التربية تكون الإنسان – المقاربة الفلسفية

” Notre nature, telle qu’elle nous est donnée à notre naissance, se réduit à un simple organisme, c’est l’éducation, autrement dit les expériences et l’enseignement, qui crée non seulement nos idées mais notre intelligence, non seulement nos goûts mais notre sensibilité et notre caractère ; qui ” nous fait ce que nous sommes” notre moi adulte s’est inscrit peu à peu sur la table rase que nous étions en naissant. Il faut pourtant que […]

التربية بين الفلسفة والسوسيولوجيا
الفصل الأول : البعد المعجمي لمفهوم التربية.
1-المقاربة الفلسفية:
1-2 التربية تكون الإنسان:
يقول ” أوليفيي ربول”:

[…] s’est inscrit peu à peu sur la table rase que nous étions en naissant. Il faut pourtant que l’esprit soit donné au départ , dire- t-on ne serait ce que pour recevoir une éducation”.

يمكننا انطلاقا من هذا القول أن نتساءل مع ” ربول” هل نحن بشر عن طريق الولادة ؟ أم نصبح كذلك بواسطة التربية ؟
يقول ربول كجواب عن هذا الإشكال :” لا يولد الإنسان إنسانا… فلا شيء من كل ما يؤلف الإنسانية ، أي اللغة والفكر والمشاعر والفن وعلم الأخلاق، ولا شيء من كل ما سعت الحضارة الآف السنين الحصول عليه قد انتقل إلى جسم المولود الجديد، بل كان عليه أن يكتسبه بالتربية ” .
يتضح من هنا أن الإنسان في البدء ولد حيوانا، غير تام، الأمر الذي يحتم عليه أن يصبح ما عليه أن يكون فيما بعد، وهو أن يتعلم كل شيء، أي كل ما يجعل منه إنسانا: الوقعة المستقيمة، واللغة وما إلى ذلك. ومادامت لديه القدرة على تعلم ذلك فهو إذن يتربى ويتكون باستمرار .
إن الطبيعة الإنسانية- يقول ربول – كما قدمت منذ الولادة تتلخص في جهاز بسيط إنه التربية أو بعبارة أخرى التجارب والتعليم، التي تخلق فينا ليس فقط الأفكار ولكن أيضا الذكاء، ليس فقط الذوق، بل أحاسيسنا وميزاتنا وطبائعنا التي تجعل منا ما نحن عليه الآن، فأنانا الراشد ترسخ شيئا فشيئا على الطاولة الفارغة التي كناها عند ولادتنا، ورغم ذلك فالفكر يجب أن يكون سابقا لكي يستقبل التربية.

لكن لا. فإلفيتيوس Helvétius المادي لا يقبل إلا بالمبادئ الملاحظة. في المنطلق، الإنسان له روح ليس فيها ما هو غريب، فهي ملكة الحس المشترك للإنسان والحيوان على حد سواء، وبالتالي فهي ( أي الروح) حقيقة فيزيائية ناتجة عن تنظيم، إنها حاضرة بكاملها عند الولادة وتختفي عند الموت، ليس لدينا أكثر من روح لكن لدينا أكثر من فكر. من هنا فالفكر هو تلك الأهلية للتفكير وللفهم وللخلق مكتسب، إنه كنتيجة مختلف بين المتحضر والمتوحش، وبين الراشد والطفل، وبين الارستقراطي والكادح. فكيف إذن نكتسب هذا الفكر ؟
عبر التجربة، لكن التجربة نفسها لا تكون إلا بالذاكرة، التي لوحدها يمكن أن تفرق بين الأحاسيس وبالتالي تستخرج منها الأفكار، الغبي الذي يجلس أمام الباب هو إنسان ذو ذاكرة، فروحه إذن تتلخص في الحس الخالص، فهو غير واع حتى بوجوده. ومنه فالروح ليست إلا أحاسيس والذاكرة تبني الأحاسيس بالتجربة، وبدون الذاكرة ليس هناك تسلسل للأفكار وبالتالي ليس هناك لا حكم ولا وعي ولا تفكير.

الآن لن نجعل من الذاكرة ” ملكة”، شرطا ترنسندنتاليا للمعرفة، إنها ليست سوى عضو بدني فيزيائي، تتلخص وظيفته في التخزين، فهي قبل كل شيء مشتركة بين الإنسان والحيوان، فبفضلها يفهم الكلب الذي نروضه كلامنا، فذكاء الكلب يرجع إذن إلى ذاكرته، والإنسان أيضا.
ليست الروح باعتبارها ملكة للإحساس، إلا تلك الطاولة الفارغة السطح. ويسجل ” أ ربول ” أنه بالنسبة ل”هيلفيتيوس” وعلم النفس الحسي، الإحساس يعني شيئين : استقبال الانطباعات الحسية، والتعبير عن الألم واللذة، فالحساسية كما نفهمها بالإضافة إلى الذاكرة تشكل المكتسب البعدي للتربية، لأن الروح تستقبل الأحاسيس التي تخزنها الذاكرة، والإنسان يمكنه أن يتعلم لأن الروح تعبر عن اللذة والألم، فهي تحتاج للتعلم لكي تكتسب الأولى وتتجنب الثانية.

إذن إرادة التعلم تأتي من حب الذات باعتباره الإحساس الوحيد الذي يولد معنا.
أما الفكر بمعنى الوعي والذكاء فهو مكتسب، إنه نتاج ظروف وكذا نتاج التربية، فالطفل له روح كما للراشد، لكن ليس له فكر، ذلك لأن لديه قليل من الأفكار المكتسبة، فما القول الآن في اختلاف الفكر بما أن الذكاء يختلف بين الناس؟
يرفض “هيلفيتيوس” تفسير عدم التساوي هذا بفطرية الذكاء ( أو الذكاء الفطري) أو بالموهبة الطبيعية، فكل هذا في نظره ليس إلا ميزات وتفسيرات مظلمة وغير مقنعة. فالعبقري له موهبة هي نتاج الظروف والتربية، لكن بما أن الإنسان يخلق أو يولد بنفس الجهاز، فليس من المنطقي أن ينمو لكل واحد- إذا كان جهازه على الأقل سليما –إلى درجة العبقرية ( Génie)، وبعبارة أخرى نقول “العبقرية” كقدرة غريبة وناذرة ليست إلا أسطورة، فكل إنسان يولد وبه العبقرية “Génie” الممكنة :” العبقرية مشتركة والظروف الخاصة لتنمينها جد ناذرة “( الجزء 5 ص  92).

يتجلى إذن فن التربية في خلق ” تباري الظروف” لإنتاج أكثر ما يمكن من العباقرة أو على الأقل الموهوبين.
وهذا التباري إذا ما ربطناه بالجزاء سنحصل من دون شك تعلما فعالا وتكوينا مستمرا شاملا يتضمن مختلف جوانب الذات المتعلمة، والجزاء يكون هنا بالمكافأة لا بالعقاب، يقول أفلاطون :” لا تستخدم العنف مع الأولاد، اعمل لكي تكون التربية لعبا بالنسبة إليهم، فتكون أجدر بأن تكتشف استعداد كل ولد.( ” جمهورية”، 537 “أ” ).
إننا لا نتعلم إلا ونحن نعمل وننمي نفسيتنا تبعا لفرديتنا الخاصة، وعوض أن نمجد الإجبار والإكراه، نبني التربية لدينا على الاندفاع الإنساني والرغبة.
من هنا ينبغي على المربي أن يقتنع بان المتعلم برغبته هو نفسه مصدر التعلم، وأن يقتنع باحترام ثقافته وأحاسيسه وآرائه ومواقفه مهما بلغت من الشطط، وأن التعلم يحصل لا بالعقاب وإنما بتبادل الثقة والاحترام بين الطرفين، تجسيدا للتواصل الفعال وللتربية الخلاقة المستمرة التي أثارها ( أ.ربول ) في كثير من كتبه.

وإذا كانت المهارة أو العبقرية كما قلنا تتعلم بالاكتساب، فإن هذا المكتسب الإنساني له طابع ثقافي وليس طبيعي، إنه ينقل ليس بواسطة الوراثة ولكن عن طريق التربية. والطبيعة الإنسانية تتفاعل خارج إطار التربية. انطلاقا من هذا هل بإمكاننا تحديد غايات التربية  ؟
إننا نرى الطفل من أجل المجتمع تبعا للقيم الخاصة بهذا المجتمع، وبالعكس يطالب القائلون بالطبيعة الإنسانية بتربية الطفل من أجل نفسه كي نسمح له بالتفتح حسب طبيعته الخاصة. وهكذا يبدو أن غاية التربية هي أن تسمح لكل واحد بتحقيق ذاته في إطار ثقافة ذات نزعة إنسانية أكيدة، وبالتالي فالتربية هي مجموع السياقات والطرق التي تسمح للطفل البشري بأن يقترب بالتدريج من الثقافة. تلك الثقافة التي تميز الإنسان عن الحيوان، إنها كما يقول “ربول”: “ثقافة حرة متحررة من كل انشغال تجاري أو سياسي، والتي لا غاية لها سوى نفسها” . فهل هي مرادفة للثقافة البورجوازية؟ يجيب ” ربول” :” كلا ، فإن الاستلاب الحقيقي هو أن يكون الخير المشترك، الخير الإنساني، مقصورا على طبقة واحدة. إن موسيقى موزار ليست بورجوازية وإن الظلم الأفدح هو أن تتمتع البورجوازية وحدها بها. وإن الوسيلة الصالحة لإزالة الفضيحة لا تقوم في نقض الثقافة كبورجوازية، بل في السعي لئلا تظل على بورجوازيتها ولكي تكشف أمام جميع البشر”.

هذه التربية التي يلوح لها “ربول” تعتمد على مؤسسات تربوية والتي هي “حقيقة اجتماعية مستقلة نسبيا ثابتة ومنتظمة، ملزمة تبعا لقواعد، وهي تتميز بدورها المجتمعي” . ولكل مؤسسة تربوية وظيفتها وهي الدور الفاعل الذي تقوم به المؤسسة داخل المجتمع ككل. وفي هذا الإطار يحدد أوليفي ربول المؤسسة بكونها تتميز بدورها بمجموعة من الخصائص الأساسية وهي:
1-المؤسسة حقيقة إنسانية ترتبط بإنسان له وجود اجتماعي، فنحن لا نتحدث عن مؤسسة حيوانية.
2-كل مؤسسة تتمتع باستقلال نسبي، وإلا أصبحت جزءا من مؤسسة أخرى.
3-المدرسة ثابتة : بمعنى أن وجودها سابق على الأفراد الذين يلجونها وهي باقية بعد مغادرتهم لها.
4-المؤسسة ملزمة، إذ تمارس السلطة على أفرادها وتحد من حريتهم، غير أن هذا الإلزام ذو طبيعة رمزية.
5-تخضع المؤسسة لقواعد تحد من الإكراه وتعمل على شرعنته، وهي قواعد يمكن أن تكون صريحة ( قوانين تعليمات رسمية…) أو مضمرة ( تقاليد،عادات…)
6-كل مؤسسة تؤدي وظيفة اجتماعية، وهذه الوظيفة هي التي تعطي معنى ودلالة لمجريات الأمور بها .

بناء على هذا الموقف الفلسفي التربوي الذي جسده المربي والفيلسوف أوليفي ربول عبر جملة من السياقات النظرية والفكرية حول مفهوم التعلم وقيمة هذا الفعل التربوي في تكوين وتشكيل الولد الإنساني، يمكن أن نتساءل عن دور هذه الفلسفة في بناء المجتمع الحديث ؟

الفلسفة حين تلجأ إلى التفكير، تستهدف الإجابة عن السؤال الأساسي الآتي ماذا يعني أن نربي؟ وهذا السؤال يمكن أن يضم مالا نهاية من الأسئلة :
ما معنى هذا المشروع الضخم، مشروع التربية، الذي يحتل مقام الصدارة في اهتمامات المجتمعات الإنسانية؟ ما هي طبيعته أو قل ما هي بنية العلاقة بين المعلم والمتعلم ؟… وإذا كانت التربية بالمعنى الشائع للكلمة تعني تغيير الإنسان فما هي القوى الكامنة التي تفتحها وتنميها لديه، وما هي غاية هذا الكائن الإنساني؟
ما يرجى من الفيلسوف أن يقدمه هو أن ينطلق من التفكير في العمل التربوي نفسه أو قل من عملية التربية، من أجل أن يقترح مبادئ تجعل ذلك العمل ممكنا… ولعل مبدأ حرية الكائن الذي نربيه، ومبدأ احترام هذه الحرية من قبل المربي، ومبدأ الأخلاق بأوسع معاني هذه الكلمة، مبادئ تأتي في الطليعة…

والتربية في نهاية الأمر هي أن نتعلم كيف نصير، أي هي التي تكون ما سنكون عليه فيما بعد، أو بتعبير أدق هي أن تصبح مع شخص “آخر” أو مع ” آخرين” بحيث يستطيع الجميع أن يخلقوا مستقبلا، وهذا المستقبل ليس مستقبلا وديا فحسب. بل هو أيضا وخاصة مستقبل الجميع.
لكن ترانا نعمل من أجل المجتمع أم من اجل الولد؟ يقول ” ربول ” إننا لا نربي الولد لكي يبقى ولدا، كما لا نربيه لنجعل منه ” عاملا ومواطنا ” وإنما نربيه لنجعل منه إنسانا، أعني كائنا قادرا على التبادل والاتحاد بكل ما هو إنساني. فالآثار الجمالية الكبيرة والقوانين العلمية والقيم الأخلاقية ليست اجتماعية بل إنسانية، ولئن عبر عنها في لغة وثقافة محددتين فإنهما مع ذلك قابلتان للترجمة وبالتالي يفهمها كل كائن إنساني، والواقع إن نموذجا “إنسانيا” ليس قط خارجا، فهو، إذ يوقظ ذكاء الولد وشخصيته، يجعله إنسانا، إذ يخوله أن يكون ذاته [….] فيما نرفض تربية مجبرة لا تهدف سوى إلى الامتثالية الاجتماعية، كما نرفض تربية فوضوية توشك أن تحجز الولد في الطفالة، نستطيع أن نجد قاعدة تربوية تخول الولد أن يكمل “طبيعته” في ثقافة تكون إنسانية حقا. ولنوضح أن ذلك البعد يجعل مفهوم ” غاية” التربية نفسه باطلا، أعني بهذه الغاية حدا قد تمكن من بلوغه دفعة واحدة, في استطاعة المرء بلا ريب أن يهدف إلى أن يصبح بطلا أو مهندسا ولكنه لا ينتهي في صيرورته إنسانا.
وهكذا فإن ” هدف التربية- كما قال ديوي – هو أن نخول كل فرد ألا يوقف تربيته على الإطلاق” ( ديمقراطية وتربية ص 100).

انطلاقا من هذا القول الرفيع، يتضح أن التربية في أصلها ممارسة إنسانية كونية بامتياز، لا يمكن تصور إمكانية تحققها خارج الوجود الإنساني، وبالمثل فإنسانية الإنسان لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال التربية، ذلك أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بالتربية، باعتبارها الجواد الذي ينقله من حالة الطبيعة ( الحيوانية) إلى حالة الثقافة ( الإنسانية)، بل تخص الكائن الإنساني وحده، اعتبارا أنه إذا كان الحيوان قابلا للترويض ( Dressage)، فإن الإنسان كان وما يزال الحيوان الوحيد الذي ينبغي أن يربى والذي يمكن تربيته.
إن حضور الفلسفة في التربية لم يكن أبدا حضورا بريئا، بل حضورا محكوما في توجهاته العامة بهدف استراتيجي قوامه طموح الفلسفة إلى إضفاء المشروعية على اهتماماتها بالتربية واتخاذها موضوعا للتأمل والتفكير… لكن هذا الحلم الفلسفي في شرعنة التفكير في التربية لا ولن ينفي أثر الحقول المعرفية الأخرى من دائرة هذا الموضوع، خاصة وان السوسيولوجيا كنموذج في هذا الباب استطاعت مع رائدها الفيلسوف والمربي “اميل دوركايم” أن تبرز طبيعة الظاهرة التربوية وأثرها على المجتمع والأفراد. إذن فما موقف هذا الأخير من التربية؟
__________________
– Olivier reboul –ibid. Page 163
أوليفييه ربول :” فلسفة التربية ، ترجمة جهاد تعمان ، ص  48.
– Olivier reboul –ibid . page 164
-أوليفييه ربول ، فلسفة التربية ، ص  83.
المرجع السابق، ص  36.
– أوليفييه ربول ، فلسفة التربية ، مرجع سابق، ص  36
– أليفي ربول، ترجمة عبد الكبير معروفي، فلسفة التربية، دار توبقال للنشر الدار البيضاء، 1994 ص 23.
-أوليفييه ربول:مرجع سابق، ص 57-58.



   One Comment


  1. عبد القادر لعميمي
      26 October, 2013

    هذا الموضوع هو بحث في التربية وموقعها بين الفلسفة والسوسيولوجيا، قمت بانجازه أنا ( لعميمي عبدالقادر) بمعية زميلة لي بالمدرسة العليا للأساتذة بمكناس كتتويج نهائي للسنة التكوينية 2008/2009، وقد سهر على توجيهنا أثناء البحث والعمل الأستاذ الكريم محمد ياسين دام له الشكر والتقدير… لكن ما أعيبه عليك يا ناشر هذا الجزء من البحث هو عدم تحليك بأخلاقيات المعرفة والفكر، لأنك نشرت الموضوع دون ذكر صاحبه أو أصحابه وهذا يعتبر خيانة بل وسرقة للنص تنم عن عمقك اللا تربوي وضعفك المعرفي عن تأليف المواضيع بذاتك ومن ذاتيتك.. لذا كن حافضا للأمانة واعمل على نسبة الأشياء لأصحابها حتى لا تكون ممن لا يعول عليهم المجتمع والتاريخ. وحتى لا تكون أيضا عبئا على نفسك ومجتمعك والعالم ككل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *