الفقرة الثانية: آثار التهرب على العدالة الاجتماعية
يمثل النظام الجبائي انعكاسا للبنيات الاجتماعية ومدى وعي الوسط الاجتماعي بأهمية الجبائية وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية، ويعتبر من العوامل المساعدة على تقبلها والاقتناع بالجانب العادل في الجباية، ولكن الواقع العملي للقانون الجبائي يعكس وضعا مغايرا نظرا للتمييز الحاصل بين مختلف الملزمين اتجاه الجباية مما يكرس نزعة التباعد والتنافر بين الملزمين والإدارة الجبائية [1].

أولا: مفهوم العدالة الضريبية
إن المشرع الجبائي يسعى دائما إلى تحقيق العدالة الجبائية والتي تتحقق عن طريق توزيع العبء الضريبي على كافة الشرائح الاجتماعية لأنه لا وجود لواجب ضريبي دون جباية عادلة” فيرى البعض أن ضمان العدالة الجبائية يتم عن طريق دفع المكلفين المتشابهين في الإمكانيات نفس القدر من الضرائب والرسوم وان يدفع المكلفون ضرائب تتضاعف بتصاعد إمكانياته.

فالعدالة الضريبية لا تتحقق إلا إذا تحقق نظام ضريبي يجعل كل فرد يساهم في النفقات العامة حسب مقدرته التكليفية، أي ما يحصلون عليه من دخل وما يمتلكون من مال[2].

فإذا كانت العدالة الجبائية من بين الأهداف الأساسية التي يسعى الفرض الجبائي إلى تحقيقها فإن جل التشريعات الجبائية المطبقة سواء في الدول المتقدمة أو في الدول السائرة في طريق النمو، تنص من الناحية النظرية على الارتباط القائم بين المردودية والعدالة الجبائية وعلى ضرورة التوفيق بينهما.

ويجد مفهوم العدالة الجبائية أصله في الفصل 13 من تصريح حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 الذي ينص على إلزامية الاقتطاع الجبائي حسب القدرة التكليفية للمواطنين، ونفس الشيء ينص عليه الدستور المغربي[3] في فصله الخامس على أن: ” جميع المغاربة سواء أمام القانون” ويؤكده الفصل 17 منه على أن ” على الجميع أن يتحمل كل على قدر استطاعته التكاليف العمومية التي للقانون وحده الصلاحية لإحداثها وتوزيعها حسب الإجراءات المنصوص عليها في الدستور”.

ويعتبر مبدأ المساواة الجبائية أحد المكونات الرئيسية لمفهوم العدالة، فباسم العدالة الجبائية تم إقرار مبدأ المساواة أمام الضريبة، وعمومية الاقتطاع الجبائي.

فالعدالة الضريبية تشكل حالة معيارية، قد تكون ممكنة أو غير ممكنة بفعل النظام الجبائي القائم، بخصوصياته البنيوية والتاريخية والثقافية، كما أنها تهم مبدأ وجود جبائية ذاته وآليات حسابها واسترجاعها وإمكانية الطعن فيها، وبالمقارنة مع هذه الحالة المعيارية تكون مختلف مكونات المؤشر دالة على مدى التقدم أو على مدى التراجع في مجال توسيع نطاق الإنصاف الجبائي.

وفي إطار العدالة الضريبية يمكن التمييز بين شكلين من العدالة:

1- العدالة العمودية:
وتقتضي التشخيص والتصاعد الجبائي عن طريق تحميل المداخيل المرتفعة عبئا اكبر من المداخيل المنخفضة، أي معاملة الملزمين ذوي الوضعيات الاقتصادية غير المماثلة معاملة غير مماثلة ؛

2- العدالة الأفقية:
ويقصد بها إخضاع أو مماثلة الملزمين ذوي الوضعيات الاقتصادية المماثلة معاملة مماثلة.

إن وضعية العدالة الجبائية تختلف حسب الظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية في كل بلد، كما يثير الكثير من النقاش والجدل بسبب نسبيته، وعلى العموم تبقى الضرائب العادلة هي تلك التي تتبنى أحكاما وقواعد فنية خالية من الغموض والتعقيد القانوني والقائمة على تشخيص السعر والوعاء وعلى مرونة الاستخلاص[4].

والتي تستهدف كأداة للحد من الفوارق الاجتماعية، وبذلك فالقواعد الفنية التي تحكم الجباية من وعاء وأسعار وإعفاءات كلها عوامل تساعد على تشخيص الجباية هل هي عادلة أم لا. ولا تكفي هذه القواعد لوحدها بل لابد بالإضافة إلى ذلك من تشخيص واقع الحال ليبقى المعطى السوسيولوجي محددا أساسيا لمدى عدالة جباية ما من عدم عدالتها.

ثانيا: العدالة الاجتماعية في ظل التهرب
لم تعد ظاهرة التهرب الضريبي مشكلة مالية فقط، ولكنها أصبحت قضية ذات أبعاد اجتماعية، خاصة إذا علمنا أن العدل في مجال التحصيل يستند على ركيزة أساسية وهي المساواة أمام تحصيل الضريبة بين الملزمين، لكن نصوص التشريع القانوني مهما بلغت دقتها وعدالتها يبقى نجاحها رهينا بمدى وكيفية تطبيقها [5].

وفي هذا الإطار فإن الحديث عن العدالة الاجتماعية في ظل التهرب يبقى أمرا صعب المنال، خاصة في ظل مساهمة هذه الظاهرة في تكريس الفوارق الاجتماعية من خلال تقليص فرص الشغل وانتشار البطالة، ففي تقرير صادر عن مديرية الإحصاء بالرباط برسم الفصل الأول من سنة 1999 تشير الإحصائيات إلى أن عدد العاطلين عن العمل على المستوى الوطني بلغ مليون و 443 ألف عاطل لينتقل هذه النسبة سنة 2001 إلى 20.3 % وحسب توقعات مديرية الإحصاء التابعة لوزارة التخطيط والتوقعات الاقتصادية فقد ترتفع هذه النسبة إلى 29 % سنة 2010 ما لم يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لإيقاف هذا النزيف.
رسم بياني رقم 6: نسبة البطالة ما بين سنتي 2005 و2006

نسبة البطالة ما بين سنتي 2005 و2006

Source: Revue AlMaliya, Numéro 39, Septembre 2006, p: 59.

فصحيح أن الحكومة وللحد من آثار البطالة وذلك بإحداث صناديق في إطار ميزانيات الدولة كصندوق النهوض تشغيل الشباب وصندوق تمويل نفقات التجهيز ومحاربة البطالة الذي حل محله فيما بعد صندوق دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية [6] إلا أن نسب البطالة تزايدت نظرا للمبالغ المخصصة لها، والمنحى التالي يشهد على ذلك[7]:

رسم بياني رقم 7: نسب تمويل نفقات صندوق محاربة البطالة بالمغرب بمليار درهم ما بين سنتي 2004- 2009

مويل نفقات صندوق محاربة البطالة بالمغرب

المصدر: قوانين المالية على التوالي: 2004- 2005- 2006- 2007- 2009.

هكذا نلاحظ أنه رغم تنامي البطالة بقيت مبالغ صندوق النهوض بتشغيل الشباب محدد في 140 مليون درهم أكثر من ثلاث سنوات كما أن صندوق دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تراجع من مليار و500 مليون درهم سنة06 20 [8] إلى 750 مليون درهم حسب القانون المالي لسنة 2007، ليرتفع إلى مليارين و250 مليون درهم سنة [9]2009.

وهذا يدل بالدرجة الأولى على إكراهات ندرة الأموال العمومية نتيجة حجم المبالغ المالية على خزينة الدولة بسبب التهرب الضريبي الذي يجعل الدولة تفقد ملايين الدراهم قد تصل سنويا ما بين 80 و 90 % من الإيرادات الجبائية بسبب التهرب الضريبي ( كما سبق وأشرنا).

كما يؤثر على قدرة الحصول على سكن اقتصادي إذ تتزايد مدن الصفيح وينتشر السكن العشوائي وذلك لسد العجز المالي الذي يتجاوز 750 ألف وحدة، مما دفع ب 20 % من السكان الحضريين والسكان القرويين المحايدين للمدن يعيشون في بنايات قصديرية أو ترابية وذلك من بناء 90 ألف سكن سنويا[10].

هذا إلى جانب انعكاس التهرب الضريبي على السلم الاجتماعي من خلال تأثيره على مستوى التعليم إذ يتجاوز معدل الأمية 55 % في المغرب[11]، كما أن مستوى التعليم بكل المستويات يتراجع ويتدهور سنويا لعدة إكراهات منها قلة النفقات المخصصة للاستثمار في التعليم من حيث البنيات التعليمية وتجهيزها.

إضافة إلى أن نقص الإيرادات العامة جعلت الدولة غير قادرة على الوفاء بسياسة التأمين الإجباري عن المرض ونظام المساعدة الطبية لفائدة الفئات السكانية الضعيفة اقتصاديا، فالاستشفاء لم يعد يخضع لمبدأ مجانية الصحة العمومية في بلد يعيش أغلبية سكانه على عتبة الفقر.

ولهذا فإقرار العدالة الضريبية هو سبيل من بين سبل أخرى تساهم في التخفيف من التهرب الضريبي، فالممارسات التي تتسم بالتمييز بين الملزمين بالضريبة تزيد من حدة عدم عدالة الضريبة خاصة إذا كان أكثر المتعاطين للتهرب هم أصحاب الدخول الكبيرة وهذا ما أكده جلالة الملك الراحل الحسن الثاني بأن ” الأغنياء لا يدفعون الضرائب المستحقة عليهم، لأن المغربي الغني يتهرب من الضرائب “[12].

إن العدالة الجبائية ليست لغزا غامضا أو هدفا عسيرا المنال، فالدولة والجماعات المحلية تعلمان على وجه الدقة جميع العوامل المؤثرة على تحقيقيها[13]، وتعرفان طبيعة الالتزام الجبائي الملائم للعدالة الاجتماعية، ولكن عدم التطبيق الفعلي لهذه العدالة يكون بسبب عدم وجود البيئة أو المناخ السياسي الملائم لضمان تحقيق العدالة الجبائية، ويتمثل ذلك في غياب الإرادة السياسية للقيادة صاحبة القرار، خاصة إذا كانت تلك القيادة وأنصارها هم من يمثلون أصحاب المقاولات الكبرى والدخول العالية.

ومطلب العدالة الضريبية هو أساس لترسيخ الوعي الضريبي كما أن ترشيد النفقات العمومية لن يؤدي بدوره إلا إلى دعم الوعي الضريبي فالمجهودات التي تبدلها الدولة أكثر ما يمكن من العائدات الجبائية يجب أن يقابلها مجهودات أكبر في ترشيد النفقات العمومية وعقلنتها لتجنب التملص الجبائي.

ذلك أن ترشيد النفقات العمومية يشكل مشكلا حساسا قد يؤدي إلى غياب المواطنة الجبائية، وفي ظل التهرب الضريبي وتأخر الدولة في القيام والوفاء بالتزاماتها خاصة من خلال محاربة هذه الظاهرة التي أصبحت تنعكس سلبا على جميع المستويات قد يجعل الإخلاص في المواطنة يهتز ثباته، وبالتالي يبقى أول التزام على المواطن تجاه وطنه انخراطه في تحمل التكاليف العامة وهي أعباء عامة دستورية.

وكما جاء في خطاب جلالة الملك[14]:” المواطنة الحقيقية ستبقى ناقصة وصورية وهشة ما لم يتم توطيدها بمضمون اقتصادي واجتماعي وتحصينها بروح أخلاقية “.

ونظرا للآثار السلبية للتهرب على المجالين المالي والاجتماعي فإنه من الضروري أن نبحث عن الوسائل الفعالة والملائمة للقضاء على الآفة، والقصد من كل آلية هو تحقيق مصلحة على المستوى الضريبي، أو دفع مفسدة ولهذا كان لابد من الإبداع في التنقيب عن الوسائل الجوهرية الكفيلة بتحقيق تدبير ” منجمانتي ” للشأن الضريبي، تأسيسا للقضاء على أو حتى التخفيف من ظاهرة التهرب الضريبي وهذا موضوع المطلب الثاني .
span style=”color: #008000;”>المطلب الأول: آثار التهرب على التوازنات المالية والعدالة الاجتماعية
المبحث الثاني: الآثار المالية والاجتماعية للتهرب الضريبي
الفصل الأول: التهرب الضريبي والفعالية الاجتماعية
إشكالية التهرب في القانون الضريبي
_____________________________________________________
[1] – بلقاسم بوطيب، كريم لحرش ، “النظام الجبائي المحلي على ضوء القانون رقم 06 – 47″، طوب بريس، الرباط، 2008 ص: 91.
[2] – نفس المرجع أعلاه
[3] – الدستور المغربي ، لسنة 1996.
[4] – بلقاسم بوطيب ، كريم لحرش، “النظام الجبائي المحلي ..”، م. س ، ص: 94.
[5] – عبدالرحيم حزيكر، “إشكالية تحصيل الضرائب بالمغرب محاولة في التأصيل والبحث في سبل تحقيق التوازن بين امتيازات إدارة التحصيل وضمانات الملزم”، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق ، جامعة الحسن الثاني كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الدار البيضاء، 2003-2004 ، ص: 285.
[6] – انظر قوانين المالية لسنوات المالية 2004 – 2006 – 2007
[7] – هذه النسب مأخوذة من مرجع أحمد حليبة، “التهرب الضريبي وانعكاساته…” ، م س ، ص 176.
[8]- Dahir n 1-05-197 du 24 kaada 1426(26 decembre 2005) portant promulgation de la loi de finances N 35-05 pour l’année budgetaire 2006, Bulletin officiel N 5382, p: 1148.
[9] – ظهير شريف رقم 147- 08- 1 صادر في 2 محرم 1430(30 ديسمبر 2008) بتنفيذ قانون رقم 08- 40 للسنة المالية 2009، الجريدة الرسمية عدد 5695، ص: 4613.
[10] – فحسب تقرير بنك المغرب لسنة 2005 أكد على ارتفاع معدل البطالة على المستوى الوطني من 10.8 % سنة 2004 إلى 11% سنة 2005 وتزايد من 3.2 إلى 3.6 في الوسط القروي في حين بقي معدل البطالة في الوسط الحضري في نسبة 18.3 %.
[11] – راجع مداخلات ندوة الاختبارات الاقتصادية والاجتماعية من خلال مشروع قانون المالية 2003 بتاريخ 15 نونبر 2002 بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي أورده: أحمد حليبة، م.س، ص: 180.
[12] – حديث جلالة الملك الراحل الحسن الثاني لبرنامج 7/7 بالقناة التلفزية الفرنسية الأولى ( TF1) منشور بجريدة العلم بتاريخ 18 ماي 1993 عدد 15627 أورده عبدالرحيم حزيكر،” اشكالية تحصيل الضرائب بالمغرب….”، م س ، ص: 285.
[13] – بلقاسم بوطيب ، كريم لحرش ، “النظام الجبائي المحلي …”، م س ، ص: 96.
[14] – مقتطف من خطاب جلالة الملك محمد السادس ، بمناسبة الذكرى السادسة لاعتلائه العرش، انظر جريدة العلم عدد 153 20 الأحد 24 جمادى الثانية 1426 الموافق ل31 يونيو 2005.