كيفية إثبات جرائم المنافسة

القانون الجنائي للمنافسة
الفصل الثاني : القواعد المسطرية  للقانون الجنائي  للمنافسة
الفرع الأول: قواعد إثبات جرائم الإخلال بالمنافسة

المبحث الثاني: كيفية إثبات جرائم المنافسة
يقتضي احترام المسطرة المتبعة لإجراء البحث عن الممارسات المخلة بقواعد قانون المنافسة التقيد بجملة من الشروط ، كالحصول على ترخيص لإجراء عملية البحث ( المطلب الأول) واحترام عدد من الشكليات والإجراءات ( المطلب الثاني ) .

المطلب الأول: الترخيص بإجراء عملية البحث
بالرجوع إلى القانون الفرنسي لسنة 1986 نجد أن المشرع قد ضيق من سلطات الأشخاص المكلفين بإجراء الأبحاث، ذلك أن قانون 1945 لم يكن يشترط لإجراء عملية البحث سوى الحصول على ترخيص إداري بذلك في حين أضاف لقانون 1 دجنبر 1986 ضرورة الحصول على ترخيص قضائي إضافة إلى الترخيص الإداري عندما يتعلق الأمر ببعض الحالات الخاصة.
أما بالنسبة للمشرع المغربي فقد استقى المقتضيات الواردة في هذا الشأن مباشرة من التشريع الفرنسي الجديد ،وبذلك ميز بدوره بين الحالات التي يكتفي فيها بالترخيص الإداري فقط والحالات التي تستدعي فضلا عن ذلك صدور ترخيص قضائي لإجراء البحث وقبل التطرق لهاتين الحالتين يجدر بنا تخصيص فقرة أولى للحديث عن كيفية صدور الترخيص الإداري بالبحث كمرحلة أولية.

فقرة أولى: الترخيص الإداري بالبحث
لم يحدد المشرع المغربي كيفية صدور الأمر من طرف الإدارة بإجراء الأبحاث حيث اكتفت المادة 65 من ق ح أ م بالقول ” لا يجوز للباحثين القيام بزيارة جميع الأماكن وبحجز الوثائق إلا في إطار الأبحاث التي تأمر بها الإدارة… ” لكن بالرجوع إلى القانون الفرنسي نجد أن فتح التحقيق أو البحث يتم إما بقرار يصدر عن الوزارة المكلفة بالاقتصاد أو باقتراح من الإدارة العامة للمنافسة والاستهلاك وزجر الغش إما بناء على توافر قرائن للممارسات المنافية لقواعد المنافسة، أو بناء على الشكليات المقدمة إليها من طرف المتضررين ، وإذا ما تعلق الأمر بالقضايا التي أحيلت على مجلس المنافسة من طرف المقاولات فإن المقرر المعين في المجلس يمكن له أن يقدم طلبا إلى الإدارة العامة للمنافسة والاستهلاك وزجر الغش قصد مباشرة البحث حول النازلة المعروضة  .
أما في حالة الطعن في القرار الذي يصدر عن مجلس المنافسة أمام محكمة الاستئناف بباريس فإن هذه الأخيرة قبل إصدار قرار في الموضوع تطلب من الإدارة إجراء بحث تكميلي حول النقطة محل الخلاف.

فقرة ثانية: الترخيص القضائي بالبحث
يتمتع الموظفون المكلفون بالبحث عن جرائم المنافسة بسلطات متعددة، وتختلف هذه السلطات بحسب الأماكن الخاضعة للبحث والتي ينتج عنها تحرير محاضر وفق أحكام قانون حرية الأسعار والمنافسة.
أولا : الأبحاث غير الخاضعة للترخيص المسبق
نص الفصل 64/1 من قانون 99-06  على هذا الإجراء فيما يلي :” يجوز للباحثين أن يلجوا جميع المحلات أو الأراضي أو وسائل النقل المعدة لغرض مهني، وأن يطلبوا الإطلاع على السجلات والفاتورات وغيرها من الوثائق المهنية ، ويحصلوا على نسخ منها ويجمعوا بناء على استدعاء أو في عين المكان المعلومات والإثباتات ”
فالموظفون بالإدارة المختصين بالبحث في جرائم المنافسة وكذا أعوان هيئة مراقبي الأسعار لهم سلطات واسعة للكشف عن هذه الجرائم ، حيث يمكنهم القيام بزيارات ميدانية تحت إذن مسبق والإطلاع على الكتب والفاتورات وغيرها من الوثائق المهنية .
وبتفحصنا لقانون حرية الأسعار والمنافسة لم نجد تعريفا للبحث في جرائم المنافسة ، ونفس الشيء نجده في قانون المنافسة الفرنسي الصادر في 1 دجنبر 1986. وبرجوعنا إلى مقتضيات قانون المسطرة الجنائية نجد أيضا المشرع المغربي لم يعرف البحث التمهيدي ولقد عرفه الأستاذ أحمد الخمليشي  على أنه ” تثبت من وقوع الجريمة وجمع الأدلة عنها وعن مرتكبها ، وهي المرحلة التي تسبق التحقيق والمحاكمة وملا يلاحظ على هذا التعريف أنه أغفل القائمين بالبحث التمهيدي، وأنه تقيد إلى حد كبير بما جاءت به المادة 18 من ق م ج وأنه ركز إلى الترتيب الزمني حينما قال المرحلة التي تسبق التحقيق وعموما يمكن تعريف البحث التمهيدي بكونه ” الجزاءات التي تتولاها الضابطة القضائية المختصة قانونا بالبحث عن المجرم وجمع الأدلة وتحديد ملابسات وقوع الجريمة في كافة أحوالها بغية إنارة القضاء في القضية المعروضة عليه ” .
وعندما ينصب  البحث حول البضائع أو المنتوجات المنقولة يمكن للمكلفين بالبحث أن يطلبوا في إطار مهمتهم فتح جميع الطرود والأمتعة عند إرسالها أو تسليمها بحضور الناقل أو المرسل أو المرسل إليه أو بحضور وكلائهم .
ومن أجل ضمان السير العادي لعملية البحث ألزم المشرع المقاولين في النقل بعدم عرقلة العمليات المذكورة وبالإدلاء بسندات النقل و تذاكر النقل والوصول وسندات الشحن والتصريحات التي توجد بحوزتهم وعندما يتطلب البحث دراسة تقنية خول المشرع للمكلفين بالبحث أن يطلبوا من الإدارة تعيين خبير مقبول لدى المحاكم للقيام بالخبرات الحضورية اللازمة ( م 64/4) ويجوز لرئيس مجلس المنافسة أن يطلب من الإدارة القيام بجميع الأبحاث التي يراها مفيدة ، كما يجوز له كذلك الاستعانة بكل خبرة تقتضي التوفر على أهلية تقنية خاصة كلما استلزمت حاجات البحث ذلك وتسلم نسخة من محاضر البحث التي تعفى من رسوم التسجيل والتمبر إلى الأطراف المعنيين حيث يعتد بمضمونها في الإثبات إلا أن يظهر ما يخالفها . ويخضع تحرير المحضر هذا لبعض الشكليات كأن يقع تحريره في أقرب الآجال ( م 63/4) ويشار فيها إلى أنه تم إطلاع المخالف على تاريخ ومكان التحرير وإلى أنه تلقى الأمر بحضور عملية التحرير.

ثانيا
: الأبحاث الخاضعة للترخيص القضائي المسبق
تهم هذه الحالة أساسا زيارة بعض الأماكن التي يحظر دخولها دون ترخيص حفظا على حرمتها كما هو الشأن بالنسبة للأماكن المعدة للسكنى حيث قيد المشرع المكلفين بالبحث بتقديم طلب الترخيص إلى جهة قضائية ( أ) كما وضع جملة من الإجراءات لتنفيذ الزيارة (ب).
أ- قرار الترخيص بالبحث
يقدم طلب الترخيص بالبحث في الحالات الخاضعة للترخيص القضائي المسبق تطبيقا للمادة 65 من قانون حرية الأسعار والمنافسة، إلى وكيل الملك  التابعة للأماكن المراد زيارتها لدائرة نفوذه أما إذ كانت هذه الأماكن تقع في دائرة نفوذ عدة محاكم يجوز ن يسلم طلب هذا الترخيص إلى واحد من وكلاء الملك بهذه المحاكم .
أما في فرنسا فيقدم طلب الترخيص من طرف الموظف المؤهل لذلك بعد تضمينه كل العناصر التي تفيد إلزامية القيام بالبحث وذلك إلى رئيس محكمة الاستئناف أو إلى أحد القضاة المفوض إليه ذلك كما أن قرار الترخيص يصدر في شكل أمر من قبل أحد القضاة المقتدرين بعد احترام جملة من الشكليات وتضمين قرار الترخيص عددا من العناصر على سبيل الوجوب  .

فبالنسبة للشكليات التي يلزم احترامها من طرف الجهة المصدرة للقرار فتتمثل فيما يلي:
1.    ضرورة التأكد من إجراء كل الفحوص التي يفرضها القانون، وما إذا كان طالب الترخيص تتوفر فيه الشروط اللازمة لتقديم هذا الطلب.
2.    ضرورة التأكد من توافر الترخيص الإداري وتوفر توقيع الاقتصاد أو الشخص المفوض له ذلك .
3.    ضرورة تعليل القرار الصادر ع الجهة القضائية بأسباب مقبولة تبرر خلال ضرورة إجراء هذا البحث.

أما بالنسبة لمحتوى القرار الصادر بشأن الترخيص فيلزم أن ينصب وجوبا حول العناصر التالية:
1.    تحديد بدقة لمحل البحث.
2.    تحديد أسماء الأشخاص المرخص لهم بالزيارة .
3.    التحديد بدقة للمكان الذي تتم فيه الزيارة.

ب- تنفيذ الزيارة قصد إجراء البحث
تتم الزيارة تحت سلطة ومراقبة وكيل الملك الذي رخص بها – في القانون المغربي – ويعين واحدا أو أكثر من ضباط الشرطة القضائية ، كما تعين عند الضرورة موظفة من الضابطة القضائية لزيارة الأماكن المعدة للسكنى يعهد إليهم بحضور أعمال البحث ويلزم أن تتم الزيارة ما بين الساعة الخامسة صباحا والتاسعة ليلا، وذلك بحضور من يشغل الأماكن أو ممثله وفي حالة غيابه أحال المشرع على الفصل 103 من قانون المسطرة الجنائية .(أصبحت في ق م ج الجديد من السادسة صباحا إلى التاسعة ليلا) ويكون الباحثون ملزمين بالسر المهني  .
إلا أن هناك حالة يمكن فيها للباحثين المؤهلين بموجب قانون المنافسة وحرية الأسعار أن يضطلعوا دون مواجهتهم بالسر المهني على كل وثيقة أو معلومة وتجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن عملية جرد الوثائق المحجوزة ووضع الأختام عليها تتم وفق ما يتعلق بمحاضر البحث في تلك الأماكن غير المعدة للنشاط المهني ( ف100 إلى 108 ق م ج ) فإنه يتم بمحاضر تقرر في الحال من قبل الباحثين المؤهلين بموجب القانون وتوجه أصول هذه المحاضر إلى وكيل الملك الذي رخص بالزيارة . أما النسخة فتسلم للمعني بالأمر كما تسلم له أيضا نسخ من المستندات الواجبة بقاؤها تحت الحجز مصادق عليها من طرف الموظف المكلف بالبحث مع الإشارة إلى هذا التسليم في المحضر.
أما الوثائق والأوراق التي لم تبقى لها أهمية في عملية البحث فتعاد إلى من يشغل الأماكن محل الزيارة .

وختاما نؤكد على أن أعمال التحري في جرائم المنافسة تخضع لخاصيتين أساسيتين :
-يتمتع الباحثون بسلطة تقديرية أثناء قيمهم بعملهم وهو عكس ما نجده لدى ضباط الشرطة القضائية، والدليل على ذلك هو استعمال المشرع عبارة ” يجوز للباحثين في كل الفصول المتعلقة بالأبحاث.
كل من لا ينصاع لقرارات الباحثين أو امتنع عن تقديم الوثائق المطلوبة إليهم يخضع لعقوبة زجرية تتراوح بين الحبس من شهرين إلى سنتين وبغرامة من 5000 إلى 200000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين ، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على اهتمام المشرع بمدى خطورة الجرائم الاقتصادية .
من خلال كل ما سبق يظهر تشدد المشرع بشأن الحالات التي يتم فيها البحث بناء على الترخيص القضائي بالمقارنة مع الحالات العادية التي تجري فيها الأبحاث والتحقيقات بشأن الممارسات المخلة بقواعد قانون المنافسة وذلك نابع أساسا من رغبة المشرع في حماية حقوق الأطراف التي تجري في حقها الأبحاث منعا لاستعمال القانون وسيلة للأضرار بالغير .
______________________
.- Marie Chantal broutard, tarbaded et Guy avinent, op. Cit. p157.
– هو نفس ما نص عليه المشرع الفرنسي في الفصل 47 من قانون 1/10/1986 وذلك حين قال:
Les enquêteurs peuvent accéder tous locaux, terrains ou moyens de transports à professionnel ….
– عبد الرحمان كنافي ، قانون حرية الأسعار و المنافسة “، بحث لنيل الإجازة في الحقوق كلية العلوم القانونية والاجتماعية مكناس سنة 2001-2002 ص129.
– نص على هذا الإجراء الفقرة الرابعة من المادة 65 من قانون 99-06 فيما يلي :” تتم الزيارة والحجز تحت سلطة ومراقبة وكيل الملك الذي رخص بها، ويعين واحدا أو أكثر من ضباط الشرطة القضائية ، وعند الحاجة موظفة  من طرف الضابطة القضائية لزيارة الأماكن المعدة للسكنى ويعهد إليهم بحضور الأعمال المذكورة .
-مفيد الفارسي، مرجع سابق، ص 86.
– ينص الفصل 103 من ق م ج على ما يلي :” إذا كان التفتيش سيجرى في غير منزل المتهم تعين استدعاء  رب المنزل أو من يشغله لحضوره فإن تغيب أو رفض الحضور أجري التفتيش بحضور شخصين من أقاربه أو أصهاره الموجودين بالمكان، وإذا تعذر ذلك يتم إجراء التفتيش بحضور شاهدين لارتباطهما علاقة التبعية بالسلطة القضائية أو الشركة القضائية .
– عبد الرحمان كنافي ، في بحثه السابق ، ص  132.
– المادة 65 من ق م .أ. م. م
– زين العابدين محمد” قانون حرية الأسعار والمنافسة أية رهانات ” مرجع سابق، ص 86.
– مفيد الفارسي ، مرجع سابق، ص 88



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *