علاقة الجماعة بالتخطيط العمراني إبان الإستقلال

التدخل العمومي في ميدان التعمير بالمغرب
القسم الأول: واقع التدخل العمومي في ميدان التعمير
الفصل الأول: دور المتدخلين العموميين في ميدان التخطيط العمراني
المبحث الثاني: مدى لامركزية التخطيط العمراني بالمغرب
المطلب الأول : دور المجالس الجماعية في ميدان التخطيط العمراني
الفقرة الأولى: تطور تدخل المجالس الجماعية في التخطيط
ثانيا : علاقة الجماعة بالتخطيط العمراني إبان الاستقلال
لقد ورث المغرب –مع الاستقلال- وضعية عمرانية معقدة تتمثل في معدل نمو حضري مرتفع يصل إلى حوالي 5.4% سنويا:
– 500.000 قاطن بأحياء الصفيح، أي 26% من السكان الحضريين؛
– 490.000 قاطن بالأحياء الهامشية، أي 25% من السكان الحضريين؛
– هجرة قروية كثيفة نحو المدن الكبرى خصوصا الساحلية؛
– ضعف كبير على مستوى التأطير والهياكل.

وهي كلها تحديات ضخمة كان لابد من مواجهتها ([1])، وبالموازاة مع ذلك فقد تم إصدار ترسانة من القوانين في ميدان التعمير همت بالأساس ميدان التخطيط العمراني سوف نحاول الوقوف عندها لتبيان ما استجد في موضوع تدخل الجماعات في هذا الميدان.

ولاستجلاء ذلك ولاعتبارات منهجية سنعمد إلى تقسيم هذه المرحلة إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل إصدار الميثاق الجماعي لسنة 1976 (أ) ومرحلة ما بعد إصداره (ب).

أ‌- صلاحيات الجماعات الحضرية والقروية في ميدان التخطيط العمراني خلال مرحلة 1956-1976
تتميز هذه المرحلة بتكثيف الدولة لتدخلها، هذه التدخلات التي تأتي في إطار الانتقال إلى عهد الاستقلال السياسي للبلاد، لكن ذلك لا يعني حدوث قطيعة مع عهد الاستعمار وخاصة فيما يتعلق بتقسيم الأدوار بين الدولة والجماعات المحلية في ميدان التخطيط العمراني.
وفي هذا السياق لم يحدد ظهير 23 يونيو 1960 الخاص بالتنظيم الجماعي ([2]) – والذي يعد أول قانون في هذا الصدد بعد حصول المغرب على الاستقلال- نطاق عمل المجلس البلدي وأعطاه فقط اختصاصا عاما عن طريق البث في مداولاته في شؤون الجماعة. ويحدد الفصل 20 من نفس الظهير المداولات التي تخضع لوصاية وزارة الداخلية ومن بينها نجد تعديل أو توسيع تصاميم التهيئة ([3]).

لقد شكلت هذه الفترة مرحلة لتمرين المؤسسات ولترويض آليات تدبير شؤون الجماعة ضمن جهاز تراقبه الدولة عن كثب ([4]). إلا أن أول نص صدر بعد الاستقلال في ميدان التعمير وهم التخطيط العمراني على وجه الخصوص هو ظهير 25 يونيو 1960 بشأن تنمية العمارات القروية، غير أن مقتضياته لا تسري إلا على التجمعات القروية الموجودة خارج المدارات المحددة من قبل الفصل الأول من ظهير 30 يوليوز 1952، حيث نص في فصله الثاني على جواز وضع تصاميم تسمى “تصاميم التنمية” كوثيقة تعميرية تتغيى تنظيم وتوجيه ومراقبة توسع المناطق التي تسري عليها. لكن بالرجوع إلى مضامين الفصل الثالث من الظهير المذكور([5])، يتبين أن مجال تدخل الجماعة القروية في ميدان التخطيط العمراني يقتصر على إبداء الرأي فقط.
وقد يشفع للمشرع في ذلك مجموعة من المعطيات التقنية والسوسيو مجالية والسياسية كذلك طالما أن مجال التعمير يتطلب التخصص من جهة ولا يصلح للمزايدات السياسية من جهة أخرى. لكن هذا لا يعني مساندة إقصاء المجالس القروية بل يتطلب الأمر تأهيل الجماعات بشريا وماديا وسياسيا في أفق جعل التعمير مسألة محلية بامتياز.
ومع مجيء سنة 1962 تم إقرار مبدإ الإدارة المحلية دستوريا، حيث نص هذا الأخير في فصله 93 على أن ” الجماعات المحلية بالمملكة هي العمالات والأقاليم والجماعات …” ([6]).
ورغم هذا الاعتراف الدستوري، فإن حرية الجماعة في تدبير شؤونها بقيت مقيدة وظلت صلاحيات الجماعات المحلية على مستوى التخطيط العمراني محدودة وهذا ما أكده كذلك الظهير الشريف رقم 1.63.273 بتاريخ 10 شتنبر 1963 الذي جعل من العامل صاحب القرار الفعلي على حساب رئيس المجلس الإقليمي في جميع الميادين بما في ذلك ميدان التخطيط العمراني ([7]). فهل للميثاق الجماعي لسنة 1976 قيمة مضافة في هذا الشأن؟ ذلك ما سنقف عليه في متن النقطة الموالية.

ب- التدخل الجماعي في ميدان التخطيط العمراني بعد الميثاق الجماعي
يعتبر ظهير 23 يونيو 1960 المتعلق بالتنظيم الجماعي بمثابة الخطوة الأولى في اتجاه اللامركزية الترابية في المغرب، ومع ذلك فقد ظلت الجماعة محدودة الاختصاصات إلى أن جاء ظهير 30 شتنبر 1976 المتعلق بالميثاق الجماعي ([8]) الذي يعد بدون شك قفزة نوعية في اتجاه اللامركزية الإدارية بمنحه الجماعات الحضرية والقروية اختصاصات مهمة للمساهمة في اتخاذ القرارات الكفيلة بتحقيق التنمية المحلية.
وهكذا فقد نص الفصل 30 من ظهير 1976 على الصلاحيات المخولة للمجلس الجماعي بحيث إنه يفصل ” بمداولاته في قضايا الجماعة ويتخذ لهذه الغاية التدابير اللازمة ليضمن للجماعة المحلية كامل نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي …” ([9]).

أضف إلى ذلك أن مركز رئيس الجماعة قد تقوى بموجب الظهير المذكورلكونه أضحى يمارس وحدة السلطة التنفيذية للمجلس الجماعي بعدما كان يتقاسمها مع رجل السلطة في ظل ظهير 1960 السالف الذكر.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن الفصل 22 من القانون المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات ([10]) قد اعتبر نفقات دراسة تصاميم التهيئة والمحافظة عليها ضمن النفقات الإجبارية. ورغم ذلك يمكن القول إنه إذا كانت صلاحيات الهيآت اللامركزية قد عرفت تطورات إيجابية خاصة مع الميثاق الجماعي لسنة 1976، فإن ميدان التعمير لم يعرف هذا التطور خاصة على مستوى التخطيط الحضري ورسم توجهات التنمية الحضرية، حيث مافتئت الإدارة المكلفة بالتعمير تستأثر بمجال التخطيط العمراني.
ومع صدور قانون 12-90 المتعلق بالتعمير المعدل لظهير 1952 السالف الذكر المتعلق بالتعمير، تم توضيح بعض النقط المتعلقة بمجال تدخل الجماعات الحضرية والقروية في ميدان التخطيط العمراني([11])، وإن كان لا يختلف في فلسفته مع توجه مشرع 1952 الرامي إلى جعل التخطيط العمراني شأنا مركزيا حيث قيد المجالس الجماعية بمدة شهرين لتدارس مشروع تصميم التهيئة وإلا في حالة انقضاء الأجل، اعتبر ذلك موافقة ضمنية على المشروع ([12])؛ بالإضافة إلى إعطائه السند القانوني للمخطط التوجيهي للتهيئة الحضرية وكذا رفعه العقوبات التي كان منصوص عليها في ظل قانون 1952 السالف الذكر.
وفي إطار مسلسل اللامركزية الذي دشنه المغرب منذ سنة 1960 تم تعديل الميثاق الجماعي لسنة 1976 بالقانون رقم 78.00. هذا الأخير الذي أفرد مادة بذاتها لقضايا التعمير وإعداد التراب ([13]) كما نص على إحداث لجنة جماعية لمعالجة قضايا التعمير وإعداد التراب والبيئة، الأمر الذي لم يكن من قبل، حيث كانت تتم دراسة هذه القضايا في إطار اللجنة المكلفة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ([14]).

وإذا كان هذا الأمر ينم عن زيادة وعي المشرع بأهمية قضايا التعمير، فإنه على مستوى تدخل الجماعات في ميدان التخطيط العمراني لم يأت بجديد يذكر وذلك انسجاما مع قوانين التعمير السارية المفعول.
وحري بنا أن نشير أن مشروع القانون 04.04 المتعلق بالسكنى والتعمير قد تطرق في هذا الصدد إلى ضرورة تشجيع أسلوب التعاقد بين الدولة والجماعات المحلية في مجال تهيئة المناطق المخصصة للسكن الاجتماعي بمقتضى وثائق التعمير ([15])، كما اقترح كذلك أن تتخذ مجالس الجماعات كل التدابير اللازمة بتشاور مع الإدارة من أجل تنفيذ واحترام مقتضيات وثائق التعمير ([16]) ورغم ذلك فإن واضعي المشروع لم يغيروا تصورهم في شأن تدخل الجماعات المحلية في ميدان التخطيط العمراني على وجه الخصوص بل على العكس من ذلك يمكن القول أن المشروع جاء لتقوية عدم التركيز على اللامركزية.

وقبل الحديث عن تنفيذ مقتضيات وثائق التعمير، يجدر بنا أن نتساءل عن دور الجماعات المحلية في دراستها وإعدادها.
______________________________________
[1] للمزيد من التفصيل في هذا المجال يراجع مقال عبد الصمد سكال: التشريعات العمرانية بالمغرب من 1912 إلى الآن، ندوة “العمران في المنطقة العربية بين التشريع والتخطيط والإدارة” مرجع سابق ، ص: 9.
[2] الظهير الشريف رقم 1.59.315 الصادر في 28 ذي الحجة 1397 (23 يونيو 1960) بشأن التنظيم الجماعي، ج.ر عدد 2487 ، ص: 1870
[3] أمرير (ح): مرجع سابق، ص: 54.
[4] ميشيل روسي: اللامركزية: تهيئة المجالات وإنعاش السكن. مجلة الموئل، دفاتر الوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق، العدد السادس، نونبر 1993، ص: 49.
[5] ينص الفصل الثالث على ما يلي: ” تدرس التصاميم الخاصة بتوسيع نطاق العمارات القروية بسعي من المصالح المختصة التابعة لوزارة الأشغال العمومية (مصلحة التعمير) ولوزارة الفلاحة وبعد موافقة رئيس مقاطعة الهندسة القروية يعرض المشروع الذي وضعته مصلحة التعمير على المجلس القروي الذي يتعين عليه إبداء رايه فيه في ظرف شهر واحد ويخضع مشروع التصميم بعد ذلك إلى بحث يدوم شهرا واحدا يطلع خلاله العموم ما عليه ويدون ملاحظاته بشأنه، ويعلن عن إيداع هذا المشروع بإلصاق الإعلانات الخاصة به بمقر السلطة المحلية المعنية بالأمر.
ويستشار المجلس القروي من جديد فيما إذا قدمت ملاحظات أثناء البحث وبعد ذلك يصادق على التصميم بموجب قرار يصدره العامل ….”.
[6] لقد خصص دستور 1962 ثلاثة فصول للجماعات المحلية وهي على التوالي الفصل 93 و94 و95.
[7] إن سيطرة العامل على المجلس الإقليمي والمجلس الجهوي واضحة عند قراءة القوانين المنظمة للامركزية الإقليمية والجهوية، في حين أن رئيس المجلس الإقليمي والمجلس الجهوي لا يلعبان أي دور أساسي، حيث يمكن تشبيه رئيس المجلس الإقليمي بالخصوص بالعروسة التي لا تتحرك. راجع محمد اليعقوبي في مقاله: الديموقراطية الإدارية بالمغرب. المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، العدد الخامس، يناير 2005، ص: 82.
[8] الظهير الشريف رقم 1.76.583 بتاريخ 5 شوال 1396 (30 شتنبر 1976) بمثابة قانون المتعلق بالتنظيم الجماعي: ج،ر عدد 3335 مكرر بتاريخ فاتح أكتوبر 1976، ص:3025.
128- أكد بعض الباحثين أن مضمون الفصل 30 يعطي للجماعات المحلية السند القانوني لدراسة المخططات والتصاميم التعميرية والمصادقة عليها.
129 الظهير الشريف رقم 1.76.584 بتاريخ 5 شوال 1396 (30 شتنبر 1976) المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية وهيآتها. ج،ر عدد 3335 مكرر بتاريخ فاتح أكتوبر 1976.
130- أنظر محمد معنى السنوسي: دور الجماعات المحلية في قطاع التعمير والسكنى. مجلة الموئل، العدد السادس، نونبر، 1993، ص: 62. وكذا Rousset (Michel) : le droit de l’urbanisme entre la déconcentration et la décentralisation, in revue marocaine des finances publiques et l’économie N :8, 1992, P : 99.
132- الظهير الشريف رقم 1.02.297 بتاريخ 25 رجب 1423 (3 أكتوبر 2002) ج،ر عدد 5058 بتاريخ 21 نونبر 2002: ص: 3468.
تنص المادة 38 منه على ما يلي:
1- يسهر المجلس الجماعي على احترام الاختيارات والضوابط المقررة في مخططات توجيه التهيئة العمرانية وتصاميم التهيئة والتنمية وكل الوثائق الأخرى المتعلقة بإعداد التراب …؛
2- يدرس ويصادق على ضوابط البناء الجماعية طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل؛
3- يقرر في إنجاز المشاركة في إنجاز برنامج إعادة الهيكلة العمرانية ومحاربة السكن غير اللائق وحماية وإعادة تأهيل المدن العتيقة وتجديد النسيج العمراني المذكور؛
4- يقرر إنجاز البرامج المتعلقة بالسكنى أو المشاركة في تنفيذها؛
5- يشجع إحداث التعاونيات السكنية وجمعيات الأحياء؛
6- يسهر على المحافظة على الخصوصيات الهندسية المحلية و إنعاشها.
[14] مولاي امحمد لمراني: دور الجماعات المحلية في ميدان التعمير، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في وحدة البحث والتكوين: العقار والتعمير والإسكان، الموسم الجامعي 2003/2004 كلية الحقوق أكدال، الرباط ص: 77.
[15] المادة 20 مكررة من مشروع القانون 04.04 السالف الذكر.
[16] المادة 33 مكررة من مشروع القانون السالف الذكر.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *