مفهوم الحكمة: تعريف ودراسة نقدية
مفهوم ” الحكمة” في الكتاب المدرسي:
ليس هناك تعريف محدد للحكمة في كتاب ” رحاب الفلسفة للجذوع المشتركة”، لكن يعرف الحكيم كما يلي ” في الصفحة 59 إضاءات ودعامات:
” إن الحكيم، وإن كان يظهر طافيا على سطح العالم، فإنه لا يهجر أبدا العالم، فهو منخرط فيه وله موقع داخله، إنه فاعل في العالم وحاضر فيه. فليس العالم بالنسبة إليه مجرد فرجة تعرض أمام عينيه بمعزل عن عمله، بل إن العالم هو مسرح للفعل وموضوع لنشاطه وعمله … إن الحكيم ليس فقط متفرجا ولكنه كذلك ممثل يلعب دوره … ” .

 

مفهوم ” الحكمة ” في المعاجم :
أ- حسب ” لسان العرب “ :
جذر الكلمة : حكم ،من حكم ، حكمة.
يقال الحكيم :” الذي يحكم الأشياء ويتقنها ، وقيل الحكيم ذو الحكمة، والحكمة : ” عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم”، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقينها ، حكيم .
والحكيم : يجوز أن يكون بمعنى الحاكم مثل قدير ، بمعنى قادر وعليم بمعنى عالم، الجوهري الحكم. الحكمة من العلم، والحكيم : العالم وصاحب الحكمة، وقد حكم أي صار حكيما ، قال النمر لابن تولب :
وأبغض بغيضك بغضا رويدا * إذا أنت حاولت أن تحكما
أي إذا حاولت أن تكون حكيما.
الحكمة ” كذلك: العدل. ورجل حكيم:عدل حكيم. وأحكم الأمر: أتقنه وأحكمته التجارب على المثل وهو من ذلك ويقال للرجل إذا كان حكيما: قد أحكمته التجارب، والحكيم المتقن للأمور.

ب- حسب المنجد في اللغة والأعلام :
من حكم حكمة : صار حكيما.
أحكمته التجارب: جعلته حكيما.
الحكمة: ج حكم، الكلام الموافق للحق، الفلسفة، صواب بالأمر وسداده، العدل العلم الحلم.وأحكم الشيء : أتقنه .

ج- حسب المعجم الفلسفي ” لجميل صليبا “:
حكمة : wisdom- sapientia- sagesse
هي العلم والتفقه، قال تعالى :” ولقد آتينا لقمان الحكمة”، يعني العلم والفهم، والحكمة : العدل، الكلام الموافق للحق وصواب الأمر و سداده ، ووضع الشيء في موضعه، وما يمنع من الجهل والعلة. يقال : حكمة التشريع، وما الحكمة في ذلك . والحكمة أيضا هي الفلسفة، أي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ولها في عرف الفلاسفة عدة معان :
1- أطلق لفظ الحكمة عند اليونانيين على العلم، ثم أطلق بعد ذلك على العلم مع العمل. لذلك قيل الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة ، ثم أطلق بعد ذلك على العلم والعمل، لذلك قيل : الحكمة هي استعمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة قدر الطاقة البشرية، وقيل : الحكمة معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة وهي العلم النافع المعتبر عنه بمعرفة ما للإنسان وما عليه ،أو هي معرفة الحق لذاته ، ومعرفة الخير لأجل العمل به. قال ابن سينا :” الحكمة صناعة نظر يستفيد بها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود كله في نفسه، وما عليه الواجب مما ينبغي أن يكسبه فعله، لتشرف بذلك نفسه، وتستكمل وتصير عالما معقولا، مضاهيا للعالم الموجود، وتستعد للسعادة القصوى بالآخرة وذلك بحسب الطاقة الإنسانية ” .

لذلك انقسمت الحكمة عند ابن سينا إلى قسم نظري مجرد وقسم عملي. أما غاية القسم النظري فهي حصول الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات التي لا يتعلق وجودها بفعل الإنسان ، ويكون المقصود منها حصول رأي فقط، مثل علم الهيئة . وأما القسم العلمي فالمقصود منه حصول رأي لأجل عمل مثل علم الأخلاق، فغاية النظري هي الحق، وغاية العملي هي الخير .
وقال ديكارت: ” ليس المقصود بالحكمة الاتصاف بالحيطة أو الأخذ في الأمور بالحزم فقط، وإنما المقصود بها المعرفة الكاملة بجميع ما يمكن أن يعرف لتدبير الحياة ، وحفظ الصحة واختراع الصناعات” . مبادئ الفلسفة المقدمة فقرة.2
ومعنى ذلك كله أن الحكمة علم وعمل، فإذا كان الإنسان عالما غير عامل بما يوجبه عمله او كان عاملا غير عالم بمبادئ علمه، لم يكن حكيما.

2-والحكمة أيضا حالة يوصف بها الحكم، وهي هيئة للقوة العقلية متوسطة بين الجربزة والبلاهة ( الجربزة : الخبث والخداع )، أوحالة توصف بها الأفعال والأقوال، أو منفعة تترتب على الفعل من غير أن تكون باعثة عليه .

3-والحكمة أيضا هي الكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه ، والجمع حكم كالأمثال وجوامع الكلم ( Aphorisme) والحكمي ( gnomique) هو المنسوب إلى الحكم، والحكميون هم الفلاسفة أو الشعراء الذين يؤثرون التكلم بالكلم .

4-والحكمة الإلهية ” théosophie” علم يبحث في أحوال الموجودات الخارجية المجردة عن المادة التي لا تتعلق بقدرتنا ولا باختيارنا.

5-والحكمة المنطوق بها هي علوم الشريعة والطريقة، والحكمة المسكوت عنها هي أسرار الحقيقة التي لا يطلع عليها علماء الرسوم والعوام على ما ينبغي، فنضرهم أو تهلكهم معرفتها.

د-  حسب معجم لالاند :
الحكمة : sagesse
علم فلسفة في مجرى الكلام على الأزمنة اليونانية القديمة، وفي أزمنة متأخرة، الحكمة هي الفضيلة لا غير.
” كانت الحكمة هي الاسم الأقدم للفلسفة. كانت تبدو آنئذ كأنها وحدة العلم وكان الحكيم يطرح على نفسه كل المسائل في آن من علة وطبيعة، وغاية العالم والإنسان إلى حقيقة الله في السماء، والعناية الإلهية في هذا العالم وتنظيم الحواضر وأدب الحياة ، والنظرة الوحيدة لكن العميقة الحزينة، لكن الثاقبة التي سيلقيها حوله ونحو السماء. هذا الكائن الذي يحس ويفكر والذي يستيقظ وسط اللانهاية ضائعا وجاهلا نفسه، هذه النظرة هل تقل عن الحكمة توسلا والتماسا ؟

هذا المعنى كان لا يزال مستعملا في ق 17 ، إلا أن ديكارت شعر بالحاجة إلى تفريغه من المعنى الجاري والمألوف، إذ يقول :” لا نقصد بالحكمة الحصافة فقط في الأعمال ، بل يقصد بها أيضا المعرفة الكاملة لكل الأشياء التي يستطيع الإنسان أن يعرفها سواء على صعيد أدب حياته ومسلكه، أم على صعيد حفظ صحته وابتكار كل الفنون”. ” ديكارت مبادئ الفلسفة” .

الحكمة: سمة الذي يتسم بالحكمة لا سيما بالمعنى الأخلاقي لهذه الكلمة، ميزة الأفعال أو الأحكام الحكيمة ،ميزة مشخصنة غالبا في هذا المعنى :” عبثا تنطق الحكمة وتنطلق من فمكم فصوت الطبيعة أقوى وأشد “.
حول حكمة sagesse عند الرواقيين الرومانيين حلت فكرة فضيلة ( وخاصة بالمعنى العقلي للقوة النفسية أكثر من المعنى الأخلاقي لهذه القوة ) محل فكرة علم يقول هوراس في كلامه على الرومان المغلوبين في مدينة فيليبي ،إن التعريف المأثورالذي يعطيه “شيشرون” لكلمة sapientia يجعلها معرفة ، علما طبقا للموروث.

هـ-  حسب كتاب التعريفات للعلامة علي بن محمد الشريف الجرجاني الحسيني الحنفي :
الحكمة : تجيء على ثلاث معان : الأول الإيجاد، والثاني : العلم ، والثالث: الأفعال المثلثة كالشمس والقمر وغيرهما. وقد فسر ابن عباس رضي الله عنه الحكمة في القرآن : بتعلم الحلال والحرام ، وقيل الحكمة في اللغة ،العلم مع العمل ، وقيل : الحكمة يستفاد منه ما هو الحق بحسب طاقة الإنسان. وقيل كل كلام وافق الحق فهو حكمة وقيل الحكمة هي الكلام المعقول المصون عن الحشو.
الحكمة علم يبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في الوجود بقدر الطاقة البشرية فهي علم نظري غير آلي ،والحكمة أيضا هي هيئة القوة العقلية العلمية المتوسطة بين الجزيرة التي هي إفراط في هذه القوة والبلادة التي هي تفريطها.
الفصل الثالث: المفاهيم الخمس الأساسية: تعريف وقراءة نقدية
منزلة المعجم في درس الفلسفة

منزلة المعجم في درس الفلسفة

__________________________________
– أحمد الخالدي وآخرون”، في رحاب الفللسفة ” الجذوع المشتركة للتعليم الثانوي التأهيلي ، الدار العالمية للكتاب مكتبة السلام الجديدة ، 1429-2008.
– م.م.س
– ابن منظور: ” لسان العرب ” جزء 2، من ح إلى د / ص 952-954 طبعة جديدة ومحققة دار المعارف تحقيق عبدالله علي الكبيري وآخرون.
– المنجد في اللغة والإعلام ، طبعة 37 منشورات دار المشرق لبنان ، بيروت ، 1998.
– د. جميل صليبا :” المعجم الفلسفي”. دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، لبنان، مكتبة المدرسة 1982– ص 491.
– ابن سينا :”الرسالة الخامسة في أقسام العلوم العقلية من تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات . طبعة2. دار العرب للبستاني. القاهرة.ص 104- 105 .(دون سنة إصدار).
– جميل صليبا، المعجم الفلسفي، 1982 لبنان بيروت، دار الكتاب اللبناني.مكتبة المدرسة .ص491
-المرجع نفسه ص 492
– أندريه لالاند: ” موسوعة لالاند الفلسفية ،مجلد 3 من R-Z ص 1234-1255 منشورات عويدات ، بيروت باريس طبعة 2 / 2001.
– Renouvier Manuel de philosophie , p 236.
-أندريه لا لا ند :” موسوعة لا لاند الفلسفية :” ، مأخوذ عن JJ Rous eau N.M.I 10 rad vit sajer
– م.ن. ص 1234
– م.س.ن