التخطيط العمراني: الإكراهات المالية تداعيات ضعف التمويل على التخطيط العمراني

إذا كان الاعتبار العقاري حاضرا بقوة في معادلة التخطيط العمراني؛ فإن ثمة صعوبات أخرى لا تقل أهمية ساهمت فيما آلت إليه الوضعية التي يعيشها قطاع التعمير بالمغرب، والتي أثرت سلبا على التدخل العمومي في هذا الشأن. وتختزل وثائق التعمير بشكل عام السياسة المتبعة في ميدان التخطيط العمراني، بنصها على مجموعة من الإنجازات والاختيارات التي قد تلعب دورها في المجالين الحضري والقروي، وتساعد الإدارة على خلق نسيج عمراني متوازن. غير أن تقييم حصيلة التخطيط العمراني ببلادنا تبرز وجود اختلالات متعددة بفعل تراكم إكراهات ونقائص في ميادين حيوية كثيرة  انعكست سلبا على أداء المجال وفعاليته السوسيو اقتصادية.
ويمكن حصر أهم هذه العوائق في تلك المتعلقة بالتمويل باعتباره آلية جوهرية،  حيث أن أي خلل أو نقص تكون له عواقبه الوخيمة على تدبير المجال (الفقرة الأولى ) وما يطرحه البطء الإداري وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين من إشكالات عمقت شرخ الأزمة المجالية (الفقرة الثانية) دون أن ننسى كذلك غياب الإنشغال البيئي […]
التدخل العمومي في ميدان التعمير بالمغرب
القسم الثاني: حدود التدخل العمومي في ميدان التعمير وآفاقه
الفصل الأول : التدخل العمومي في ميدان التعمير بين عراقيل التخطيط وإكراهات التدبير العمراني
المبحث الأول: أسباب تعثر التدخل العمومي في ميدان التخطيط العمراني
المطلب الثاني: التخطيط العمراني: الإكراهات المالية والبطء الإداري وغياب الإنشغال البيئي
[…] بين مختلف المتدخلين من إشكالات عمقت شرخ الأزمة المجالية (الفقرة الثانية) دون أن ننسى كذلك غياب الإنشغال البيئي في معادلة التخطيط أمام ما أضحت تحتله البيئة من أولويات في الإستراتيجيات المعتمدة (الفقرة الثالثة ).

الفقرة الأولى : تداعيات ضعف التمويل على التخطيط العمراني
يعتبر التعمير من القطاعات ذات التكاليف المالية الباهضة، حيث يتطلب تجنيد إمكانيات تمويلية مهمة تتناسب وحجم المشاريع والبرامج والتجهيزات التي يتضمنها. إلا أن ضعف مصادر التمويل يشكل عائقا يعترض سبيل تأهيل العمران وسد العجز الحاصل على مستوى التجهيزات الأساسية والمرافق العمومية ، على اعتبار أن التجهيزات والمرافق التي تتضمنها وثائق التعمير تأتي بعد الاستشارة المسبقة للإدارات العمومية أثناء فترة إعداد وثيقة التعمير، والتي تقترح من خلالها مختلف الإدارات الحاجيات التي ترغب فيها من الأراضي قصد إقامة المشاريع التي تريد القيام بها. إلا أن انصرام الآجال القانونية لوثيقة التعمير دون تنفيذ البرامج التي تتضمنها، يجعل الإدارات المعنية في موقف حرج[1] .علما أن خزينة الدولة والجماعات المحلية لم تعد قادرة على اقتناء العقارات الضرورية لإنجاز التجهيزات والمرافق العمومية المختلفة.

فعلى سبيل المثال ما عرفته مدينة الدار البيضاء، فبعد صدور 23 تصميم تهيئة – منذ سنة1989- تشمل مجموع جماعاتها لم تتمكن السلطات العمومية من اقتناء سوى حوالي 17% من المساحات المخصصة للتجهيزات والمرافق العمومية.[2] فمن أصل 2172 مشروعا بالدار البيضاء متعلقا بالتجهيزات المدرسية والتكوين المهني والتجهيزات الصحية والتجهيزات العمومية لم يتم إنجاز -على مدى 9 سنوات (1989-1998)- سوى 286 مشروعا من مجموع المرافق المسطرة في وثائق التعمير. وعلى مستوى المساحات فإن التجهيزات المنجزة تشغل 185 هكتار بنسبة 18% من المساحة الإجمالية المخصصة للتجهيزات في تصاميم التهيئة والتي تقدر ب 1014 هكتار حيث لا يتعدى معدل وتيرة الإنجاز 26 مشروعا في السنة.

ويعتبر القطاع الصحي من أفظع القطاعات المتضررة، إذ لم تتعد نسبة التنفيذ 9% بحصة 14 مشروعا من أصل 164 مؤسسة صحية. أما بخصوص التجهيزات التعليمية فقد برمجت تصاميم التهيئة 524 مؤسسة تعليمية على مساحة 81 هكتار محققة بذلك أكبر نسبة لإنجاز المرافق العمومية وصلت 21%.[3]

كما أثبتت الدراسة التي قامت بها الوكالة الحضرية لطنجة حول مدى تنفيذ وثائق التعمير أن نسبة إنجاز التجهيزات المبرمجة في وثائق التعمير لا تتعدى 9.2%. كما يبين ذلك الجدول الموالي :

تقييم إنجاز التجهيزات المبرمجة في تصاميم التهيئة القطاعية بمدينة طنجة. [4]

التجهيزات المرتقبة حسب تصاميم التهيئة القطاعية عدد التجهيزات المرتقبة عدد التجهيزات المنجزة عدد التجهيزات غير المنجزة نسبة إنجاز التجهيزات (%)
مرافق السيارات 94 6 88 6.4
الساحات العمومية 37 0 37 0
المناطق الخضراء 214 14 200 6.5
التعليم 47 9 38 19.1
التجهيزات الرياضية 16 0 16 0
المصالح العمومية 97 11 68 13.9
المساجد 14 6 8 42.9
المقابر 0 0 0
المجموع 501 46 455 9.2

المصدر : الوكالة الحضرية لطنجة

يلاحظ من خلال الجدول أعلاه أن ضعف إنجاز التجهيزات والمرافق العامة له انعكاس سلبي على النسيج العمراني ككل والعقاري منه على وجه الخصوص طالما أن هذا الأمر يؤثر على البرمجة ويرهن العقارات المعينة ، فضلا عن إلحاق أضرار مادية بالملاك الذين لا يستطيعون لا استغلال أراضيهم المجمدة ولا الحصول على التعويض عنها ؛وذلك بسبب عدم مباشرة الإدارات المعنية لمسطرة قرار التخلي. بل الأدهى والأمر في هذا الصدد هو ما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة 28 من القانون 12.90 التي تقضي بانتهاء الآثار المترتبة عن إعلان المنفعة العامة عند انقضاء أجل عشر سنوات يبتدئ من تاريخ نشر النص القاضي بالموافقة على تصميم التهيئة في الجريدة الرسمية.  كما لا يجوز القيام بإعلان المنفعة العامة للغرض نفسه فيما يتعلق بالمناطق المخصصة للتجهيزات المعنية المذكورة في المادة 19 من القانون السالف ذكره [5] قبل انصرام عشر سنوات.

إن الإشكال لا يكمن فقط في الأضرار التي تلحق بمالك العقار أو بمسألة التعويض الذي لا تقدمه الجهة المعنية بقدر ما يتعلق بضرب الفلسفة التي ينبني عليها تصور وثيقة التعميرلكون استعمال تلك الأراضي لغرض غير الغرض الذي خصصت له في إطار وثيقة التعمير يتعارض مع المعطيات الاقتصادية والسوسيو ثقافية والبيئية والإدارية التي استندت عليها الوثيقة في مرحلة دراستها.

و يزداد الإكراه المالي تعقدا نتيجة التناقض شبه الكلي بين البرمجة والواقع، إذ غالبا ما يتم اقتراح مساحات تفوق بكثير المتطلبات الفعلية. ويمكن أن نرجع ذلك إلى عدة أسباب نذكر منها مايلي:
–          عدم ضبط الحاجيات بصفة دقيقة؛
–          غياب التنسيق بين الدراسات المتعلقة بالتخطيط العمراني وإحصائيات السكان؛
–          وجود شرخ بين التخطيط المجالي من جهة والتخطيط الاقتصادي وإعداد الميزانية من جهة أخرى[6]؛
–          عدم تفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بتتبع تنفيذ وثائق التعمير سواء تعلق الأمر باللجنة المنصوص عليها في المادة التاسعة من القانون 12.90 السالف ذكره أو إجراءات التتبع المبينة في المادة الثانية من الظهير 30 شتنبر 1993 المنظم للوكالات الحضرية فيما يتعلق بالمخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية،  فضلا عن الفقرة الثانية من المرسوم التطبيقي للقانون 12.90 التي تنيط بمجالس الجماعات مهمة العمل بانتظام على معرفة حالة تقدم تنفيذ الأحكام الواردة في تصميم التهيئة بتشاور مع المصالح الخارجية التابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالتعمير أو الوكالة الحضرية بحسب الحالة[7].

ونضيف في السياق نفسه ما يحتاجه إعداد وثيقة التعمير ذاتها من تكاليف فيما يتعلق بإنجاز الدراسات. فرغم المجهودات المبذولة من طرف السلطات المشرفة على القطاع للرفع من وتيرة إنجاز هذه الوثائق إلا أن نقصا واضحا لا زالت تعرفه التغطية بوثائق التعمير. والجدول الآتي يبين وثائق التعمير المصادق عليها وطنيا.

تطور عدد وثائق التعمير بالمغرب ما بين سنتي 2003 و 2005

2003 2004 2005
نوع الوثيقة مصادق عليه في طور الإعداد مصادق عليه في طور الإعداد مصادق عليه في طور الإعداد
مخطط توجيه التهيئةSDAU 01 02 06 00 01 01
تصميم التهيئةPA 45 27 59 24 29 29
تصاميم النمو للتجمعات القرويةPDAR 26 17 06 03 09 10
تصاميم التكثلات القرويةPAC 00 08 00 03 00 05
المجموع 72 54 71 30 39 45

المصدر: الوزارة المنتدبة لدى الوزير الأول المكلفة بالإسكان والتعمير: الحصيلة والآفاق – فبراير 2006.

لقد بلغ عدد الوثائق المصادق عليها 182 إلى حدود نهاية سنة 2005 مقابل 129 مازالت في طور المصادقة؛ أي ما يمثل 58 ;52%. قد تمت المصادقة عليها.

وفي هذا السياق اعتمدت الوزارة الوصية على قطاع التعمير على مبدإ توزيع المسؤوليات والأعباء والتكاليف بين الجماعات المحلية والدولة والمؤسسات التابعة لها، وذلك بالنظر إلى مداخيل كل جماعة على حدة. وقد ارتكزت هذه المقاربة على أن تتحمل الدولة عبء تمويل وثائق التعمير بالنسبة للجماعات الفقيرة، على أن تتكفل الجماعات الغنية بتمويل وثائق تعميرها. أما الجماعات ذات الميزانية المتوسطة ، فإن الدولة ستساهم معها بنسبة 50% في تمويل تكاليف هذه الوثائق إضافة إلى التوجه الذي انخرطت فيه بعض الوكالات الحضرية المتمثل في تمويل الدراسات المتعلقة ببعض الوثائق إما في إطار انفرادي أو بمقتضى عقد شراكة مع الجماعات المحلية المعنية.

ويبين الجدول الموالي الاعتمادات التي تم تخصيصها لقطاع التعمير في هذا الشأن برسم سنوات 2002 و2003 و2004.

تطور الإعتمادات المالية المخصصة لقطاع التعمير ما بين 2002 و 2004 بالدرهم

السنة

الأجهزة

2002 2003 2004
مديرية التعمير 16.060.000 14.649.000 12.954.000
الوكالات الحضرية 208.700.000 165.800.000 1.655.000.000

المصدر: مصلحة الميزانية والمحاسبة بمديرية التعمير بالوزارة المنتدبة لدى الوزير الأول المكلفة بالإسكان والتعمير.[8]

لقد استحضر واضعو مشروع مدونة التعمير الإكراه المالي من خلال بعض الإقتراحات المتمثلة أساسا في إدراج الدراسة المتعلقة بالتركيبة المالية ضمن وثائق التعمير [9]، وإدخال بعض المرونة في التعامل مع ملكية الغير عن طريق منح ملاك العقارات المخصصة للتجهيزات العمومية الحق في إنجازها لحسابهم – سيما التعليمية والصحية منها- بعد مضي خمس سنوات على المصادقة على تصميم التهيئة دون إنجازها من طرف الدولة [10]. فتبني هذا الإقتراح  من شأنه أن يرفع من وتيرة إنجاز التجهيزات والمرافق العمومية.

كما اقترح المشروع كذلك إمكانية سلك ملاكي العقارات مسطرة رفع اليد على عقاراتهم المشمولة بإعلان المنفعة العامة بعد انقضاء سبع سنوات على تاريخ المصادقة على تصميم التهيئة في حالة التأكد من أن الإدارات المعنية لن تباشر مسطرة الاقتناء خلال أجل عشر سنوات المنصوص عليها كمدة قصوى للسريان القانوني لهذه الوثيقة[11].
ومن الإجراءات التي يمكن أن تساعد على معرفة نسبة إنجاز المرافق والتجهيزات العمومية اقتراح تقييم الإنجاز كل خمس سنوات من قبل وكالات التعمير بغرض مراجعتها عند الاقتضاء.[12]

كما تجدر الإشارة كذلك إلى أن القانون 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية الذي عدل ظهير 1989 المتعلق بالضرائب المستحقة للجماعات المهنية وهيآتها ؛ قد وسع من نطاق رسم السكن ورسم الخدمات الجماعية والرسم على عمليات تجزئة الأراضي ليشمل ليس فقط البلديات والمراكز المحددة بل والمناطق المحيطة بهما كذلك؛ وهو ما من شأنه أن يقوي ميزانية الجماعات القروية المعنية وبالتالي المساعدة على إيجاد التمويل اللازم لإعداد تصميم التهيئة أولا، و تنفيذ بنوده في شقها المتعلق بالتجهيزات والمرافق الجماعية ثانيا.[13]

ولعل من أهم التوصيات التي خرج بها ملتقى الجماعات المحلية الأخير في هذا الشأن ، [14] تلك التي ترتبط بضرورة مراجعة منظومة الجبايات المحلية عن طريق اعتماد وثيقة التعمير كأداة للتأهيل الحضري تحدد الإجراءات الكفيلة بتدعيم التمويل الذاتي للجماعات. وفي السياق نفسه ركز المشاركون على ضرورة فتح حسابات خصوصية لتمويل إنجاز التجهيزات الأساسية المتعلقة بالشبكات الرئيسية الخارجية hors site  ومساهمة المجزئين والمنعشين العقاريين في ذلك.

صفوة القول إن التمويل يعد حجر الزاوية في تنزيل مقتضيات وثائق التعمير على أرض الواقع ،كما أن غموض السياسة العمرانية وعدم فعالية تدخل إدارة التعمير يجعل من وثيقة التعمير حبرا على ورق قد تعطل  للتنمية المحلية أكثر مما تسرعها.
_________________________________________________
[1] شيكري عبد السلام: برمجة التجهيزات الجماعية والإدارية: قانون وواقع، مداخلة في اليوم الدراسي حول المرافق التعليمية بوثائق التعمير: التصور والانجاز. المنعقد بالرباط بتاريخ 07 نونبر 2000.، ص:9
[2] شيكري عبد السلام: برمجة التجهيزات الجماعية والإدارية- مرجع سابق، ص:10.
[3] عز الدين حفيف : التخطيط الحضري وإشكالية التجهيزات العمومية. اليوم الدراسي المنظم بين وزارة التربية الوطنية ووزارة إعداد التراب الوطني والبيئة   والتعمير والإسكان،2001 : المشار إليه عند عبد الله اسرموح، مرجع سابق، ص: 239.
[4] التمسماني عماد: مرجع سابق، ص:99.
[5] يتعلق الأمر بالتجهيزات المبينة في البنود 3 و4 و5 و6 و12 من المادة 19 كما يلي:
– حدود الطرق (المسالك والساحات ومواقف السيارات) الواجب الحفاظ عليها وتغيرها أو إحداثها؛
– حدود المساحات الخضراء العامة (الأماكن المشجرة والمرافق والبساتين) وميادين الألعاب والمساحات المباحة المختلفة ؛
– حدود المساحات المخصصة للنشاطات الرياضية الواجب إحداثها وفق أحكام المادة 61 من القانون 81 المتعلق بالتربية البيئية والرياضية؛
– المواقع المخصصة للتجهيزات العامة؛
– دوائر القطاعات الواجب إعادة هيكلتها أو تجديدها.
[6] شيكري عبد السلام: برمجة التجهيزات الاجتماعية والإدارية. مرجع سابق، ص: 9.
[7] مالكي أحمد والبولماني سعيد: إدارة التعمير وإكراهات الواقع. مداخلة بمناسبة اللقاء الدراسي حول الإدارة المحلية ورهانات التنمية المنظم من طرف وحدة التكوين والبحث في تدبير الإدارة المحلية بجامعة الحسن الأول بسطات بتنسيق مع ماستر “قانون الإدارة  العمومية والجماعات المحلية” بكلية الحقوق بسلا يوم الخميس 15 مارس 2007 بكلية الحقوق بسطات،  ص:7
[8] عبد الله اسروح : الصعوبات التي تواجه التخطيط العمراني بالمغرب. بحث الدراسات العليا المعمقة في القانون، وحدة العقار والتعمير والإسكان، كلية الحقوق،  أكدال، السنة الجامعية 2003-2004، ص: 230
[9] المادتان 12 و26 من مشروع مدونة التعمير
[10] أنظر الفقرة الثالثة من المادة 37 من مشروع مدونة التعمير
[11] المادة37  من مشروع مدونة التعمير
[12] المادة 42 من مشروع مدونة التعمير
[13] المادة الأولى من القانون 06-47 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية.
[14] وزارة الداخلية :التقرير التركيبي لورشات الملتقيات الجهوية، أكاد ير 12-13 دجنبر2006، ص: 32.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *