سنحاول دراسة هذا الباب من خلال التطرق إلى مفهوم حرية الرأي وتأصيلها التاريخي (الفصل الأول) على أن ندرس حكم حرية الرأي من منظور الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية (فصل ثاني). […]
حرية الرأي والعقيدة بين الشريعة والقانون
الباب الأول: حرية الرأي، مفهومها، تأصيلها، وحكمها.
[…]

الفصل الأول: مفهوم حرية الرأي وتأصيلها التاريخي
سنقسم هذا الفصل إلى مبحثين بحيث سندرس في الأول: مفهوم حرية الرأي لغة واصطلاحا، على أن ندرس في الثاني تأصيلها التاريخي.

المبحث الأول: مفهوم حرية الرأي لغة واصطلاحا:
المطلب الأول: في اللغة:

الرأي: معروف، جمعه آراء، وأراء أيضا، مقلوب ورئي على فعيل مثل ضأن وضئين وفي حديث الأزرق بن قس: وفينا رجل له رأي، يقال فلان من أهل الرأي أي أنه يرى رأى. الجوارج ويقول بمذهبهم، وهو المراد هاهنا، والمحدثون يسمون أصحاب القياس أصحاب الرأي يعنون أنهم يأخذون بآرائهم فيما يشكل من الحديث أو مالم يأت فيه حديث ولا أثر والرأي: الاعتقاد اسم لمصدر، والجمع آراء .

المطلب الثاني: في الاصطلاح:

ليس هناك مفهوم محدد لحرية الرأي وإنما هناك تعريفات متناثرة حول هذا المفهوم إذ حاول كثير من الفقهاء التعرض له.

فيمكن تعريف حرية الرأي بأنها التعبير الخارجي عن الفكر الباطني والتعبير يكون عادة بالقول أو الفعل أو الخطابة أو الكتابة والنشر وكذا بالحركات الدالة والصور والرسوم . وذلك بدون أية رقابة حكومية بشرط ألا يمثل الطريقة ومضمون الأفكار ما يمكن اعتباره خرقا للقوانين وأعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية الرأي.

في حين ذهب فريق آخر إلى تعريفها بأنها قدرة الإنسان في تكوين رأيه بناءا على تفكيره الشخصي، دونما تبعية أو تقليد لأحد، أو خوفا من أحد وأن يكون له كامل الحرية في إعلان هذا الرأي بالأسلوب الذي يراه مناسبا .

تجد حرية الرأي سندها في القرآن الكريم في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} .

وقوله تعالى:{ والذين مكناهم في الأرض وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} .

في حين نجد أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يعرف حرية الرأي بشكل صريح وإنما أعطى صور ممارسة هذا الحق من خلال المادة 19 التي تنص على ما يلي: “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل واستيفاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بحدود جغرافية”.

ونجد كذلك نفس المعنى في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص مادته 19-“لكل فرد الحق في اتخاذ الآراء دون تدخل.

– لكل فرد الحق في حرية التعبير وهذا الحق يشكل حرية البحث على المعلومات والأفكار من أي نوع واستيلامها ونقلها بغض النظر عن الحدوث وذلك إما شفاهة أو كتابة أو طباعة وسوا كان ذلك في قالب فني أو بآية وسيلة أخرى يختارها”.

– كذلك الأمر بالنسبة للإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان في المادة 22 الفقرة الأولى: “لكل إنسان الحق في التعبير بحرية عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية”.

– ويتضح مما سبق أن حرية الرأي تتمثل في كون الإنسان حر في اعتناق ما شاء من الآراء سواء شفاهة أو كتابة وبأية وسيلة يختارها لكن مع ضرورة عدم خرق القوانين والأعراف المنصوص عليها داخل الدولة التي سمحت بحرية الرأي.

المبحث الثاني: التأصيل التاريخي لحرية الرأي.

تميزت حرية الرأي في العصور القديمة بامتهان كرامة الإنسان فتفشى نظام الإقطاع وتحكم امتياز النبلاء وهيمنة رجال الدين فأصبحت الكنيسة هي مصدر التشريع الذي لا يعارض مما نجمت عنه تراكمات من العقوبات الوحشية باسم الدين وهو براء منه فانتشر القتال والاقتتال وغير ذلك من شتى أنواع مصادرة حرية الإنسان حتى أصبح كل من عبر عن استنكاره لتلك الجرائم يعدم بعد أن يعذب ثم استمر هذا الوضع إلى نهاية القرن 13 عشر المسيحي السابع الهجري فتتابعت الصيحات بالمطالبة بالتخلص من هذه المحن وهكذا صدرت في بريطانيا وثيقة العهد سنة 1215 بسبب ثورة النبلاء على الملك “جون” ثم تلتها وثيقة أخرى سنة 1689 ليتوج ذلك بوثيقة الحق سنة 1701  ثم تعزز هذا المسار التقنيني بإعلان حقوق الإنسان والمواطن بفرنسا عام 1789 التي تنص المادة 11 منه على أن “حرية التعبير من الحريات الأساسية للإنسان وتقر بأن لكل مواطن الحق في التعبير والكتابة والنشر بكل حرية إلا في حالات الإسراف في هذه الحرية وفقا لما يحدده القانون ثم تلاها مجموعة من الإصدارات إلى غاية صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد سنة 1948 الذي نصت المادة 19  منه على هذه الحرية.

ثم صدر بعد ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي بدأت فكرة كتابته رسميا سنة 1979 حيث قرر المؤتمر الإسلامي العاشر لوزراء الخارجية تشكيل لجنة مشاورة من المتخصصين الإسلاميين لإعداد لائحة لحقوق الإنسان في الإسلام وقد أحيلت على المؤتمر الحادي عشر الذي قام بدوره بإحالتها على لجنة قانونية توج في الأخير بعقد اجتماع في طهران في ديسمبر 1989 .

وفي الإسلام نجد أنه أعطى أهمية كبرى لحرية الرأي لأنها من المرتكزات الأساسية للكثير من القواعد الشرعية ولأنها تجلي الحقائق وتطهرها في النهاية على الرغم من الأهواء والتزييف. فبعد أن كان إبداء الرأي أمرا منبوذا في ظل شرائع ما قبل الإسلام جاءت الشريعة الإسلامية وأقرت هذا الحق لجميع فئات المجتمع وحيث لم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوة العامة لإبداء حرية الرأي وإنما كان يحث أصحابه على ممارستها معه فكان يستطلع آراءهم في الشؤون العامة والمصالح الخاصة .

ودليل ذلك ما حدث في معركة بدر عندما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أقرب ماء من وادي بدر فنزل به فجاءه الحباب ابن المنذر وقال له: يا رسول الله أهذا منزل أنزلك الله به أم هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:”بل هو الرأي والحرب والمكيدة فأشار إليه الحباب ابن المنذر أن ينزل في موضع آخر غير الذي نزل فيه فقبل الرسول منه هذا الرأي وقال: “لقد أشرت بالرأي” وتحول إلى مكان آخر .

وقد سار الخلفاء الراشدون وأمراء المسلمين من بعدهم على تشجيع الرأي وقبول النصيحة ممن يسديها لهم والرجوع عن رأيهم متى وجدوا في رأي الآخرين صحة وصواب .

وما أروع ما أفصح به عمر في هذا الصدد عندما تولى الخلافة فقد خطب في الناس يقول: “إذا رأيتم فيّ اعوجاجا فقوموني فيقوم إليه رجل ويقول له لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا” فيستبشر عمر ويحمد الله لأنه استوثق من أن هناك رجالا في الأمة يمكنهم أن يجهروا بالحق ولن يسكتوا عن الظلم.

ومرة أخرى يخطب عمر في الناس طالبا عدم الزيادة في المهر عن أربعمائة درهم….فتعترضه امرأة بقول الله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} .

فلم ينكر عمر عليها ذلك بل رجع لفوره إلى الحق ويقول “أخطأ عمر وأصابت امرأة” وكان بينه وبين رجل حديث فقال له الرجل اتق الله يا أمير المؤمنين، فأنكر ذلك بعض الحاضرين وقال للرجل أتقول لأمير المؤمنين اتق الله فقال له عمر: “دعه فليقلها لي نعم ما قال…لا خير فيكم إذ لم تقولها ولا خير فينا إذا لم نقبلها” .

– فمن خلال هذا الحديث يتبين أن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب كان يقبل برأي الآخر ويعمل به وهي تصرفات لا تحصى ولا تعد أثبت الخليفة عمر حرصه على حرية التعبير عن الرأي وتشجيعه للجهر بالقول.

_____________________
– لسان العرب للإمام ابن الفضل جمال الدين محمد مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، دار صادر بيروت. ج 14 فصل الراء المهملة ص300.
– مجلة المحاماة العدد 35 مايو 1993 عدد خاص بالمناظرة الوطنية حول حرية التعبير والصحافة والدفاع ص166.
– نظرية الدولة في الإسلام بحث مقارن في الدعامة الرئيسية للدولة الإسلامية والأسس الدستورية والقانونية التي تقوم عليها. عبد الغاني بسيوني عبد الله ط.1986 دار الجامعة ص.313.
– سورة آل عمران الآية 104.
– سورة الحج الآية: 41.
– حرية الرأي في القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية (الدكتور حمداتي شبيهانا ماء العين، عضو مجمع ممثل المملكة المغربية ص6.
– “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل واستيقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية”.
– الدكتور علي القاسمي حقوق الإنسان بين الشريعة والإعلان العالمي (مقدمة للأستاذ عبد الهادي بوطالب سلسلة المعرفة للجميع ص:145 العدد:22.
– الدولة والسلطة في الإسلام (صابر طعيمة مكتبة المذبولي ط.2005.ص.570.
– سيرة ابن هشام الجزء الثاني ص.260.259.
– الدولة والسلطة في الإسلام م.س.ص.571.
– سورة النساء الآية.20.
– ابن الجوزي سيرة عمر ابن الخطاب ص.135.