التهرب الضريبي – الجرائم الضريبية

التهرب الضريبي – الجرائم الضريبية
مقدمة عامة:
أصبحت قضية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، تستأثر بجانب كبير من الاهتمام خاصة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك ليس فحسب على مستوى الدول النامية، بل حتى على نطاق الدول المتقدمة نظرا لما يترتب على التخلف من آثار ضارة، لا تقتصر على ما هو اقتصادي بل تمتد إلى ما هو اجتماعي سياسي وثقافي، لهذا أصبحت التنمية محور الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وتعتبر التنمية في جوهرها، إنماء للطاقة الإنتاجية في المجتمع بالشكل الذي يؤدي إلى الرفع من مستواه وذلك خلال فترة معينة. وبمعنى أدق فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة هي عملية مجتمعية واعية وموجهة لإيجاد تحولات هيكلية تؤدي إلى تكوين قاعدة، وإطلاق طاقة إنتاجية ذاتية، يتحقق بموجبها تزايد منتظم في متوسط إنتاجية الفرد وقدرات المجتمع ضمن إطار من العلاقات الاجتماعية يؤكد الارتباط بين المكافحة والجهد، ويعمق متطلبات المشاركة مستهدفا توفير الاحتياطات الأساسية، وموفرا لضمانات الأمن الفردي والجماعي والقومي[1].

وبهذا تكون أي تنمية اقتصادية واجتماعية كاملة، تجمع بين التغيرات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية، غير أن تحقيق التنمية بهذا المفهوم، يتطلب اتخاذ سياسات تنموية محددة الأهداف مرسومة المعالم، تروم إعطاء دفعة قوية للاقتصاد الوطني، حتى يتحرر من قيود التخلف، في اتجاه نهضوي حداثي يرضي الاشتراطات والمواصفات، لتكون هذه التنمية جديرة بالتدشين.

ويتطلب أخذ طريق التنمية في صورتها هذه، استحداث استثمارات ضخمة في مجال البنية التحتية التي تفتقر لها غالبية الدول النامية على جميع المستويات إلا أن خلق استثمارات عمومية على هذه المستويات يحتاج إلى أموال كافية قادرة على استيعاب كل الإكراهات.

وليس بخاف ما للأموال العمومية من أهمية وتأثير على الواقع الاقتصادي والاجتماعي وحتى السياسي، فأي نشاط مرفق أو جهاز عمومي يتوقف وجوده أو استمراره على الجانب المالي[2]. وقد سئل ” تريفوس ” من قبل لويس الثاني عشر عن السبل الكفيلة للانتصار خلال هذا الرد يتبين أن المال يشكل عصب الحياة ومفتاح فك ألغاز وأسرار الانتصارات ذلك لأنه الوثر الحساس الذي أدى إلى تغييرات هامة عبر التاريخ، وتاريخه وطيد العلاقة بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، وخصوصا التاريخ السياسي لمختلف الأمم الشعوب.

غير أن الأموال العمومية تعاني ندرة في الإيرادات العمومية، التي أصبحت تتقلص يوما بعد يوم، وبالمقابل تتوسع الحاجيات للنفقات العمومية، التي تضطر معها الدولة إلى الاقتراض الخارجي أو الداخلي، حيث أن المديونية الداخلية تصل إلى 198 مليار درهم في متم سنة 2002 أي بنسبة 48 % من الناتج الداخلي الإجمالي، في حين أن المديونية الخارجية في نفس السنة تعد ب 96 مليار درهم وعلى هذا الأساس، أي ما يعادل 72 % من الناتج الداخلي الإجمالي[3] وهو المبلغ الذي يؤثر بقوة على خزينة الدولة نظرا لمخاطر أسعار الفائدة المتغيرة.

وإذا كانت الأموال العمومية تعاني ندرة خانقة على مستوى الإيرادات العمومية، فإن الضرائب باختلاف أنواعها تعتبر المغذي الأساسي والرئيسي لخزينة الدولة، إذ نلاحظ أن الدخول الضريبية تمثل أكثر من نصف مجموع موارد الميزانية العامة، وهي تسعف بالتالي الحكومة في القيام بدورها المطلوب في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، وهو ما عظم دور الضريبة لتصبح من الموارد العامة الأساسية في الدولة الحديثة، نظرا لما تؤدي إليه من وضع نشاط الأفراد في خدمة المجتمع وصيرورة الدولة، مع تحري العدالة في فرضها وتحصيلها حتى لا يلحق ضرر على إثرها يؤدي إلى التأثير السلبي على الإنتاج القومي للدولة.

وبالحديث عن المال العام باعتباره الجانب الأكثر إثارة للانتباه نستحضر مصدره الأصلي أي المواطن ضحية الاقتطاع الضريبي[4]، وعلى هذا الأساس لا يفصل بين التاريخ العام للإنسانية وتاريخ الضريبة، وان الثورات والحروب التي عرفتها الكرة الأرضية، جاءت نتيجة تاريخ طويل من الظلم والطغيان والطبقية والامتيازات، وان لواء هذه الثورات حملت منها الأموال العمومية على شكل ضرائب نصيب الأسد.

فالضريبة فريضة جبرية يلتزم بأدائها للدولة تبعا لمقدرته بغض النظر عن الخدمات التي تقدمها له السلطات العامة، فهي وسيلة قانونية لتوزيع الأعباء العامة سنويا فيما بين الأفراد حسب طاقتهم، فهي ذلك المبلغ الذي تحصله الدولة بما لها من حق السيادة من دخول الأفراد ولا يقتصر أداء الضريبة على رعايا الدولة بل يشمل الأجانب سواء الموجودين بإقليمها أو غير المقيمين به، وذلك حسب ما يمتلكونه من أرباح منه.

ورغم وجود الضريبة منذ القدم، فإنه من الصعب تحديد الفترة الزمنية لظهورها، ففي عهد الإمبراطورية الرومانية كان تقدير النفقات يتم بمقتضى مرسوم إمبراطوري وكانت المساهمة تؤدي عينا، ولم يتحول أداء الضريبة إلى نقد إلا في القرن الرابع الميلادي، كما عرفت الحضارة الأوروبية بدورها ضرائب متنوعة وكثيرة حاولت تجميعها فيما بعد في إطار الضريبة على الدخل عام 1646[5].

وفي العالم الإسلامي، حاول الشارع الإسلامي وضع أصول جوهرية لسياسة مالية، حيث بين الموارد التي يجب أن تؤدي إلى بيت المال لينفق منها على كافة المصالح العامة: كالزكاة والخراج وكضرائب مباشرة، والعشور كنوع من الضرائب غير المباشرة.

وفي هذا الصدد، سيطرت على الفكر المالي نظريتان أساسيتان تتمثل الأولى في ” نظرية العقد الاجتماعي ” التي سادت خلال الفكر المالي التقليدي مفادها وجود علاقة تعاقدية بين الدولة وبين المكلفين بها تقوم على أساس مبدأ المنفعة أو الحماية ومن رواد هذه النظرية نذكر آدم سميت Adam Smith وهوبز Hobbes أما الثانية فتتمثل في ” نظرية التضامن ” أو ” نظرية الإكراه ” كما يسميها البعض وتقوم على أساس التضامن والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع وذلك في إطار مقاربة سوسيولوجية لمبدأ شرعية الضريبة.
وبهذا أصبح للضريبة دورا هاما وأساسيا في النظم الاقتصادية والاجتماعية، وأضحت مؤسسة ذات استقرار مستمر وذات وجود ثابت ودائم. فبعد الدور التمويلي أو البعد المالي الذي يتمثل في تمويل النفقات العمومية عن طريق الإيرادات الضريبية، هذه الوظيفة الكلاسيكية للجباية تنسجم مع دور الدولة الدركي[6] حيث كان توازن الميزانية هو القاعدة الذهنية في المالية العامة لتلك المرحلة، وقد عبر Jèze عن هذا بقوله” هناك نفقات عمومية يجب تغطيتها بواسطة الضريبة “.

إلا أن تطور دور الدولة، من دولة حارسة إلى دولة متدخلة تطور معه دور الضريبة إذ لم تصبح مجرد أداة بيد الدولة لتمويل وتغطية التكاليف العمومية، بل أضحت وسيلة لتحقيق أهداف صبغة اقتصادية واجتماعية.

وبهذا أصبحت للضريبة دور جد مهم في التنمية، وهذا ما يؤكدهGaudemet [7] الذي يعتبر أن تغطية النفقات العمومية من أهم أدوار الضريبة لكن ليس الهدف الوحيد، إذ هناك الدور الاقتصادي والاجتماعي، ومن هنا نقول أن للضريبة ثلاث وظائف أساسية تتجلى الأولى في تمويل خزينة الدولة والثانية في كونها وسيلة للتأثير على الأنشطة الاقتصادية، أما الثالثة فتظهر من خلال كونها أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

فالضريبة تعد، في ظل التطورات الاقتصادية والسياسية للدولة الحديثة، أداة من أدوات السياسة المالية. فلم يعد يقتصر دورها على تحقيق الهدف المالي أو هدف الحصيلة، الذي كان هو الأساس في فرضها منذ القدم، بل اتسعت أهدافها لتشمل أهدافا اقتصادية واجتماعية أخرى.

وهكذا فالحديث عن الضرائب هو حديث عن واحد من أصعب القضايا في الفكر السياسي، الاقتصادي والإداري، ليس في كونها مجرد مورد أساسي للخزينة العامة، بل لاعتبارها الأساس الحقيقي في تحديد دور الدولة وحدوده، ومكان الفرد ومسؤوليته. وتتضح هذه الأهمية في كون أن أي إصلاح مالي هو ملازم لكل إصلاح سياسي وتوجه ديمقراطي حقيقي وحداثي سواء على مستوى وضع الضوابط والقيود المتعلقة بأساليب فرض الضرائب وتحصيلها أو فيما يهم تدبير الإنفاق العام والرقابة عليه.

من كل ما تقدم، يتضح أن الإيرادات الضريبية تحتل مكانة رئيسية ليس فحسب من خلال دورها التمويلي لتوجيه الدولة، ولكن لكونها أيضا آلية سياسية لتوزيع الأعباء ووسيلة لتوجيه الاقتصاد، والضريبة في العصر الحديث تقابلها خطورة شديدة تعرقل دورها على جميع المستويات، وتربك بالتالي السياسة الضريبية، وتتجلى هذه الخطورة في الجرائم المالية بصفة عامة والجرائم الضريبية بصفة خاصة.

وتكمن الأهمية البالغة لهذا الموضوع، في أن الجرائم الضريبية وعلى رأسها التهرب الضريبي، كلها تتصل بنطاق المال العام وتشجيع الاستثمار، فالموارد العامة للدولة تهم المجتمع وتعني كل فرد فيه على حد السواء، لأنها تجمع في شكل ضرائب ورسوم بقصد إنفاقها في وجوه الصرف العام وأداء الخدمة العامة، حيث أن هذه الجرائم تعرض كيان الدولة الاقتصادي للخطر[8].

هدا مع العلم أن الجرائم المالية بصفة عامة والجرائم الضريبية بصفة خاصة، على اختلافها هي الأكثر سوءا على برامج التنمية والتقدم الحضاري لأي بلد، خاصة مع المستجدات التي شهدها العالم على الانفتاح الاقتصادي والثورة التكنولوجية، والتي زادت بدورها مع انتشار التجارة الالكترونية وعولمة الاقتصاد وبالتالي عولمة الجريمة[9].

هدا وتتصدر ظاهرة التهرب الضريبي رأس قائمة الجرائم الضريبية التي تشكل خطرا مباشرا على خزينة الدولة واقتصاد البلاد، باعتبار أن موارد الجبايات هي المصدر الأساسي الممول لبرامج التنمية.

وظاهرة التهرب الضريبي في تزايد مستمر، باعتبار الضريبة تمثل عبئا إضافيا على أي ملزم بها، وبالتالي فهي التزام غير مرغوب فيه، خاصة في ظل غياب الوعي الضريبي الكافي بدورها وهدفها في أي مجتمع.

فمنذ أن عرفت النظم السياسية المختلفة نظام الضريبة، كاقتطاع مالي يفرض من جانب الدولة على الفرد جبرا، سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا، مستخدمة في ذلك سلطاتها ومالها من سيادة، دون أن يحصل على مقابل أو منفعة خاصة ومباشرة، وظاهرة التهرب الضريبي، بصورة عامة، في تزايد مستمر نظرا لكون الضريبة تمثل عبئا إضافيا على أي مكلف بها، وخاصة في ظل غياب الوعي الضريبي الكافي، دون أن يحصل على منفعة خاصة وفورية مقابل أدائها.

تبييض الأموال Money Laundering blanchissementولقد نشأت هذه الظاهرة أولا على المستوى الوطني، لذا كانت التشريعات الداخلية سباقة إلى إدراك خطورتها على الاقتصاديات الوطنية، لكون الضريبة تعد من أهم مصادر الإيرادات العامة للدولة والتي تساعدها على مواجهة العديد من المشاكل الاقتصادية التي قد تتعرض لها من أن لأخر. وتبلور هذا الإدراك في صورة تشريعات وطنية تهدف إلى سد المنافذ التي يحاول من خلالها الملزم الإفلات من أداء الضريبة أو التخفيف من عبئها، سواء بتقرير عقوبات وجزاءات جنائية أو إدارية للقضاء على هذه الظاهرة.

إن وجود التهرب الضريبي وتطوره على مستوى آلياته فيما يتعلق بإشكاله وصوره وتوسعه ليشمل جميع الضرائب بنسب متفاوتة، يعود ذلك دون شك إلى اختلالات عميقة جدا، لم تكن سببا رئيسيا في ميلاد الظاهرة فحسب، بل كانت التربة الخصبة والمناخ الملائم لتزايد أنواعها، وارتفاع المبالغ المالية المفوتة عن خزينة الدولة، وإعاقتها لأية سياسة اقتصادية واجتماعية.

ويعتبر التهرب كشكل من أشكال مقاومة الضريبة وكسلوك تتحكم فيه المعطيات الداخلية والمتعلقة بنفسية المكلف، والمعطيات الخارجية المرتبطة بارتفاع الضغط الضريبي وغياب العدالة الجبائية أحيانا، وضعف الإدارة الجبائية أحيانا أخرى[10] الشيء الذي يجعل من المواطن أكثر قابلية للتجاوب مع هذه الممارسة غير المكلفة للملزم من الناحية المادية.

وإن كانت العوائق الفاعلة في عدم تحقيق الوسائل الإدماجية للملزم داخل النظام الضريبي للأهداف المنشودة منها تتجلى على الخصوص في العلاقة الظاهرة التي يربطها الملزم بالمؤسسة المكلفة بالسهر على المجال، فإن الأهمية بل كل الأهمية هي للموقف من الجذور المسؤولة عن سلوكات الملزم اتجاه الإدارة.

بل على الخصوص الموقف من الضريبة الذي قد يصل إلى حد رفض مبدأ الخضوع لها جملة وتفصيلا، هذا الرفض الذي إن كان يتصل كل الاتصال بالارتباط الغريزي للملزم الضريبي بالملكية الخاصة، إلا أنه يرتبط بغض النظر عن نسبة إمكانات تحكم القيمين على المجال في هذه الغريزة، بمخلفات الإرث المخزني وطبيعة العلاقة التي ربطها الملزم مع جباة الضريبة عبر حقب من تاريخ المغرب من جهة. فالملزم لا يستوعب الضريبة إلا في إجباريتها، هذا الإجبار بدوره الذي لا يتفهمه إلا في إطار تمثله لسلطة المخزن حسب الموروث وحسب المعاش من علاقته مع التصور العام لمفهوم الدولة. ولعدم استيعابه اليوم بشكل عام بالأبعاد المرئية أو الخفية للضريبة.

وهكذا فإن الملزم لاعتبارات أن الضريبة تحرمه حسب تعبيرLambert من السعادة الفردية يميل للتقاعس عن الأداء[11]، فهي تحرمه من الاستهلاك والادخار الوسيلتين الأساسيتين للحياة، من تم فإن تهرب الملزم يجد سنده في الرغبة في الحفاظ على هاتين الوسيلتين.

لذلك فإن ظاهرة التهرب لعلاقتها أكثر بالجانب السيكولوجي لشخص الملزم فإنها ظاهرة عامة لدى كل الدول، غير أن الدول السائرة في طريق النمو كما يزعم Martinez تصل إلى نسب حادة، فأكثر من 80 % من المداخيل الضريبية التي تفترض أن تحصلها الدولة[12] قد لا يمكن جبايتها من قبل خزينتها العمومية.

وإذا كانت الضريبة تضطلع بدور بارز في تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين حقوق الخزينة العامة وحقوق الملزمين،وهي ترمي أيضا إلى تحفيز الادخار والاستثمار، ناهيك عما تحققه من استقرار وازدهار اقتصادي، دون أن ننسى دورها في تحقيق العدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الدخل، فإن ظاهرة التهرب الضريبي تقلب كل الموازين وتمس في الغالب، الهدف الأخير إذ من شأنها عدم تحقيق العدالة في توزيع الدخل بين الأفراد والدولة.

فالتهرب من الضريبة، بما يترتب عليه من نقل عبء الفرد الفعلي، وامتناع البعض عن دفعها، يؤدي إلى الإخلال بتوزيع الدخل وبمبدأ المساواة بين الملزمين في تحمل الأعباء العامة. كما أن للتهرب الضريبي سلبيات متعددة تمس مختلف نواحي الحياة: فانخفاض حصيلة إيرادات الدولة، كنتيجة حتمية له، من شأنه إضعاف فاعلية السياسات المالية التي تنتهجها الحكومة بغرض رفع معدل النمو والتحسين بالنسبة لتوزيع الدخول.

إذ لن تتحقق الأهداف، التي تحددها النظريات الرئيسية في الضرائب والنفقات للسياسات الحكومية، إذا انتشرت ظاهرة التهرب الضريبي في المجتمع وأصبحت هي القاعدة وليست الاستثناء.

ويتضح مما تقدم، أن التهرب الضريبي يؤثر بالسلب ليس فقط على الحصيلة الضريبية أو العدالة الضريبية أو توزيع الدخل، بل وكذلك على اقتصاد الدولة نفسها وقدرتها على الانتعاش الاقتصادي والتنمية الاقتصادية.

وتكمن الأهمية البالغة لهذا الموضوع، في كون الجرائم الضريبية وعلى رأسها التهرب الضريبي، كلها تتصل بنطاق المال العام وتشجيع الاستثمار، فالموارد العامة للدولة تهم المجتمع وتعني كل فرد فيه على حد السواء، لأنها تجمع في شكل ضرائب ورسوم بقصد إنفاقها في وجوه الصرف العام وأداء الخدمة العامة، حيث أن هذه الجرائم تعرض كيان الدولة الاقتصادي للخطر[13].

انطلاقا من كل ما سبق تظهر أهمية موضوع التهرب الضريبي، حيث نجد هذه الأهمية تتمثل في كون هذه الظاهرة أضحت تشكل محط اهتمام السلطات العامة نتيجة انتشارها في جميع الميادين، خاصة المجال الاقتصادي الذي يعتمد على الضرائب كوسيلة أساسية لتحريكه والرفع من عجلته، كما أن أهمية التهرب الضريبي تتوسع بشكل كبير في المجال الاجتماعي نظرا لكونه يؤثر على سياسة الدولة في تدبير الشؤون الاجتماعية التي تعتمد بدورها على الضريبة كأساس لتمويل ميزانية الدولة التي تجعل من الضرائب وسيلة لتمويل الإنفاق في المجال الاجتماعي.

وتأسيسا على ما سبق، فالتهرب الضريبي الذي هو مجموعة من الأفعال الاحتيالية والتدليسية التي يتم اقترافها بسوء نية وبطرق وتقنيات مختلفة من الملزم بالضريبة قانونا، قصد التخلص من الضريبة جزئيا أو كليا وهذه الوسائل الاحتيالية يستعملها المتملصون من الضريبة قصد تجنب أداء الضريبة للخزينة العامة التي تسهر على تحصيل الضرائب.

وهكذا إذن نجد التهرب الضريبي الذي يعتبر من بين الجرائم الاقتصادية بشكل عام ومن الجرائم الضريبية بشكل خاص، يسعى إلى خلق نوع من عدم التوازن المالي والجبائي بالنسبة للدول التي عمدت إلى تجريمه، ومن بين هذه الدول نجد المغرب الذي لم يقم بتجريمه واعتباره كجنحة معاقب عليها إلا بمقتضى قانون مالية 96- 97.

كما تظهر أهميته، في كونه لم يعد يقتصر على الجانب الوطني فيما يخص نطاق ارتكابه، بل أصبح ذو صبغة دولية لا يعرف حدودا جغرافية ولا حواجز وطنية، ويرجع سبب ظهور هذا النوع من التهرب إلى ارتباطه بالممارسة الاقتصادية الدولية، حيث فرض نفسه منذ نشأة التقسيم الدولي للعمل والترابط بين اقتصاد الدول المتقدمة من جهة، وبين اقتصاد الدول المتخلفة من جهة أخرى.

أهمية أخرى نلمسها من خلال تعقد مفهوم التهرب الضريبي، والذي أصبح يتخذ عدة أشكال فمن استغلال الثغرات القانونية إلى خرق المقتضيات القانونية والتحايل عليها، إلى ظهور تقنيات جديدة للتهرب خاصة على المستوى الدولي. ومما يزيد هذا التعريف تعقيدا هو الخلط بين التهرب الضريبي- بمفهومه الضيق- وبين الغش الضريبي، فرغم التعريفات الفقهية المختلفة التي أعطيت للتهرب الضريبي لازال هناك نوع من التضارب حول هذا المفهوم.

فلا ريب أن مصطلح التهرب الضريبي يثير غموضا وخلطا، خاصة وان مختلف التشريعات الضريبية لم توفر لهذا السلوك تعريفا دقيقا، وحتى بالنسبة لبعض الآراء التي تعرضت لمفهوم التهرب الضريبي سواء في الفقه أو القضاء قد بدا فيها من التضارب، ووقع بينها من التعارض، ما يعد دلالة على عدم وضوح المصطلح، ما يصبح معه لزاما تبسيط مفهوم التهرب الضريبي وبيان دلالاته وطبيعته، وذلك في إطار ربطه بموضوعه – الضريبة – .

غير أن النقاش يثور حول مكامن هذه الاختلالات :
– هل هي اختلالات في المنظومة الضريبية بنفسها، على مستوى نصوصها القانونية : كغموضها تعقيدها ؟
– أم هو ارتفاع للضغط الضريبي ؟ ليترجم إلى مقاومة ضريبية ؟
– أم غياب الشفافية في الإنفاق العام وتسيبه، أو بالأحرى تبذير الأموال العمومية، دونما رقابة فعالة ؟
– أم هي اختلالات تتعلق بتدبير الشأن الجبائي؟ على اعتبار أن الشأن الجبائي ونظرا لحساسيته يقتضي فنا ” منجماناتيا ” دقيقا ومحددا ومتناسقا، يرتكز على عدة مقاربات تتداخل لتتكامل فيما بينها، كما يتطلب هذا التدبير ” المنجماتي ” أطر كفئة قادرة على الإبداع والتجديد والتحديث والتكيف حسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية بكيفية مستمرة ودائمة.
– أم أن الخلل يرجع إلى البنية السوسيواجتماعية، سواء فيما يتعلق بالثقافة السائدة، ومدى تكريسها في الحياة اليومية لمكونات المجتمع ؟
-أم أن الخلل يرجع إلى غياب سياسة جبائية مبنية على إستراتيجية دقيقة واضحة الأهداف مرسومة المعالم محددة الآليات ؟

تأسيسا على هذه التساؤلات أو الإشكاليات الفرعية تبرز معالم الإشكالية المحورية والجوهرية لظاهرة التهرب الضريبي، التي سيحاول هذا البحث إيجاد أجوبة أولية لها وإعطاء اقتراحات بديلة:

فكيف تنعكس ظاهرة التهرب الضريبي على مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية؟، نظرا لكون هذه الظاهرة تتسبب في انخفاض الموارد الجبائية التي تشكل عنصرا أساسيا على مستوى الادخار والاستثمار، إلى جانب انعكاساته على السياسة الاقتصادية خاصة فيما يتعلق بتوجه الاقتصاد الوطني، إضافة إلى تسببه في انخفاض مستوى الإنتاج وانتشار البطالة والفقر ثم مساهمته في التوزيع غير العادل للدخول والثروات بين مختلف مكونات المجتمع وهو ما يعيق تحقيق عدالة اجتماعية.

واعتبارا لذلك فإن تقييم حجم تأثير التهرب الضريبي وانعكاساته على الفعالية الاجتماعية ومعها الفعالية الاقتصادية، الفعالية في استخدام القدرات والإمكانيات المتاحة في المنظمة لتحقيق الأهداف العامة والخاصة، من حيث إدارة الوقت وسرعة الانجاز وإدارة النوعية وتحفيز المهارات البشرية ودفعها إلى الإبداع والابتكار، مما يحقق الاستمرار والنمو والتطوير الدائم[14].

كما أن الفعالية لن تتحقق إلا في إطار استثمار فعال لابتكارات التكنولوجيا الحديثة، وهذا التحدي يتطلب إدارة نموذجية واعية[15]، ترغب في التغيير العلمي والاستفادة منه، إيمانا منها بضروراته الأكيدة للاستثمار والنهوض وزيادة الإنتاجية وتعظيم ربحية المؤسسات، وتدعيم قدراتها التنافسية.

ستشكل لا محالة أرضية لإصلاح شامل وكامل للسياسة الجبائية ووضعها في مسارها الصحيح، خاصة وان جل التحاليل والدراسات أتلبثت مدى محدودية هذه السياسة وأكدت ضرورة الإسراع بإصلاحها في اتجاه متسم بالترشيد والعقلنة.

وسنعتمد في مقاربتنا لهذه الإشكالية منهج تحليلي- نقدي متعدد المقتربات بحيث سنعمل على مساءلة جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والتقنية والقانونية، مع اعتماد تقييم لهذه الانعكاسات من خلال اللجوء إلى منهج إحصائي يكشف الواقع الخفي لهذه الظاهرة، والتي من شأنها أن ترفع اللبس والغموض عن كثير من الخفايا التي يحجبها قناع ظاهرة التهرب الضريبي، والوقوف على الاختلالات التي تعيق تحقيق فعالية اجتماعية وفعالية اقتصادية شاملة.

وتفصيلا لما سبق، ارتأينا تقسيم هذا البحث إلى فصلين رئيسيين مع محاولة إعطاء تحليل لمختلف الآليات الكفيلة لمواجهة هذه الظاهرة وذلك على طول هذا البحث:
* الفصل الأول : سنعالج فيه إشكالية التهرب الضريبي والفعالية الاجتماعية مع الوقوف على مفهومه وأشكاله ومختلف تمظهراته، وآثاره المالية والاجتماعية ومدى تأثيرها على مطلب ” العدالة الاجتماعية ” ؛
* الفصل الثاني : سنخصصه لإشكالية التهرب الضريبي والفعالية الاقتصادية، وانعكاسات هذه الظاهرة على السياسة الاقتصادية للبلاد، خاصة تأثيره على متغير الاستثمار الذي يعتبر مطلب” الفعالية الاقتصادية “.
إشكالية التهرب في القانون الضريبي المغربي– محاولة في التحليل –
___________________________________________________________
[1] – أحمد حليبة، ” التهرب الضريبي وانعكاساته على التنمية بالمغرب” ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، أكدال ، الرباط ، 2007 – 2008 ص : 3.
[2] – منار المصطفى،” واقع الأموال العمومية بين ضعف البرلمان وهيمنة الحكومة “، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، العدد 80، ماي- يونيو 2008 ، ص :69.
[3] أحمد حليبة ، “التهرب الضريبي وانعكاساته….. ” م س ، ص : 4.
[4] – منار المصطفى :” واقع الأموال العمومية… “، م س ، ص : 69.
[5] جواد العسري، “علاقة إدارة الضرائب المباشرة بالملزمين وانعكاساتها”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامسن كلية الحقوق ،اكدال – الرباط، 2000-2001 ، ص : 1.
[6] -ا محمد اقزيبر ،” موقع الاستثمار داخل السياسة الجبائية بالمغرب من خلال مكونات الإصلاح الجبائي العام”، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في العلوم السياسية ، جامعة الحسن الثاني ، عين الشق كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، الدار البيضاء ، 1998- 1999 ص : 6.
Gaudemet P.M et Moliner.J ,” Finances Publiques”, Montchrestien, 1992 p : 92. -[7]
[8]- صخر عبد الله الجنيدي، “تحو قانون عقوبات ضريبي يواجه تحديات العصر”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، 2004، ص:10.
[9]. ادريس حوات،” مخاطر الجرائم المالية وآثارها على الاقتصاد وبرامج التنمية”، قضايا الجرائم المالية من خلال اجتهادات المجلس الأعلى، مطبعة الأمنية، الرباط، 2007، ص: 184.
[10] – جواد لعسري ، “علاقة إدارة الضرائب المباشرة بالملزمين وانعكاساها”، م س ، ص: 16.
[11] – نجاة العماري ،” المنازعات الضريبية” ، أطروحة دكتوراه الدولة في القانون العام ، جامعة الحسن الثاني ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ،عين الشق الدار البيضاء ، بدون سنة، ص : 416.
[12] – نفس المرجع أعلاه.
[13] – صخر عبد الله الجنيدي، “تحو قانون عقوبات ضريبي……”، م.س، ص: 10.
[14] – موسى خليل، علم الادارة ، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، 2005، ص: 8.
[15] – موسى خليل، علم الإدارة، م.س، ص: 9.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *