من أجل تدخل عمومي فاعل في ميدان التدبير العمراني

Spread the love

 من أجل تدخل عمومي فاعل في ميدان التدبير العمراني – الفقرة الثانية:
مما لا شك فيه، أن التدخل العمومي في ميدان التدبير العمراني تشوبه عدة اختلالات تم الوقوف على بعضها والمتمثلة بالأساس بالعراقيل التي يطرحها العقار والإكراهات الناجمة عن هشاشة التدبير الإداري وضعف المراقبة وغيرها.

ورغم المجهودات المبذولة في هذا الصدد، فإن حجم التوسع الحضري الذي يعرفه المغرب يجعل هذه المجهودات دون مستوى الحاجيات، مما يحتم علينا التفكير في الاقتراحات الكفيلة ببلورة تدخل عمومي قادر على إيجاد الميكانيزمات القانونية ووضع المساطر والتحكم في التوسع العمراني بشكل عام. هذه الاقتراحات التي نصنفها إلى تلك التي لها علاقة بالعقار (أولا) وتلك التي لها علاقة بالمراقبة (ثانيا) ثم تلك التي لها علاقة بالتدبير الإداري (ثالثا).

أولا: على المستوى العقاري
تستدعي المشاكل التي تطرحها العقارات في ارتباطها بالتدبير العمراني إيجاد مقاربة واضحة، إذ لا يمكن تطوير آليات التدبير العمراني دون رفع العوائق التي تحول دون تطويع العقار لخدمة غايات التعمير.

وفي هذا الصدد سنطرح مجموعة من الاقتراحات التي غض الطرف عنها واضعو مشروع مدونة التعمير، حيث يتطلب الأمر إعادة النظر في المساطر والقوانين المنظمة للعقار المحفظ وغير المحفظ بتطويعه لخدمة التعمير ورفع الحواجز التي تجعله معيقا للاستثمار؛ وذلك عن طريق تشجيع عملية التحفيظ الجماعي ونهج سياسة مرحلية تتوخى تحفيظ جميع الأملاك الواقعة في المدارات الحضرية ومدارات التهيئة بصفة إلزامية كخطوة أولى في اتجاه تعميم التحفيظ دون أن ننسى ضرورة تبسيط مسطرة التحفيظ مقترحين في هذا الصدد إنجاز عملية التحديد والمسح في وقت وجيز بالاستفادة من التقنيات التي يتيحها نظام التموضع الشموليGPS.

إن طغيان طابع الشياع على الأملاك الخاصة، جعله في عداد عوائق التدبير العمراني والاستثمار خاصة إذا أضفنا إلى ذلك غموض المشرع في إطار قانوني 12.90 و25.90 من جهة، وسكوت مشروع مدونة التعمير عن هذا الأمر من جهة أخرى، الشيء الذي يستوجب توضيح العلاقة بين الملكية على الشياع والتجزيء والبناء في اتجاه يستحضر الدينامية الاقتصادية ويعتبر الأرض ثروة وطنية ذات وظيفة اقتصادية واجتماعية بالأساس.

لعل نجاعة هذا الاقتراح تتطلب في المقابل إيجاد قضاء متخصص في ميدان العقار والتعمير للبث السريع في المشاكل التي تعترض الاستغلال الفعال للعقار، حيث نقترح التمهيد لذلك بخلق وحدات للبحث على مستوى كليات الحقوق تجمع بين التعمير والعقار. وارتباطا بزمن العولمة، فقد حان الوقت لنسخ وإلغاء قانون 1973 المتعلق بالأراضي للشركات المجهولة الاسم والأجانب في حدود مساحات صغيرة[1]، خاصة إذا علمنا أن مرسوم 2004 المتعلق باللجنة الجهوية المكلفة ببعض العمليات العقارية[2] يمنح شهادة عدم الصبغة الفلاحية للأراضي بالنسبة إلى الأجانب الراغبين في إنجاز مشاريع استثمارية غير فلاحية.

من جهة أخرى، وتخفيفا للمنازعات العقارية، نقترح تحديث نظام العقود العدلية عبر إرفاق ملكية العقار بتصاميم طبوغرافية وكذا إقرار إجبارية العقود الرسمية في المعاملات العقارية تفاديا لما تخلفه العقود العرفية من مشاكل تزيد وضعية العقار تعقيدا وتعرقل تدبيره.

كما نؤيد في هذا الشأن الطرح الرامي إلى المساهمة المجانية للمجزئين العقاريين في الأوعية العقارية المخصصة لإحداث التجهيزات العمومية والمساحات الخضراء وفق معايير مضبوطة كمدخل لتوفير احتياطات عقارية للجماعات المحلية، كما نقترح في نفس السياق جعل التسلم المؤقت لأشغال تجهيز التجزئة بمثابة شهادة تخول للجماعة تملك الطرق والمرافق الجماعية والفضاءات الخضراء؛ وذلك تفاديا لما يطرحه عدم قيام الجماعة بالتسلم النهائي من مشاكل قد تفقد معها الجماعة ملكية عدة عقارات.

ثانيا: على مستوى المراقبة وزجر المخالفات
تدعو معاينة الحالة الراهنة لواقع التكثلات العمرانية للقلق على أكثر من صعيد، ويمكن معاينة هذه الحالة من خلال مظاهر السكن غير اللائق وانتشار الخروقات، الشيء الذي ينم عن ضرورة إعادة النظر في منظومة المراقبة مادامت المسطرة المعمول بها حاليا تتميز بالبطء في التنفيذ ولا تتماشى مع الوتيرة السريعة لنمو السكن العشوائي. فإذا كان مشروع مدونة التعمير يروم نحو تقوية صلاحية العامل في هذا الشأن، فإن التجربة الميدانية أثبتت أن مجال المراقبة في حاجة إلى وسائل بشرية ولوجيستيكية هامة للتدخل في الوقت المناسب بالإضافة بطبيعة الحال، إلى إرادة سياسية واضحة في هذا الشأن، حيث نقترح إبعاد المراقبة عن المزايدات السياسية، بعدما تبين أن اقتراب المواعد الانتخابية مثلا يعرف انتشارا مكثفا للبناء غير القانوني بكافة تجلياته. وتجدر الإشارة كذلك إلى أن ما يضعف ميدان المراقبة هو عدم تطبيق بعض النصوص القانونية الموجودة كما هو الشأن بالنسبة للجنة تتبع تنفيذ المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية وكذا تتبع تصاميم التهيئة وعدم تفعيل الفصل 77 من الميثاق الجماعي المتعلق بحلول السلطة المحلية محل رئيس المجلس الجماعي وكذا الفصل 65 من القانون 12.90 والفصل 66 من القانون 25.90 اللذين يعطيان الصلاحية للموظف الذي عاين المخالفة في تبليغ الهيآت المتدخلة بما فيها الهيأة القضائية مباشرة.

ويستلزم مجال المراقبة كذلك، إيجاد قضاء يتميز من حيث إجراءاته بالاستعجالية وعدم فتح الباب للاستئناف المقصود به إطالة أمد الدعوى مع تمكين الوكالات الحضرية ورجال السلطة من رفع الدعوى الاستعجالية لوقف المشاريع المخالفة للقانون، نظرا لما تعرفه كثرة الإجراءات الإدارية في هذا الشأن من مشاكل قد تكون سببا في صعوبة إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه مع الدعوة إلى تقوية التنسيق بين الأجهزة القضائية والإدارية المعنية بالتعمير في إطار احترام استقلالية السلط، وإن كنا نؤيد تكليف جهاز النيابة العامة بالإشراف المباشر بدل العامل الذي يقترحه مشروع مدونة التعمير شريطة توفير الموارد البشرية والمالية لذلك مع تقوية رئيس الجهاز بإعطائه صفة ضابط شرطة قضائية وفتح إمكانية تسخير القوة العمومية للتدخل لإيقاف الأشغال المخالفة للقانون والتنصيص قانونا على حقهم في التفتيش وزيارة أوراش العمل خلال جميع أيام الأسبوع[3]. وبالموازاة، فقد أتبثت التجارب أن المقاربة الزجرية لوحدها غير كافية لمعالجة قضايا التعمير لذلك وجب العمل على نشر الوعي بأهمية حماية المجال والتأكيد على أهمية التربية على ذلك عن طريق حملات تحسيسية واعتماد مناهج تربوية مدرسية.

وفي إطار الاتجاهات الجديدة في ميدان المراقبة الزجرية، هناك من يقترح التركيز على العقوبات الإدارية بدلا من العقوبات القضائية كمخرج من مخارج الأزمة التي تتخبط فيها بلادنا[4].

ثالثا: على مستوى التدبير الإداري
في مجموعة من الحالات، يتبين أن النصوص القانونية غالبا ما لا تطرح إشكالات ومعيقات كبرى. لكن أجرأتها وكيفية تنزيلها قد تكون سببا في الأزمات التي تعيشها مجتمعاتنا.

ولا يخرج مجال التدبير العمراني عن هذا السياق، فهو يشكو في جوهره من ترهل على مستوى تدبيره الإداري مفاده عدم قيام المتدخلين بأدوارهم كما يجب نتيجة تداخل الاختصاصات من جهة والتهرب من تحمل المسؤولية من جهة أخرى.

وتجدر الإشارة كذلك إلى أن النجاعة الإدارية تقتضي نهج أسلوب عدم التركيز في علاقة الوزارات بمصالحها الخارجية، حيث ما تزال المركزية المفرطة جلية في بعض القطاعات. فنظارة الأوقاف على سبيل المثال لا تعدو أن تكون سوى مكتب للضبط لا غير، فكيف يعقل أن يصل الحد إلى ضرورة الحصول على رأي الإدارة المركزية للأوقاف في ملف طلب بناء مسجد[5]. كما نشير كذلك إلى افتقاد عدة مصالح خارجية للأطر الكفأة القادرة على اتخاذ القرار محليا، الأمر الذي يؤثر سلبا على مسلسل التدبير العمراني الذي يتميز بتعدد المتدخلين. بالإضافة إلى أن تدبير الموارد البشرية بالنسبة لمجموعة من الإدارات لا زالت تتحكم فيه الطرق التقليدية، الأمر الذي يقتل لدى الموظف روح الابتكار وحب القيام بالواجب.

كما ندعو كذلك إلى تعميم تجربة الشباك الوحيد في ميدان دراسة ملفات البناء والعمل على تقنينها نظرا لما أبانت عنه من ربح للوقت ونجاعة في الأداء الإداري بالإضافة إلى قدر لا يستهان به من الشفافية. مقترحين توسيعها لتشمل المشاريع الكبرى بدورها والتي تعاني من طول آجال الدراسة، حيث أوردت دراسة أشرفت على إنجازها الوزارة المكلفة بالإسكان بين سنتي 1995 و1998 أن آجال دراسة طلبات التجزيء تتراوح في المعدل العام بين ستة أشهر وسبعة عشر شهرا تبدأ من تاريخ الحصول على ورقة المعلومات المسلمة من الوكالات الحضرية إلى تاريخ الحصول على رخصة التجزئة مما يسبب في ضياع وقت ثمين يؤدي إلى ارتفاع تكاليف إنجاز المشروع كما أنه قد يؤدي بالبعض إلى التراجع عم مشروعه نهائيا[6].

ويستوجب التدبير الإداري الناجع لمجالات التدبير العمراني رد الاعتبار والهبة للقاعدة القانونية وتحلي الإدارات بالجرأة الكافية للامتناع عن تطبيق الدوريات التي لا تحترم مبدأ تدرج القوانين، وخاصة بعدما تكرست مجموعة من الممارسات الإدارية التي تفتقد للشرعية تحت ذريعة تشجيع الاستثمار وتبسيط المساطر، والحال أن هاته الأهداف لا يمكن تصورها إلا من داخل القانون.

كما نقترح في هذا المضمار، التفكير في إدراج المقاربات الحديثة المتعلقة بمراقبة التدبير ضمن الإدارات المكلفة بالتعمير توخيا لضبط تسييرها مادامت المجهودات المبذولة لا تعكس النتائج المحققة. علما أن التدبير الإداري الجيد يتطلب إيجاد قضاء إداري كفء و قوي يكون بمثابة نبراس للتدخل العمومي في ميدان التدبير العمراني بواسطة إجتهادات وإبداعات تفك الألغاز التي قد يتعذر على الإدارة إدراك فحواها ومغزاها من جهة، وتردع أي شطط في استعمال السلطة من جهة أخرى.

من خلال الوقوف على هذه الاقتراحات التي همت الجانب العقاري وجانب المراقبة بالإضافة إلى الجانب المتعلق بالتدبير الإداري في ارتباطاتها مع التدبير العمراني، تتضح حاجة التدبير العمراني إلى آليات قانونية ومؤسساتية ومالية حقيقية قصد إيجاد تدخل عمومي فاعل وفعال.

وسواء تعلق الأمر بالتخطيط العمراني أو بالتدبير العمراني، فإن ميدان التدخل العمومي في ميدان التعمير في حاجة إلى مقاربة شمولية تتجاوز الحلول القطاعية مبنية على تصورات واضحة أساسها الواقع المعيش وهدفها تحقيق العيش الكريم للإنسان عبر تجاوز مختلف الاكراهات التي تشكل عائقا مخلا لتنمية المجال وذلك بإدماج كل الأبعاد الفاعلة في الظاهرة العمرانية.

خلاصة القسم الثاني
بعد تشخيص واقع التدخل العمومي في ميدان التعمير، و الوقوف على مختلف الاكراهات والعوائق التي تحول دون تحقيق تعمير معقلن ومتوازن. هاته الاكراهات التي شملت العقار والتمويل والتدبير الإداري والبيئة والمراقبة، هذه المجالات التي أتت دراستها على سبيل المثال لا الحصر طالما أن الظاهرة العمرانية في مختلف ابعادها ومكوناتها ظاهرة معقدة بامتياز يصعب الإلمام بها من كل جوانبها.

هذا، ويلاحظ إيلاء العوائق التي يطرحها العقار سواء على مستوى التخطيط أم التدبير العمرانيين أهمية خاصة، وهذا راجع بالأساس لسببين اثنين: يكمن ألأول في كون العقار يشكل الحجر الأساس في تنفيذ السياسة التعميرية، لذلك أضحت القضية العقارية بكل أبعادها تحتل الصدارة. ويكمن الثاني في كون جل الأبحاث التي تم إنجازها في هذا المجال خاصة في إطار رسائل وأطروحات القانون العام لم تول المسألة العقارية مكانتها اللائقة بها ضمن حقل التعمير، كما هو الشأن بالنسبة إلى التعمير ضمن رسائل وأطروحات القانون الخاص المرتبطة بالعقار[7]، الأمر الذي يستوجب التفكير جليا في إحداث وحدات على مستوى الجامعات تعنى بشؤون التعمير والعقار.[8]

لقد أكدت تجربة التعمير بالمغرب الحاجة إلى تدليل التباين الحاصل بين الجانب النظري والممارسة عبر استحضار مقاربة واقعية ؛وذلك من أجل تفادي الحلول الترقيعية التي تعمد إلى تأجيل الأزمات دون حلها. كما هو الحال مثلا بالنسبة إلى السياسة المتبعة في إطار ما يسمى “بالسكن الاجتماعي” والذي يمكن اعتباره مشروعا لإعادة إنتاج السكن غير اللائق، لافتقاد التعاطي معه لمقاربة اجتماعية شمولية مبنية على الموازنة بين الحاجيات الملحة للسكن ومجموعة من ضوابط الجودة والسلامة.

إن المتدخلين العموميين في ميدان التعمير مطالبون اليوم بالعمل على إبعاد هذا المجال من الاحتكار السياسي في اتجاه منطق التهيئة؛ وذلك حتى لا يصبح التعمير كما يقول بعض الباحثين[9] أداة للتهدئة دون أن يكون أداة للتهيئة . وبعبارة أخرى، أن يتجاوز أولوية الهاجس الأمني على التنمية المستدامة الموروثة عن الاستعمار.

يتسم واقع التخطيط العمراني بالإضافة إلى الإكراهات التي سبق الوقوف عندها، بإكراهات أخرى تتعلق بالخصاص الذي يعرفه مجال التشاور والمشاركة في وضع المخططات واختزال ذلك في بعض الاستشارات الإدارية المغلقة والتي لا تسمح للفاعلين المحليين بالمساهمة الفاعلة والناجعة في تشخيص الأوضاع. وهنا لا يجب أن يظل وضع المخططات مقتصرا على الأجهزة الإدارية والتقنية، بل يجب التفكير في إبداع آليات حقيقية للمشاركة والإشراك عبر مراجعة جدرية لتقنية البحث العمومي المعتمدة. ومن نقائص التخطيط كذلك عدم مواكبته للتطورات التي لحقت المجال الحضري على وجه الخصوص في مستوياته المختلفة. فأضحى بذلك التباعد واضحا فيما بين أدوات التخطيط والواقع العمراني الذي ظل يشهد تحولات عنيفة مظاهرها هيمنة العشوائية وسيادة منطق المضاربة والفوضى.[10]

من جهة أخرى، يشكو مجال التدبير العمراني بدوره –كما مر بنا- من عدة إكراهات يتجلى أهمها في التدبير الإداري الموسوم بعدم النجاعة وغياب التنسيق الناجم بالأساس عن اختلاف الزوايا التي ينظر منها إلى التدبير العمراني من قبل مختلف المتدخلين من جهة، وعن الجمود والنقص والغموض الذي يسم أحيانا التشريع والتنظيم في ميدان التعمير من جهة أخرى.

ولقد نتج عن هذا الواقع بطء في دراسة ملفات طلبات التجزيء والبناء والتقسيم، وفشل لمسلسل المعاينات والإعذارات والشكايات والمتابعات والأحكام في مجال المراقبة في ظل أنظمة عقارية معقدة ومضاربة عقارية متوحشة، أفرزت طغيان سوق عقارية سرية. هذا فضلا عن التداخل في الاختصاصات بين مختلف المتدخلين والتهرب من تحمل المسؤولية في كثير من الأحيان.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن قضايا التعمير بالمغرب ما زالت تعالج بمعزل عن قضايا إعداد التراب. فإن كانت وثائق التعمير ليست خططا اقتصادية، فإنها بالتأكيد ضرورية لكل تنمية كانت اقتصادية أم اجتماعية، حيث أن اهتمامها بالقضايا العمرانية لايجب أن ينفصل عن اهتمامها بقضايا التنمية في كل أبعادها، مادام التمدين ليس غاية في حد ذاته، وإن كان كل تدخل فيه يكتسي بشكل أو آخر صبغة اقتصادية أو اجتماعية أو هما معا.

وسواء تعلق الأمر بالتخطيط العمراني أو التدبير العمراني، فإن التدخل العمومي في قطاع التعمير في حاجة ماسة إلى تأهيل التدبير العمومي لكون مصالح الدولة لازالت ليس لها القدرة على معرفة التداعيات والانعكاسات المجالية لتدخلاتها وإنجازتها.

وإن كان ورش مشروع مدونة التعمير المعروض على أنظار الأمانة العامة للحكومة يشكل لبنة في هذا الإطار.فقد جاء بمجموعة من التوجهات التي تروم الانخراط في سياق العولمة ومتطلبات التنمية و محاولة تحقيق الانسجام بين مختلف السياسات القطاعية والرغبة في جعل القطاع أكثر مهنية والتطلع إلى إبراز الهوية الوطنية والحفاظ على التراث، بالإضافة إلى اقتراحه أدوات عقارية ومالية ومؤسساتية جديدة لازمة للتهيئة العمرانية. إلا أنه لم يقدم في المقابل، إجابات شافية على مجموعة من الأسئلة التي تظل مطروحة والتي تهم على سبيل المثال تلك المتعلقة بالعدالة العقارية وإعطاء مشاركة المجتمع المدني في مسلسل التخطيط مدلولها الحقيقي. هذا إلى جانب الغموض الذي لازال يلف مجالات تدخل مختلف الفاعلين، دون أن ننسى كذلك غظ الطرف على مواضيع أخرى ظلت دون حسم، كما هو الشأن بالنسبة إلى موضوع مساهمة المجزئين العقاريين في التجهيزات والمرافق العمومية وكذا مسألة مدى صلاحية الإدارة النظر في الوضعية العقارية والقانونية للأراضي موضوع طلبات التجزيء والتقسيم والبناء، ثم صعوبة التمييز بين التجزئة العقارية وتقسيم العقارات واستثناء القسمة الناتجة عن الإرث من مفهوم التقسيم العقاري الذي يفتقد لمسوغ معقول.

وصفوة القول، إن التدخل العمومي في ميدان التعمير يجب أن ينظر إليه بمنظور شمولي يستحضر مختلف الأبعاد الاقتصادية والسياسية والبيئية والثقافية والسوسيو مجالية لتدارك الحلول الترقيعية والإصلاحات التجزيئية قصد معالجة المشاكل المطروحة بالاحترافية اللازمة والدقة المطلوبة.

الخاتمة العامة :
لقد شكلت هذه الدراسة فرصة للوقوف على واقع التدخل العمومي في ميدان التعمير بالمغرب عبر رصد هيكلته الإدارية والأدوار التي تقوم بها. كما أتاحت كشف مكامن الخلل عبر التعامل مع الواقع كمجموعة قضايا وليس كحصيلة تتضمن جوانب القوة وجوانب الضعف.

من زاوية أخرى، يظهر أن هذا العمل قد طغى عليه النقد اتجاه واقع التدخل العمومي؛ وذلك رغبة في التحسيس أحيانا ودق ناقوس الخطر أحيانا أخرى. وفي هذا السياق، لا يجب أن يفهم انتقاد محدودية دور الجماعات المحلية بالأساس في ميدان التعمير تنقيصا من اللامركزية، بل على العكس من ذلك، غايته الدعوة إلى توفير مناخ اللامركزية المناسب. فإذا كنا قد أيدنا توسيع اختصاص الولاة في عدة مجالات تهم التعمير، فإن هذا التأييد لا يتجاوز التكتيك، بمعنى أن الهدف هو اللامركزية والوسيلة المرحلية لذلك تقوية صلاحية عدم التركيز، حيث أن الدولة (السلطة المركزية) مطالبة بأن تشتغل في اتجاه التقليل من أهمية تدخلها Travailler pour devenir inutile، حيث يتبين من خلال مشاريع القوانين المطروحة الدعم المحتشم للامركزية في ميدان التعمير الناتج عن غياب استراتيجية واضحة في هذا الشأن. ومن الخلاصات التي تستحق إثارتها، تلك المتعلقة بتعدد المتدخلين. ففي الوقت الذي نجد فيه جل المهتمين بالشأن التعميري يعتبرون التعدد المذكور عائقا، نستشف من خلال هذه الدراسة أن الإشكال لا يكمن في التعدد، الذي يعتبر –غالبا- ظاهرة صحية ومعطى طبيعيا انطلاقا من طبيعة التعمير الأفقية، بقدر ما يكمن في غياب التنسيق وافتقاد النجاعة والفعالية. فالمشرع الفرنسي على سبيل المثال في قانونه الجديد المتعلق بالتضامن والتجديد الحضري، لم يتجه نحو التقليص من عدد المتدخلين، بقدر ما نحا في اتجاه إعادة النظر في منهجية التعامل مع المجال والبحث عن تقنيات جديدة تساهم في عقلنة توزيع الأدوار.

و تبين كذلك، بأن قانون التعمير كان عرضة لعدة انتقادات. في حين تم الاستنتاج بأن القاعدة القانونية ليست وحدها المسؤولة عن اختلال المجال طالما أن اتهامها بالفشل والتعقد وعدم مجاراة الواقع يظل محط نظر، إذا ما استحضرنا واقع هذه القاعدة القانونية السوسيو ثقافي غير المساعد من جهة، والترهل الإداري وضعف الخبرة اللذان يسمان التدبير الإداري لقطاع التعمير من جهة أخرى. دون أن ننسى غياب الإرادة السياسية في بعض الأحيان.

لا يجب أن ينسينا التركيز على التدخل العمومي الدور الذي يقوم به القطاع الخاص والذي يجب أن يقوم به، باعتباره المتمم لمعادلة التعمير خصوصا المهنيين منه من مهندسين ومعماريين وموثقين وعدول وغيرهم ، هذا القطاع الذي يجب أن يتسم بالوطنية واستحضار المصلحة العامة عوض مقاربة الربح بشتى الطرق، علما أنه يشكو في غالبيته من ضعف التأطير القانوني وقلة الخبرات المزاولة سواء على مستوى التخطيط العمراني أم على مستوى التدبير العمراني.

وغير خاف كذلك، ما يحتله المجتمع المدني من مكانة خاصة في هذا الشأن، الشيء الذي يتطلب إعادة النظر في منهجية إشراكه في اتخاذ قرارات التعمير مشاركة حقيقية لا تجعل من المواطن مجرد مستهلك للخدمات العمومية، بل مصدر معلومة للمدبر المحلي؛ وذلك عبر تقعيدها تقعيدا يعطي لها قيمتها المضافة كما هو الشأن في الدول الأنجلو ساكسونية على الخصوص، ويحرر قطاع التعمير من قبضة الطابع التقني التي تتحكم فيه.

إن كسب رهان تطوير وتحديث التدخل العمومي في ميدان التعمير، رهين بمدى إدراك كل الفاعلين والمسؤولين والمواطنين بأهمية قطاع التعمير وفداحة نتائج تركه ينمو بشكل عشوائي في ظل الحلول الترقيعية والمعالجات الاختزالية والتقزيمية للمشاكل المطروحة. مما يتطلب حل الإشكالات بمقاربة شمولية لرفع التحديات الآنية والمستقبلية التي يقتضيها الاندماج في الحركة العالمية مع المحافظة على جوهر حضارتنا وتاريخها والاستفادة من المكتسبات العلمية التي حققتها الإنسانية في العقود الأخيرة.

وصفوة القول، إن التدخل العمومي في ميدان التعمير بالمغرب في حاجة إلى الموضوعية والمسؤولية والإحترافية والتقييم. قال تعالى: “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”. صدق الله العظيم.
المطلب الثاني: من أجل تدخل عمومي في ميدان التعمير فاعل وفعال
المبحث الثاني: آفاق التدخل العمومي في ميدان التعمير
الفصل الثاني: آفاق التدخل العمومي في ميدان التعمير على ضوء التوجهات المطروحة
القسم الثاني: حدود التدخل العمومي في ميدان التعمير وآفاقه
التدخل العمومي في ميدان التعمير بالمغرب

التدخل العمومي في ميدان التعمير بالمغرب

_____________________________________
[1] محمد بونبات: الإكراهات في المجال العقاري والتخطيط العمراني مداخلة في اليوم التشاوري في شأن مشروع مدونة التعمير، مرجع سابق، ص 6.
[2] مرسوم رقم 2.04.683 الصادر في 16 من ذي القعدة 1425 (22 دجنبر 2004) ج.ر عدد 5280 بتاريخ 2005.
[3] نور الدين عسري: مرجع سابق، ص 29.
[4] في هذا السياق تم إصدار قانون بإيطاليا مضمونه العفو الشامل تضمن تسوية جميع الأبنية غير اللائقة ووقف المتابعات السابقة. راجع: نور الدين عسري: مرجع سابق، ص: 30.
[5] إن معدل مدة دراسة ملف طلب بناء مسجد بجهة الشاوية ورديغة تتراوح ما بين شهرين أو ثلاثة أشهر على الأقل وذلك بسبب انتظار التوصل برأي وزارة الأوقاف في الموضوع، في حين أن بناء عمارة قد لا يتجاوز ثمانية أيام.
[6] عبد الرحمن البكريوي: تعدد المتدخلين في ميدان التعمير وانعكاساته على التخطيط والتدبير العمراني. ندوة العمران في المنطقة العربية بين التشريع والتخطيط والإدارة، مرجع سابق، ص: 14.
[7] من بين أسباب ذلك ضعف النظرة التكاملية بين التعمير والعقار لدى مجموعة من القانونيين، الأمر الذي يمكن رده إلى نظام الدراسة المتبع على مستوى كليات الحقوق، حيث أن خريجي القانون الخاص لم يسبق لهم أن تلقوا تكوينا بشأن التعمير، في حين أن خريجي القانون العام لم يسبق لهم كذلك أن تلقوا تكوينا في العقار.
[8] نسجل في هذا الشأن المبادرة التي أقدمت عليها كلية الحقوق بمراكش المتمثلة في إحداث مركز للدراسات القانونية العقارية والمدنية تساهم كثيرا في النقاش الدائر بهذا الخصوص.
[9] المصطفى شويكي: التعمير بالمغرب بين اجترار رواسب الماضي والتهرب من مشاكل الحاضر، مرجع سابق،ص:33.
[10] للمزيد من التفصيل في هذا الشأن، يراجع، محمد عامر: التخطيط العمراني بين متطلبات التنمية وتحديات العولمة، سلسلة ندوات ومناظرات، العدد 5، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس – فاس، فبراير 2006، ص:7 وما بعدها.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *