لقد اهتم الإسلام بمفهوم حرية العقيدة فجعلها إحدى الركائز الهامة التي يقوم عليها. فعمل على حمايتها، إذ بهذه الحماية يتحرر الإنسان من كل ما يمكن أن يكرهه على اعتناق دين لا يعتقد به.
فمصدر منح هذه الحرية أعلى وأعلم بأحوال خلقه باعتبارها تقع في مستوى القناعات وليست من متعلقات القانون .
ولا شك أن الرغبة في عيش هذه الحرية واقعا هي التي أدت بالإنسان إلى صياغة مجموعة من الاتفاقيات الإقليمية بإصدار الإعلانات العالمية لحماية حقوق الإنسان بخصوص حرية الاعتقاد والذي انعكس على النصوص القانونية التي تضمنتها هذه الاتفاقيات والإعلانات. كالمادة 18 من الإعلان […]
حرية الرأي والعقيدة بين الشريعة والقانون
الباب الثاني: حرية العقيدة مفهومها، تأصيلها، وحكمها.
[…]  النصوص القانونية التي تضمنتها هذه الاتفاقيات والإعلانات. كالمادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948  والمادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وحتى يمكن التوصل إلى فحوى ومضمون حرية الاعتقاد، سنعمل على مناقشة مفهومها، تأصيلها التاريخي وأهميتها (الفصل الأول) ثم حكمها من منظور الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي (الفصل الثاني).

الفصل الأول: مفهوم حرية العقيدة، تأصيلها وأهميتها.
سنحاول التطرق لهذا الفصل من خلال المباحث التالية، بحيث سندرس مفهوم حرية العقيدة (مبحث أول) ثم تأصيلها التاريخي (مبحث ثان) على أن ندرس أهميتها في (مبحث ثالث).

المبحث الأول: مفهوم حرية العقيدة
المطلب الأول: في اللغة
العقيدة لغة: العقيدة من الاعتقاد الجازم بالقلب وأصل الكلمة من العقد وهو شد الحبل بعضه ببعض ونقيضه الحل ومادة عقد في اللغة مدارها اللزوم والتأكيد  قال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} .
ويقال أيضا الاعتقاد: الاعتقاد مصدر اعتقد واعتقد كذا عقد عليه القلب والضمير، أو من عقد بمعنى ربط الشيء بالشيء، ويأتي الاعتقاد بمعنى المعتقد أي ما يعقد الإنسان ضميره عليه ويطلق على التصديق مطلقا جازما وغير جازم، مطابقا للواقع وغير مطابق، ثابتا أو غير ثابت .

المطلب الثاني: في الاصطلاح:
تعرف العقيدة حسب بعض الفقه  “التصديق بالشيء والجزم به دون شك أو ريبة” في حين ذهب آخر  إلى تعريفها “أنها مجموعة من قضايا الحق البديهية المسلمة بالعقل، والسمع، والفطرة، يعقد عليها الإنسان قلبه، ويثني عليها صدره جازما بصحتها، قاطعا بوجودها وثبوتها، لا يرى خلافها أنه يصح أو يكون أبدا”.
استنادا على ما سبق يتضح أن حرية العقيدة تتجلى في كون أن الإنسان حر في اعتناق واختيار ما شاء من الأفكار والتصورات حول الإنسان والكون والحياة وإعلان هذا التصور  دون أ إكراه أو ضغط في اعتناق عقيدة معينة أو تغييرها بأي وسيلة من وسائل الإكراه .
وتتضمن حرية العقيدة حرية الاعتقاد الديني من جهة أولى وأن يكون اعتناق هذه العقيدة مبني على إقناع عقلي واطمئنان قلبي .
فبخصوص الاعتقاد الديني فقد كرم الله تعالى الإنسان وميزه عن سائر المخلوقات بالعقل لكي يتفكر ويتبصر ليهتدي إلى العقيدة الصحيحة التي يقتنع بها، وذلك بدون أي تقليد ولا ضغط ولا إكراه على إرادته أثناء الاختيار مصداقا لقوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} . فالله عز وجل لم يبني الإيمان على الجبر والقسر وإنما أعطى كل فرد الحق في أن يدين بما يشاء، وأن يعتنق من العقائد ما يريد، ثم عمل على كفالة هذا الحق وحمايته إلى أقصى الحدود، فليس لأحد أن يحمل غيره على ترك عقيدته أو يحمله على اعتناق غيرها. أو يمنعه من ممارسة شعائر عقيدته.

أما بخصوص اعتناق العقيدة بناء على الاقتناع العقلي والاطمئنان العقلي: فاعتناق العقيدة يجب أن يكون مستندا على أدلة وبراهين لقوله تعالى: {يا أهل الكتاب لما تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} . في حين ورد في المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان  (لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين ويشمل هذا الحق تغيير ديانته أو عقيدته وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواء أكان سرا أو مع الجماعة “كما تنص المادة 10 من الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان المعتمد رسميا في ديسمبر 1989 بطهران “لما كان على الإنسان أن يتبع دين الفطرة فإنه لا تجوز ممارسة أي لون من الإكراه عليه كما لا يجوز استغلال فقره أو ضعفه أو جهله لتغيير دينه إلى دين آخر أو إلى الإلحاد”.
فالملاحظ من خلال هذين المادتين أنهما لم تعرفا حرية العقيدة، وإنما بينتا أنه يمكن لأي إنسان اتباع الدين الذي يريد دون أي إكراه وبأية وسيلة كانت.
وعلى هذا الأساس وخلاصة لما سبق،  فحرية العقيدة تتمثل في كون  الإنسان حر في اعتناق ما شاء دون خضوع لأي إكراه بأية وسيلة كانت مع ضرورة إسناد هذا الاعتقاد على أدلة وبراهين.
____________
– الطالبي محمد –الحريات الدينية حق من حقوق الإنسان أم قدر الإنسان- المجلة العربية لحقوق الإنسان: 49-55. عدد: 1-السنة الأولى تونس 1994 (بتصرف).
-” لكل شخص حرية التدين. ويشمل هذا الحق حق تغيير الدين، حرية الإعراب عنه بالممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان سرا أم مع الجماعة.”
– لسان العرب الإمام العلامة أبي الفضيل جمال الدين محمد بن مكروم ابن منظور الإفريقي المصري دار صادر بيروت الجزء 3 ص296 “مادة عقد” فصل العين المهملة.
– جزء من سورة المائدة الآية 89.
– “مادة الاعتقاد” من إعداد الباحث لصالح الموسوعة الإسلامية الميسرة ومن مصادره –الكفوي (أبو البقاء)، الكليات: 151 ط 2 مؤسسة رسالة –بيروت 1993.
– عقيدة أهل السنة والجماعة، تأ ليف أحمد فريد –مكتبة فياض للتجارة والتوزيع ط 2005 ص4.
– عقيدة المؤمن، أبو بكر الجزائري، مكتبة العلوم والحكم توزيع مكتبة الصفاط 2002 ص24.
– حرية الاعتقاد في القرآن الكريم –دراسة في شكليات الردة والجهاد والجزية، عبد الرحمان حليلي- ص28.
– نظرية الدولة في الإسلام –مرجع سابق- ص.309
– نظرية الدولة في الإسلام مرجع سابق ص310.
– جزء من سورة البقرة الآية 256.
– سورة آل عمران الآية 71.
– المعتمد بتاريخ 1948.