التحديات القائمة فيما يتعلق بالتصديق على إتفاقية حماية حقوق جميع العمال المهاجرين

القانون الدولي للهجرة
المبحث الثاني : أهمية ومضمون الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم والتحديات التي تواجهها
المطلب الثاني : التحديات القائمة فيما يتعلق بالتصديق على الاتفاقية
قدم عدد من الحجج للطعن في قيمة الاتفاقية، بل حتى للسعي بشكل حثيث إلى ثني البلدان المعنية عن النظر في التصديق عليها، وتتراوح هذه الحجج ما بين القول بعدم الدقة في جوانب من الاتفاقية من حيث مضمونها ونطاقها وطرح مسألة تكاليف وقيود تطبيقها وفيما يلي أربع مجموعات من الحجج الأكثر تذرعا بها، مع الرد على كل واحدة منها.

الفقرة الأولى : الحجج المقدمة بشأن الاتفاقية
أ-  حجج بشأن جدوى الاتفاقية ونطاقها
“الاتفاقية زائدة ” أي أن المعايير ذات الصلة المنطبقة على العمال المهاجرين سبق أن وردت في عهود واتفاقيات دولية أساسية لحقوق الإنسان أو في صكوك إقليمية صدق عليها معظم الدول.
من المهم الرد على هذا المنظور، وبشكل لا جدال فيه، لأن الأمر ينطبق أيضا على الاتفاقيات الدولية الأخرى التي تركز على فئات ضعيفة، مثل النساء، والاطفال والأقليات العرقية والإثنية والأشخاص المعاقين، ويرجع سبب هذا التأكيد في هذه الاتفاقيات المتميزة إلى ان الحقوق لم يعترف بها بالقدر الكافي أو لم تشمل الفئات الضعيفة، ورغم صكوك معيارية دولية، لذا أصبح من اللازم وضع اتفاقيات تفصل بشكل صريح ومحدد تطبيق الحقوق العالمية على هذه الفئات والواقع أن معايير حقوق الإنسان الواردة في الصكوك الدولية او الإقليمية لم تطبق في بعض البلدان وفيما يتعلق بالمهاجرين إلا في سياق الجنسية، وبالتالي فإن تطبيقها بهذا الشكل حد أو استبعد نهائيا توسيع نطاق العمل بها ليشمل غير الرعايا أو غير المتجنسين وعليه، جاءت الاتفاقية الدولية لحقوق العمال المهاجرين لتقدم توجيها خاصا بشأن تطبيق المعايير الدولية على فئة مهمة توجد، في غياب الاتفاقية مهددة بحمايتها بالقدر الكافي في القانون الوطني.

وعلاوة على ذلك، ورغم أن الصكوك الدولية والإقليمية الأخرى تنطبق بالفعل على  المهاجرين، فإنها قد تفتقر إلى الدقة بشأن كيفية تطبيق هذه الحقوق على المهاجرين في حالات كثيرا ما تكون خاصة بالمهاجرين  .  لذا فإن تطبيق هذه الحقوق يحظى بدعم آخر من آلية الامتثال للاتفاقية الدولية لحقوق العمال المهاجرين وللجنة المعنية بالعمال المهاجرين الخبرة في النظر إلى الهجرة بطريقة شاملة، تجمع فيها بين كل عناصر النهج القائم على حقوق الإنسان المتبع فيما يخص الهجرة وبين تطبيقها على الحالة الخاصة للبلد المعني، وبالتالي مساعدته في التصدي لمواطن القصور المحتملة في مجال إعمال حقوق المهاجرين وفي هذا السياق، من المهم أيضا تذكر أن القوانين والممارسات الوطنية التي قد تمتثل معايير حقوق الإنسان في الوقت الحاضر قد تتغير بسهولة، بينما تظل الالتزامات المنصوص عليها في المعاهدات ملزمة للدول الأطراف وبالتالي تشكل حماية دائمة من انتهاكات حقوق الإنسان .

” الاتفاقية مفرطة في الطول ” فهي صك طويل ومعقد يعترف بالحقوق في ميادين مختلفة، مما يجعل تنفيذه يتطلب إشراك العديد من الدوائر الحكومية التي قد لا يكون التنسيق بينها سهلا.
قد يكون طول الاتفاقية وتفصيلها من ين مزاياها فهي طويلة لأنها لا تتضمن مبادئ غامضة وإنما جاءت بلغة ملموسة تبين كيفية ضمان حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، ومعظم هذه اللغة من السهل إدراجه في القوانين والأنظمة الوطنية ، وبالتالي تيسير مهمة الهيئات التشريعية والواضعة للسياسات

“الاتفاقية محدودة أكثر من اللازم ” فنطاقها يستبعد البحارة والمتدربين، واللاجئين، ولا تشمل وكالات التوظيف التابعة للقطاع الخاص، ولا تشمل خصوصية جنسانية تتعلق بالمخاطر ومواطن الضعف التي تنفرد بها العاملات المهاجرات، ولا تتناول بدقة تحدي تنظيم الهجرة.
استبعد واضعوا الاتفاقية الدولية لحقوق العمال المهاجرين بعض الفئات من النساء العابرين للحدود لأن هذه الفئات مشمولة بشكل صريح في صكوك دولية أخرى أو أنظمة قانونية متميزة وعلى وجه التحديد، تشمل صكوك دولية خاصة أخرى البحارة واللاجئين والموظفين الحكوميين، مثل الاتفاقيات البحرية لمنظمة العمل الدولية واتفاقية 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين، والقانون الدبلوماسي الدولي
أما فيما يتعلق بمواطن الضعف الجنسانية، ربما ينبغي للاتفاقية، انطلاقا من توقعات اليوم، أن تشمل مزيدا من التوجيه المعياري الخاص لضمان حماية خاصة على الصعيد الجنساني من المخاطر التي تواجهها العاملات المهاجرات تحديدا بيد أنه مما لا شك فيه أن الاتفاقية لا تمنع من إدراج أحكام قانونية خاصة بالجنسانية وتدابير متعلقة بالتنفيذ لدى إدراج أحكام الاتفاقية في القانون والممارسة على الصعيد الوطني ومن الواضح أن القول ذاته يصدق على الصكوك الدولية الأخرى لحقوق الإنسان ، التي تفتقر إلى الخصوصية الجنسانية وإضافة إلى ذلك ومقارنة بعدد من الصكوك الدولية الأساسية الاولى في مجال حقوق الإنسان، قصد لدى وضع الاتفاقية الدولية لحقوق العمال المهاجرين صياغتها بلغة محايدة جنسيا.

وفيما يخص مسألة الموازنة بين التدابير المنظمة للهجرة والتدابير الحمائية، فإن منطق هذه الاتفاقية الذي تشاطره صكوك أخرى لحقوق الإنسان هو أن حماية السكان الضعفاء ليست في تنظيمهم وتنظيم حركتهم عبر تدابير قسرية أو تقييدية بدلا من ذلك تعترف الاتفاقية بأن أول شيء يحتاج إليه في التنظيم الصحيح هو تقديم حماية قانونية صريحة قابلة للانفاذ وللمساءلة بشأنها إلى الأشخاص الضعفاء ، وفي هذه الحالة ينبغي تقديمها في سياق تزايد تنقل اليد العاملة على الصعيد الدولي ذلك أن تنظيم النقل ذاته يمكن بل ينبغي القيام به عبر وسائل أخرى، منها الإشراف على العرض والطلب في أسواق العمل والواقع ان أحد الاهداف الصريحة للاتفاقية القضاء على حافز رئيسي يشجع على البحث عن يد عاملة مهاجرة غير قانونية واستئجارها  وهو سهولة استغلال هذه اليد بسبب عدم حماية الحقوق وعدم المساواة في معاملة المهاجرين
وعلاوة على ذلك، ثمة معايير دولية أخرى خاصة وتكميلية تقدم التوجيه بشأن كيفية التصدي للأشكال الإجرامية لنقل الأشخاص عبر الحدود و/أو استغلالهم في بلدان الوجهة، ومن أبرزها البروتوكولان المتعلقان بالاتجار بالأشخاص وبتهريب المهاجرين الملحقان باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لعام 2000.

ب-  حجج بشأن احترام صلاحيات الدول
“الاتفاقية تتدخل في سيادة الدول ” : يدعي بعض الحكومات أن ” الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم تحد من الحقوق السيادية للدول في البث بشأن الأشخاص الذين يمكنهم دخول إقليمها والمدة التي يمكنهم البقاء فيه ”    وتحتج هذه الحكومات بهذا السبب  في عدم تصديقها على الاتفاقية.
بيد ان هذه النظرية تفندها الجملة الاولى في المادة 79 من الاتفاقية إذ تقول ” ليس في هذه الاتفاقية ما يمس حق كل دولة طرف في أن تحدد المعايير المنظمة لدخول العمال المهاجرين وأفراد أسرهم “.
وبالتالي تحتفظ الدول الأطراف في الاتفاقية بسيادتها فيما يتعلق باتخاذ قرار السماح بدخول أي مهاجر أو رفضه وفقا للمعايير القانونية الدولية القطعية
“الاتفاقية تعرقل المرونة “: اعرب مسؤولون في عدد قليل من البلدان الأصلية عن قلقهم من أن التصديق على الاتفاقية سيصعب على حكوماتهم إبرام اتفاقات مع بلدان الوجهة من أجل الحصول على فرص عمل لرعاياهم، لأن هذه البلدان تفضل إبرام الاتفاقات مع الدول التي لم تصدق على الاتفاقية
رغم ذلك أثبتت الدراسات في الممارسة أن هذا التخوف لا اساس له عموما .

ج-  الحجج المتعلقة بدور المهاجرين وحقوقهم مقارنة مع الرعايا
الاتفاقية لا تفضل الرعايا بما يكفي ” فعلى سبل المثال، أشار أحد المحللين إلى أن ” البلدان التي تعاني البطالة والقيود الضريبية لا ترغب في منح العمال الأجانب المساواة في الحصول على المزايا الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية،” وترغب في الاحتفاظ بحق تفضيل العمال الوطنيين على العمال الأجانب ” .

الفقرة الثانية : مستقبل الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم
لمعرفة التقدم الذي احرزته الاتفاقية فإن هناك مجموعة من الملاحظات التي بهذا الخصوص :
فالملاحظة الاولى تتعلق بالتوازن بين الحقوق الفردية والرقابة من جانب الدولة فالاتجاهات المعارضة للاتفاقية تتخذ موقفا معاديا اتجاه القائمة الطويلة من الحقوق الممنوحة للعمال المهاجرين غير النظاميين الشيء الذي سوف يؤدي إلى فتح الباب أمام موجات من الأجانب الذين سوف يخلقون خلل بالتوازن الديمغرافي العرقي والديني والثقافي للدول المضيفة. وراء هذا الخطاب تجدر الإشارة إلى ان الاتفاقية لا تؤثر على حق كل دولة في ترحيل ( مع احترام الضمانات القانونية الممنوحة لجميع الأفراد) العمال المهاجرين الذين يوجدون في وضعية غير قانونية
وتتعلق الملاحظة الثانية حول تأثير الاتفاقية على العلاقات بين الدول، كالتأكيد على ضرورة التعاون الدولي في مجال الهجرة، وبصورة تدريجية يتبين الخط الفاصل بين ما يقع ضمن الاختصاص الحصري للدولة وما يقع تحت تأثير التعاون المتعدد الأطراف في مجال جد حساس مثل الهجرة
وثمة ملاحظة أخيرة تتمثل في تأثير الاتفاقية عند دخولها حيز التنفيذ حيث يتم قياس أثرها بشكل رئيسي من حيث عدد ونوعية الهجرة في دولة الأصل أو العمل- للدولة وما يقع تحت تأثير التعاون المتعدد الأطراف في مجال جد حساس مثل الهجرة
وثمة ملاحظة أخيرة تتمثل في تأثير الاتفاقية عند دخولها حيز التنفيذ حيث يتم قياس أثرها بشكل رئيسي من حيث عدد ونوعية الهجرة، في دولة الأصل أو العمل للدولة الأطراف ، وإذا كان ينبغي تشجيع التصديق على الاتفاقية فذلك لا يتمثل فقط في زيادة عدد الدول الأطراف ولكن بصفة خاصة لضمان الامتثال الفعال للاتفاقية  .

الخاتمة
إن اعتماد اتفاقية ما من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة كالاتفاقية الدولية لحماية جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، لا يفرض في حد ذاته أي التزام على الدول فالدول لا تصبح ملزمة بأحكام الاتفاقية إلا لدى تصديقها عليها وهذا هو السبب الذي يجعل أثر اتفاقية حقوق المهاجرين محدودا، إذ أن غالبية الدول لم تصادق عليها بعد.
ولم توقع أية دولة غريبة مستقبلة للمهاجرين على الاتفاقية حتى الآن، وذلك على الرغم من أن معظم المهاجرين يعيشون في أوروبا وأمريكا الشمالية ولم تصدق عليها أيضا بلدان هامة أخرى مستقبلة للمهاجرين مثل استراليا ودول الخليج والهند، وهذا ما يطرح مجموعة من الأسئلة عن مستقبل هذه الاتفاقية خاصة والقانون الدولي للمهاجرين ووضعية المهاجرين في العالم بصفة عامة وكنتيجة لذلك فإن المهاجرين غالبا ما يعانون من عدة أشكال من الاستغلال ومن انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وكرامته وبما أنه ينظر بطريقة أو بأخرى إلى المهاجرين كأشخاص مختلفين خاصة موجة الكراهية الذي يعرفها العالم الغربي حاليا اتجاه المهاجرين العرب، فإن مستقبلهم رهين بمستقبل الاتفاقية الدولية لحماية جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، وما يمكن أن تلعبه كدور فعال، إذا قامت الدولة المستقلة للمهاجرين بالتصديق عليها .
__________________________
– December 18 / 2007 the UN Treaty Montoring Bodies and Migrant workers a Samizdat ( Brussels)
موجود على الموقع : http//www.december 18 net /web/docpapers/doc 7039.pdf
Ryszard Cholewinski, Euan Macdonald 2007 the Migrant Workers Convention in Europe obstacles to ratification of ICRMW of ICRMW : EU/RMW Perspectives ( UNESCO Migration Studiers Paris )pp 51-54.
-Bimal Ghosh 2007. Human Rights and Migration : the Missing link ( the Hague Process on Refugees and Migration Foundation the Hague ).
– Dr Richard Perruchoud .  « international Migration law new challenges «  international Migration lawand policisin the Mediterranean context Round Table , Sanremo 15- 16 Decembre 2008 pp  35 – 36.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *