دور اللامركزية المرفقية في ميدان التخطيط العمراني – المطلب الثاني: 

إن الحديث عن اللامركزية المرفقية يعني الوقوف على دور المؤسسات العمومية ذات الصلة بقطاع التعمير، هذه المؤسسات التي تشكل امتدادا لتدخل الدولة من جهة ووسيلة تنشدها كل الديموقراطيات للحد من التركيز وآثاره السلبية من جهة أخرى، هذه البنيات الإدارية التي تتميز بالاستقلالية مما يمكنها من تسيير نفسها بنفسها وإدارة شؤونها تحت مسؤوليتها.

فمن نافلة القول أن التخطيط العمراني سيتأثر بهذا النمط الإداري في التسيير سواء تعلق الأمر بالوكالات الحضرية التي تعتبر مؤسسة تعميرية بامتياز (موضوع الفقرة الأولى) أم بالمؤسسات العمومية الأخرى التي يشكل التعمير جزء من اختصاصاتها(موضوع الفقرة الثانية).

ومن أجل الوقوف على الأدوار التي تقوم بها هذه المؤسسات في ميدان التخطيط العمراني بالمغرب، فإننا سنعمد إلى تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين نتطرق في الأولى إلى دور الوكالات الحضرية في هذا الشأن مرجئين الحديث عن باقي المؤسسات المتدخلة إلى نقطة ثانية.

الفقرة الأولى: الوكالات الحضرية ودورها في التخطيط العمراني بالمغرب
لعل الإلمام بدور الوكالات الحضرية في التخطيط العمراني (ثانيا) يقتضي (أولا) الوقوف على ماهية هذا المولود التعميري الجديد ورصد السياق التاريخي والسياسي لولادته وذلك حتى نتمكن من ضبط تموقع هذه البنية بالنسبة لباقي المتدخلين في ميدان التعمير.

أولا: دواعي إحداث الوكالات الحضرية
لقد رأى البعض بأن إحداث الوكالة الحضرية للدارالبيضاء ([1]) كمؤسسة عمومية خاضعة لوصاية وزارة الداخلية أدى إلى احتكار مراقبة وتأطير إنتاج المجال الحضري من قبلها على حساب الولاية والعمالات والجماعات الحضرية ([2])، في حين يرى البعض الآخر أن سياق إحداث الوكالات الحضرية يأتي من كون تهيئة التراب عموما لا يمكن فهمها إلا على المستوى الإقليمي الذي يشكل الإطار المفصل والدعامة المجالية الشمولية لكل تدخل عمومي ([3]).

إن استقراء واقع المجال الحضري بالدارالبيضاء يبين بما لا يدع مجالا للشك أن البنيات الإدارية التي أسندت إليها مهمة التعمير منذ الفترة الاستعمارية قد فشلت فشلا دريعا تاركة من ورائها إرثا تعميريا ضخما أفرز مجموعة من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية غير المنسجمة مع التكوين الحضري والثقافي المغربي.هذا التدهور الحضري الذي يظهر من خلال النمو الديموغرافي والتركيز الاقتصادي المفرط والناتج عن سياسة عقارية غير مضبوطة ووثائق تعمير غير متناسقة وتدبير حضري غير فعال، الأمر الذي أدى إلى انعدام التجهيزات البنيوية التحتية والفوقية وخلق أزمة اجتماعية خانقة.

كل هذه الأوضاع جعلت السلطات المسؤولة تفكر في خلق الوكالة الحضرية للدارالبيضاء من أجل تأطير قطاع التعمير وتحسين الإطار المبني ورد الاعتبار للأنسجة القديمة، حيث بفضلها عرف التجمع العمراني للدارالبيضاء آليات التخطيط التقني التي تعتمد على إحصائيات حديثة ودراسات متعددة التخصصات ذات قاعدة قانونية .([4])

إن نجاح تجربة الوكالة الحضرية للدارالبيضاء حسب بعض الباحثين ([5]) جعلته يؤكد على أن الوكالات الحضرية قادرة على معالجة المشاكل الناجمة عن حركة التمدن، وبهذه القناعة بادرت السلطات العمومية إلى إحداث – على غرار وكالة الدارالبيضاء – وكالات حضرية غطت كبريات مدن المملكة، فاس ([6]) الرباط-سلا وأكادير ومراكش كمرحلة أولى تلتها مدن بني ملال وطنجة ووجدة والحسيمة وتاونات ومكناس وتطوان والقنيطرة – سيدي قاسم و الجديدة – آسفي والعيون وسطات ثم تلتها بعد ذلك وكالات الرشيدية ووزززات-زاكورة والحسيمة والناظور وكلميم. ([7])

إن أهمية الوكالات الحضرية تكمن في كونها ميدان التقاء مجموعة من المصالح المتضاربة والمتشعبة فمن جهة هناك الملاكين العقاريين والذين يهدفون تحقيق أكبر ربح ممكن وهناك الطبقات الفقيرة التي تبحث عن إطار عيش ملائم ومن جهة أخرى هناك السلطات العمومية التي تهدف إلى ضمان توازن معين من أجل تحقيق الاستقرار الذي يعد ضروريا لكل تنمية. ومن هنا يظهر أن موقع الوكالة الحضرية يعد حساسا بالنسبة للميكانيزمات المتحكمة في التعمير وبالتالي فهي بنية لا يمكن التقليل من أهميتها خاصة في ميدان التخطيط العمراني للفضاء الجغرافي الذي تغطيه.

ثانيا: مهام الوكالات الحضرية في ميدان التخطيط العمراني
بالرجوع إلى الظهير المنظم للوكالات الحضرية وخاصة مادته الثالثة نجد أن التخطيط العمراني يشغل حيزا لا يستهان به ضمن اهتمامات الوكالة الحضرية سواء تعلق الأمر بالقيام بالدراسات اللازمة لإعداد المخططات التوجيهية المتعلقة بالتهيئة الحضرية ومتابعة تنفيذ التوجهات المحددة لها أم تحضير وثائق التعمير أم القيام بالدراسات.

ومن أجل الإحاطة بمهامها في هذا الصدد، فإننا سنقف على دورها في وثائق التعمير (أ) وكذا على مستوى الدراسات الموازية المرتبطة بالتخطيط العمراني (ب).

أ : دور الوكالات الحضرية على مستوى وثائق التعمير
بموازاة الدراسات التي تقوم بها الوكالات الحضرية، تلعب هذه الأخيرة دورا أساسيا على مستوى تتبع وإنجاز وثائق التعمير سواء تعلق الأمر بالتعمير التقديري أم التنظيمي.

فعلى مستوى التعمير التقديري الذي يهم المدى البعيد ويظهر على مستوى المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية، فإنها تقوم بتتبع إنجاز المخطط وكذا إنجاز الدراسات اللازمة لذلك بالإضافة إلى السهر على التنسيق بين مختلف المتدخلين في هذا الشأن. كما تعمل كذلك على تتبع تنفيذه وهذا ما يستنتج من المادة التاسعة من المرسوم التطبيقي للقانون 12-90 التي تنص على ضرورة إحداث لجنة لمتابعة إنجاز المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية يعهد إليها بتتبع تنفيذ التوجيهات المحددة في المخطط والسهر بوجه خاص على إنجاز مراحله والقيام بتنشيط أعمال التهيئة المقررة فيه والبحث عليها وتنسيقها، وذلك خارج مناطق اختصاص الوكالات الحضرية.

فمن خلال قراءة النص يستنتج بمفهوم المخالفة أن هذه المهام المذكورة تعود للوكالات الحضرية في حالة وجودها.

أما على مستوى وثائق التعمير التنظيمي سواء تلك المطبقة بالمجال الحضري أم تلك التي تهم المجال القروي، فإن الوكالة الحضرية تعد بنص القانون الدينامو المحرك لها، حيث تتولى تحضير مشاريعها كما تقضي بذلك المادة الثالثة من الظهير المنظم للوكالات الحضرية([8]).

في هذا الصدد يمكن للوكالة الحضرية على مستوى تصميم التهيئة أن تبادر باتخاذه، فبعد قيام رئيس المجلس الجماعي باتخاذ قرار القيام بدراسة تصميم التهيئة لا يجوز للإدارة الجماعية خلال أجل مدته ستة أشهر من تاريخ نشر قرار القيام بدراسة التصميم أن تسلم إذنا بإحداث تجزئة أو مجموعة سكنية أو إذنا بالبناء في هذا الصدد إلا في حالات استثنائية، هذه الحالات التي تستوجب موافقة الوكالة الحضرية ([9]).

وهذا ما يفهم عموما من خلال قراءة المادة 13 من المرسوم التطبيقي للقانون 12-90 التي تستوجب مراعاة الصلاحيات المسندة للوكالة الحضرية بشأن إعداد مشروع تصميم التهيئة ونفس الشيء يمكن رصده على مستوى تصميم التنطيق كما تقضي بذلك المادة 12 من المرسوم التطبيقي السالف ذكره، ([10]) حيث تقوم بعرض المشروع على اللجنة المحلية قصد إبداء رأيها فيه ([11]) إذ يحيل مدير الوكالة الحضرية مشروع تصميم التنطيق بعد ذلك على أنظار المجلس الجماعي المعني بعد ما يكون قد توصل ببيان موجز بأعمال اللجنة المذكورة ([12])؛ دون أن ننسى الأدوار التي تقوم بها كذلك على مستوى تصميم تنمية العمارات القروية وكذا قرارالتخطيط، هذا الأخير الذي يشمل المجالين الحضري والقروي.

كما يلاحظ أن السلطات العمومية عازمة على تقوية دور الوكالات الحضرية في هذا الصدد، الأمر الذي يستنتج من خلال الصلاحيات المخولة لها في إطار وثائق التعمير الجديدة التي جاء بها المشروع المذكور، حيث نصت المادة 11 منه في فقرتها الأولى على ما يلي: “يوضع مشروع مخطط التوجيه للتنمية من لدن وكالات التعمير أو الإدارة المختصة عند الاقتضاء” نفس الشيء على مستوى تصميم توجيه التعمير الذي يوضع كذلك من لدن وكالة التعمير كما تنص على ذلك المادة 18 من مشروع القانون السالف الذكر.

فالوكالات الحضرية بذلك تعد مؤسسات متخصصة تم منحها صلاحيات القيام بتصور وإعداد وثائق التعمير. فما هي الدراسات الموازية التي تقوم بها في ميدان التخطيط العمراني إلى جانب مهامها في شأن وثائق التعمير؟

المبحث الثاني: مدى لامركزية التخطيط العمراني بالمغرب
الفصل الأول: دور المتدخلين العموميين في ميدان التخطيط العمراني
القسم الأول: واقع التدخل العمومي في ميدان التعمير
التدخل العمومي في ميدان التعمير بالمغرب

 

التدخل العمومي في ميدان التعمير بالمغرب

______________________________________
[1] وذلك  بمقتضى الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 188-84-1 بتاريخ 13 محرم 1405 المواق ل 9 أكتوبر 1984، الجريدة الرسمية عدد 3762 بتاريخ 5 دجنبر 1984
[2] المصطفى الشويكي:  مرجع سابق ، ص : 48.
[3] DRYEF (M) op, cit, p : 351.
[4] Moujid (R) : l’Agence Urbaine de Casablanca, mémoire de ccycle supérieur E,N,A,P, 1988 p 250
[5] DRYEF (M): op, cit , p:328
[6] و ذلك بمقتضى الظهير الشريف رقم 224 – 89 – 1 صادر في 13 من جمادى الأولى 1413 الموافق ل 9 نونبر 1912 بتنفيذ القانون رقم 88-19 المتعلق بإحداث الوكالات الحضرية لإقليم فاس وانقاد مدينة فاس.
[7] تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الحضرية للدارالبيضاء تسير – خلافا لباقي الوكالات الأخرى – من طرف عامل – مدير وتبقى استثناء تابعة لوصاية  الداخلية غير أن باقي الوكالات خاضعة لوصاية الوزارة المكلفة بالتعمير حيث يرجع البعض ذلك إلى اعتبارات عملية تتجلى في رغبة السلطات العمومية إعطاء الوكالة الحضرية للدارالبيضاء ثقلا وسلطة في مستوى أهمية المدينة على المستوى الوطني.
Voir : EDDAHBI (A) : Administration de l’urbanisme et changement au Maroc. « Administration publique et changement » Afrique Orient, 1989, P : 249.
[8[ تنص المادة الثالثة في بندها الثالث على ما يلي: تتولى الوكالة الحضرية في نطاق اختصاصها :
– تحضير مشاريع وثائق التعمير المقررة بنصوص تنظيمية خصوصا خرائط التنطيق ومخططات التهيئة ومخططات التنمية.
[9] يمنح هذا الاستثناء مثلا إذا كانت الأغراض المخصص لها الأراضي محددة بصفة قطعية كأرض موجودة داخل منطقة سكنية مبنية بشرط ألا تكون هذه الأراضي صالحة لبناء مرفق عمومي. أنظر المنشور رقم 005 بتاريخ 17 يناير 1994 المتعلق بتصميم التهيئة
[10] تنص المادة 12 على ما يلي :
يتم إعداد مشروع تصميم التنطيق بمسعى من الوزارة المكلفة بالتعمير وبمساهمة من الجماعات المعنية مع مراعاة الصلاحيات المسندة في هذا الميدان إلى الوكالات الحضرية بموجب التشريع الجاري به العمل.
[11] كما تقضي بذلك المادة 13 من المرسوم التطبيقي للقانون 12-90 المتعلق بالتعمير.
[12] المادتان 14 و 15 من المرسوم التطبيقي السالف الذكر.