل, فالقاضي يلعب دور أساسي من أجل إخضاع المسطرة للتحليلات الدقيقة, تجمع بين قانون القاضي ومؤسسة الطلاق الاتفاقي عند انحلال الربطة الأسرية الدولية الخاصة.
كما أن التمييز بين المسطرة والجوهر في مؤسسة الطلاق الاتفاقي كثيرا ما يكون عويصا نظرا للروابط التي تجمع بينهما في ميدان الأحوال الشخصية وخاصة في مجال الطلاق.
فصعوبة التكييف يمكن أن تبرز عند تطبيق القانون المغربي الذي يخضع له الطلاق الاتفاقي من حيث الموضوع، إذ يصبح القاضي الأجنبي مضطرا للبحث عن المعنى الحقيقي لبعض المقتضيات المسطرية في القانون المغربي.

إن القاضي الأجنبي يتعين عليه أن يلجأ إلى التكييف حتى يمكنه أن يقرر تطبيق تلك المقتضيات أو يقضي برفضها، وعندما يتعلق الأمر بقواعد مسطرية مغربية، فإنها لن تضاف إلى مسطرة القاضي فيستبعدها القاضي من نطاق الدعوى.
وفي المقابل عندما تحلل مقتضيات القانون المغربي على أنها قواعد جوهرية، عندئذ تنقل هذه القواعد إلى قانون القاضي[2] فيصبح من اللازم إتباعها اعتبارا لأن طلاق المغاربة وفقا لقانونهم الوطني يخضع لها.

وتأتي الصعوبة بالنسبة للطلاق الاتفاقي من كون بعض القواعد المسطرية ظاهريا والواردة في القانون المغربي تكون مرتبطة بجوهر القانون، وبصرف النظر عن كونها مجرد قواعد توجيهية في الدعوى، تتميز بأنها، تعبر عن المتطلبات الجوهرية المرتبطة بمفهوم الطلاق نفسه في القانون المغربي[3].

وأخص بالذكر مسطرة الصلح التي اعتبرها المشرع المغربي إجراء جوهري يجب على المحكمة قبل الإذن بالطلاق القيام بإجراء محاولة صلح بين الزوجين, ومحاولة الصلح إجراء مفروض في دعاوي الطلاق والتطليق وفي كل الدعاوي الأخرى الرامية إلى إنهاء الرابطة الزوجية ويجرى كذلك في دعوى الطلاق الاتفاقي.

وقد سبق للمجلس الأعلى أن نقض الحكم الذي لم يجري محاولة الصلح بين الزوجين[4].و أكد على ضرورة إجراء محاولة الصلح رغم أن الزوج كان قد التزم في حكم سابق بجعل الطلاق بيد الزوجة, على اعتبار أن محاولة الصلح إجراء جوهري ملزم حتى أمام محكمة الاستئناف.

وبالمقابل تطرح صعوبة تكييف مسطرة الطلاق الاتفاقي أمام القضاء المغربي، على اعتبار أن هذه المسطرة في الدول الأوروبية تخضع لمجموعة من الشروط سوءا تعلق الأمر بالشروط الشكلية أو بالشروط الموضوعية التي تتطلبها مسطرة الطلاق الاتفاقي.

فبالنسبة إلى الشروط الشكلية، تستلزم التشريعات الأوروبية تحرير اتفاق أولي يتم الاتفاق فيه على كل المسائل التي يمكن أن تثير نزاعا بين الزوجين على أن يتم تأكيد هذا الاتفاق بعد إتمام باقي الإجراءات وعقد الاتفاقية النهائية.
أما الشروط الموضوعية فتتمثل في السن الذي حدده المشرع للزوجين والذي يختلف في بعض التشريعات الأوروبيةوفي المدة التي يجب أن تكون قد مضت على الزواج       و التي غالبا ما تحدد في سنتين.

هذه الشروط منظمة بدقة في التشريعات الغربية وهي ترجع إلى طبيعة مؤسسة الطلاق الاتفاقي حيث تشكل جزءا من بنية المؤسسة نفسها ومن أولويات ميكانيزماتها بمعنى أن القانون يشترطها حتى يكون الطلاق الاتفاقي قائما على توافق حقيقي.

وبناءا على هذا إذا عزم القاضي المغربي على ألا يتبع غير مقتضيات قانون المسطرة المدنية المغربية، والتي لا تعترف بمثل هذه الشروط، ويصرف النظر بصورة نهائية عن كل الضمانات التي يتطلبها القانون الأجنبي بدعوى أنها قواعد مسطرية، فإن الحكم الصادر عن القضاء المغربي لن يقبل تنفيذه أمام القضاء الأجنبي وسيكون مآله ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية في قرارها بتاريخ 20 يناير 1987 التي رفضت بمقتضاه الاعتراف بالحكم الصادر في المغرب لمخالفته النظام العام الفرنسي [5].

وبالتالي ليس هناك أي امتياز كما ذهب إلى ذلك الأستاذ جان ديبري يفرض تطبيق قانون القاضي على كل ما يتعلق بإجراءات الدعوى.
بل على العكس من ذلك أن كل عنصر يساهم في إعطاء مؤسسة الطلاق الاتفاقي شكلها الحقيقي الذي يدخل في جوهر القانون رغم أن دخول هذا العنصر في سير الدعوى لا يغير في شيء من ذلك.

ومع هذا يحاول كل قاضي وطني تسير الدعوى حسب قانونه الوطني، دون اعتبار لجنسية المتقاضين، لأن مبدأ إقليمية المسطرة المعترف بها دوليا تدفعه إلى السير على هذا النهج[6] الحافل بالصعوبات إن لم نقل المجازفة التي تنجم عن التكييف الذي من هذا القبيل,فالمسطرة ليست سوى وسيلة يتعين ألا تنطلق إلى حد يناقض القواعد الجوهرية التي تهدف إلى ضمان احترامها.
الطلاق الإتفاقي للمغاربة في المهجر وفق مدونة الأسرة
___________________________________________________
[1] – راجع في هذا الصدد العياشي المسعودي، تقييم قانون المسطرة المدنية، مرجع سابق ص 179.
[2] – جان ديبري، القانون الدولي الخاص وإصلاح التنظيم القضائي والمسطرة في المغرب. مجلة القضاء والتشريع التونسية عدد 144 سنة 1993 ص 59.
[3] – نفس المرجع ص 60.
[4] – قرار المجلس الاعلى عدد 47251 بتاريخ 16/06/1975 غير منشور.
وإن كان بعض الفقه يرى أن إجراء محاولة الصلح من جديد أمام محكمة الاستئناف، غير ضروري وذلك يعد فشل المحاولة أمام المحكمة الابتدائية وهو ما يجري به العمل في مصر, أحمد الخمليشي التعليق على قانون الأحوال الشخصية” ج 1 مرجع سابق ص 383.
[5] – حيث يتجلى من القرار التأييدي المطعون فيه، الصادر بتاريخ 13 يونيو 1984 عن محكمة الاستئناف بتولوز، أن الزوجين شومون وتورين الفرنسيي الجنسية، القاطنين بالمغرب، تقدما للقاضي المغربي بطلب رام إلى التطليق بناء على مقال مقدم من طرفهما معا طبقا لمقتضات القانون الفرنسي، وأنه بعد المصادقة على الاتفاقية المؤقتة، قامت المحكمة المغربية بعد ذلك ورغم تعرض الزوجة, بالتصريح بالطلاق بناء على المقال النهائي للزوج.
قام الزوج بإشهار الحكم القاضي بالطلاق وتزوج، وتقدمت السيدة شومون للمحكمة الفرنسية بطلب يرمي إلى التصريح بأن الحكم الصادر في المغرب بتاريخ 27 فبراير 1979 غير ساري المفعول في فرنسا. وبالتالي فإنها طلبت التصريح ببطلان الزواج الثاني للسيد شومون.
حول الوسيلتين الثانية والثالثة مجتمعين :
حيث أن السيد شومون يعيب على القرار المطعون فيه كونه صرح بأن الحكم القاضي بالطلاق مخالف للنظام العام الفرنسي بسبب عدم اتفاق الزوجين على مبدإ الطلاق، ونظرا للاخلال بقواعد مسطرة تعتبر من النظام العام ومن شأنها أن تضمن استمرار الاتفاق حول مبدإ الطلاق. في حين أن يجدر التذكير أول الأمر بأن القاضي الأجنبي يتوفر على صلاحية تقدير اتفاق الطرفين. وله في ذلك سلطة مطلقة ليس للقاضي الفرنسي حق إعادة النظر فيها عن طريق مراقبة قانونية الحكم. وأنه في هذه النازلة، قامت محكمة الاستئناف بتحريف الحكم وتجاوزت سلطاتها وخرقت مقتضيات الفصل 3 و 230 إلى 232 و 301 من القانون المدني. وأنه من جهة ثانية، فإنه تطبيقا “لبنود الاتفاقيات الفرنسية – المغربية”، فإن على القاضي أن يطبق قواعده الوطنية للمسطرة، ومن جهة ثالثة فإن محكمة الدرجة الثانية لم تجب على مذكرات السيد شومون التي ورد فيها بأن السيدة شومون أشعرت بتاريخ الحكم الذي سيصدر وبكون محامييها تخلوا عن الدفاع عنها. وختاما لكون سقوط الحق في ممارسة طرق الطعن المستمدة من تطبيق قانون أجنبي لا تخالف النظام العام الفرنسي.
لكن، حيث دون إمكانية التسليم بوجود اتفاق الزوجة على الطلاق، فإن القاضي المغربي أشار إلى أن السيدة شومون عارضت في هذا الطلاق، لكنه اعتبر أن سبب معارضتها لم يكن مستندا على أساس. وهكذا، فإن محكمة الاستئناف لم تقم لا بتحريف ولا بخرق النصوص المشار إليها في وسيلة النقض، بل أتها عاينت أن القاضي الأجنبي عند اعتماده =على الفصل 232 من القانون المدني، صرح بطلاق الزوجين شومون رغم أن الاتفاق الحر للزوجين لم يبق قائما. واعتبرت محكمة الاستئناف عن حق أن حكم القاضي الأجنبي مخالف للمبدإ الفرنسي للنظام العام الدولي. وهذا يشكل سببا لرفض الاعتراف بالحكم كما هو منصوص على ذلك في الفصل 16د من الاتفاقية الفرنسية – المغربية المؤرخة في 5 أكتوبر 1957، وأن هذا الحكم بالتالي منعدم الأثر في فرنسا.
أنظر التعليق على هذا القرار ب فرانسواز مونيجي، المجلة المغربية للقانون ع 13 يونيو يوليوز غشت مطبعة النجاح، ص 159.
[6] – جان ديبري، مرجع سابق ص 62 – 63.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *