عناصر قيام جريمة التفالس التدليسي والتفالس البسيط

جريمة التفالس والجرائم الأخرى في إطار نظام معالجة صعوبات المقاولة
المبحث الأول : شروط وعناصر قيام جريمة التفالس
المطلب الثاني : عناصر قيام جريمة التفالس
تقوم عناصر جريمة التفالس حسب ما نصت عليه المادة 721 في حالة القيام بالافعال التي نصت عليها هذه المادة كما أنه يفترض وجود قصد جنائي لمعاقبة هذه الأفعال وتنص المادة 721 على أنه ” يدال بالتفالس في حالة افتتاح إجراء المعالجة الأشخاص المشار إليهم في المادة 702 الذين ارتكبوا أحد الأفعال التالية :
1-    قاموا بعمليات شراء قصد البيع بثمن أقل من السعر الجاري او لجأوا إلى وسائل مجحفة.
2-    اختلسوا أو أخفو كلا او جزءا من أصول المدين
3-    قاموا تدليسيا بالزيادة في خصوم المدين
4-    قاموا يمسك حسابات وهمية أو أخفوا وثائق للمقاولة او الشركة أو امتنعوا عن مسك أية حسابات رغم أن القانون يفرض ذلك .
من  خلال هذه المادة يمكن تقسيم عناصر جريمة التفالس إلى عنصرين أحدهما مادي والآخر معنوي .

أولا : الركن المادي لجريمة التفالس

انطلاقا من المادة السابقة يمكن تحليل مختلف الأفعال التي وردت فيها وذلك بدءا ب :

I-    الأفعال التي تمس مباشرة الذمة المالية للمدين وهي :
1-     الشراء من أجل البيع بثمن أقل من السعر الجاري واللجوء إلى الوسائل المجحفة .
وتدخل هذه الحالة ضمن حالات التفالس البسيط الوجوبي التي كانت واردة في المادة 363 في قانون التجارة الملغى لسنة 1913.
ويقصد بعملية الشراء بقصد البيع بثمن أقل من الثمن الجاري ، اقتناء كميات كبيرة من السلع والبضائع وذلك بنية بيعها حالا وسعر أقل من سعرها في السوق بقصد الحصول على السيولة التي تمكن الشركة من مواجهة الديون الحالة وبالتالي استمرارية مصطنعة لحياة المقاولة .
وهنا لابد من تمييز هذه العملية عن البيع بالخسارة الذي لا يعتبر عنصرا من عنصر جريمة التفالس لأنه ما يتم اللجوء إليه إلا لضرورات اقتصادية أو واقعية او خطأ في التسيير .
غير أنه يعاقب على البيع بالخسارة بمقتضى قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 99-05 في المادة 67 منه .
ويتعين على القاضي الجنائي التحقق من ظروف إعادة البيع وظروف عمليات الشراء على وجه الدقة وعليه إثبات جميع العناصر المتعلقة بهذه  الحالة وتحديد البيانات الأساسية بشكل دقيق وإذا كانت البضائع تم بيعها قد تم شراءها عن طريق القرض ولم يتم أداء ثمنها فهنا نكون أمام جريمة تعرف باسم ( caramboeille)
أما فيما يتعلق باستعمال وسائل مجحفة قصد الحصول على الأموال لابد من الإشارة إلى أن الصياغة التي استعملها المشرع المغربي جد عامة، وبالتالي فإن التحديد الدقيق لهذا المفهوم يعتبر من الصعوبة بمكان غير أن الفقه يميز بين الوسائل المجحفة بالنظر إلى طبيعتها كاللجوء إلى قروض بفوائد ربوية باهضة والوسائل التي لا تكون مجحفة إلا نسبيا أي بالنسبة إلى الوضعية الخاصة للمقاولة مثل القرض التي تكون فوائد مرتفعة بالنظر إلى رقم أعمال المقاولة ، كما أن من ضمن صور الوسائل المجحفة تداول الأوراق المجاملة التجارية.
ويفترض في الغالب مشاركة البنك الذي يمنح مثل هذا القرض خصوصا حين علمه بوجود اختلالات في الأوراق التجارية التي تقدم له وبالرغم من أنها ذات طابع تدليسي .
ولتقدير الطابع التدليسي أو المحجف يمكن أن يعتمد القاضي على العلاقة بين وسائل التمويل وتكلفتها بالنظر إلى قدرة المقاولة المالية، كما أن للقاضي الجنائي سلطة تقديرية فيما يخص تحليل مختلف القروض أو الحسابات المعرفية على المكشوف.

2-اختلاس أو إخفاء كل أو جزء من الأصول
من خلال ما ورد في الفقرة الثانية من المادة 721 يمكن القول أنه يعاقب على فعلين يختلف كلا منهما عن الآخر ،غير أن كلاهما يهدف إلى تهريب جزء من أصول المقاولة ولذلك فالمحكمة  من تجريم مثل هذه الأفعال ، كونها تؤدي إلى المساس بالضمان العام الدائنين .
وتجدر الإشارة إلى أن إثبات حالات الاختلاس أسهل من الإخفاء نظرا لوجود فعل إيجابي ومن أمثلة تحصيل المسير لعمولات غير مبررة وتسجيل المسير الفعلي في حسابه الجاري مبالغ تعود للشركة وكذلك أداء مصاريف الشخصية من أموال الشركة او المقاولة وكذلك الأداء التفضيلي لأحد الدائنين في فترة الريبة وإن لم يكن ذاك مجرما في ظل مدونة التجارية الجديدة . أما فيما يتعلق بالإخفاء فيمكن القول أن له استقلالية خاصة على اعتبار أنه امتناع إرادي عن كشف كل أو بعض من الأصول حتى لا يعلم من قبل الدائنين ويقوموا بالتنفيذ عليه كإخفاء جزء من الأصول عند وضع الميزانية ويثار التساؤل حول مدى اشتراط أن يكون الاختلاس أو الإخفاء سابقا او لاحقا للتوقف عن الدفع ؟
بالعودة إلى المادة 721 يمكن القول أنها لا تعطي إجابة واضحة حول هذا الموضوع غير أنه بالرجوع إلى الاجتهاد القضائي وخصوصا الفرنسي نجد أن هناك بعض المحاكم ذهبت إلى اشتراط أن يكون فعل الاختلاس لاحقا للتوقف عن الدفع تفاديا لتعدد عدد الصور بين جريمة التفالس عن طريق الاختلاس الأصول وجريمة إساءة استعمال أموال الشركة  بينما اتجهت قرارات قضائية أخرى إلى اعتبار جنحة التفالس قائمة بغض النظر عما إذا كانت أفعال الاختلاس أو الإخفاء سابقة أو لاحقة للتوقف عن الدفع طالما أن تلك الأفعال تهدف إلى تفادي أو تأخير الكشف عن هذا التوقف وكذلك المساس بحجم أصول المقاولة المتوفرة بحيث يكون مرتبكها عاجزا عن مواجهة الخصوم المستحقة
3-الزيادة التدليسية في الخصوم
وهي الإقرار بدين وهمي من شأنه أن يؤدي إلى تضخيم مديونية الشركة وبالتالي تعريض الدائنين الحقيقيين لمزاحمة دائنين وهميين وتقليل فرص استمرارية المقاولة ولم توضح المادة 721 الوسائل التي من خلالها تتم الزيادة التدليسية في الأصول غير أنه يتعين على القاضي تحديد تلك الوسائل
كما تجدر الإشارة إلى أن هذا الفعل كان يدخل ضمن حالات التفالس بالتدليس الواردة في المادة 369 من قانون التجارة الملغى لسنة 1913.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن أي فعل أو امتناع من شأنه تحقيق غش يكون محل تجريم .

II-    الأفعال التي تمس بشكل غير مباشر الذمة المالية للمدين
ويتعلق الامر ب :
1-      مسك محاسبة وهمية أو إخفاء وثائق حسابية او الامتناع عن مسك أية محاسبة ويتبين ذلك من خلال القول بأننا نكون امام محاسبتين ممسوكتين بعناية غير أن إحداهما غير صحيحة وهي التي تقدم للأغيار والأخرى يحتفظ بها لمتفالس لنفسه وهذا يعني أن المحاسبة الوهمية ترتكز على عمليات وهمية لا أساس لها على أرض الواقع أي عمليات خيالية ونظرا لما يترتب على المحاسبة الوهمية من مخاطر تضخيم أصول الشركة لإ يهام المتعاملين باستقرارها وازدهارها وكذلك عن طريق اضخم  خصومها وجعلها وكأنها تعرضت لخسائر قصد التهرب من الضرائب فقد اعتبرها المشرع المغرب سببا من أسباب تمديد المسطرة إلى المسير وكذلك سبب من أسباب سقوط الأهلية حسب المواد 706 و 712 من مدونة التجارة .

2-  إخفاء وثائق حسابية
يترتب عن إخفاء وثائق حسابية إزالة الأدلة التي تثبت الالتزامات التي تحملها المسيرو بالتالي  إخفاء وضعية وضعيته الحقيقية .
وليس من الضروري لقيام التفالس في هذه الحالة أن تختفي كل الوثائق المحاسبية إذ يكفي فقط أن يتعلق الأمر بالوثائق والدفاتر التي تبين وضعية المتفالس ويطرح التساؤل حول مدى قيام جريمة التفالس إذا اما اختفت الوثائق المحاسبية تم ظهرت بعد ذلك؟ هنا نشير إلى أن محكمة النقض الفرنسية ذهبت إلى القول بالإدانة وذلك لأن الجريمة في عمقها قد ارتكبت واكتملت عناصرها ولا يؤثر فيها إعادة النظر إظهار الوثائق بعد ذلك غير أن هناك من يرى بأنها مجرد محاولة وبالتالي لا يعاقب عليها في إطار جنحة التفالس

3-  الامتناع عن مسك أية حسابات رغم أن القانون يفرض ذلك .
ذهب بعض الفقه الفرنسي إلى اعتبار أن هذا الفعل يمثل غياب مطلق للتقييدات الحسابية في الدفاتر التي يتطلبها القانون دفتر اليومية والجرد والأستاذ وإضافة إلى القوائم التركيبية وتقدير عدم وجود المحاسبة يدخل في سلطة قاضي الموضوع الذي يحدد مدة وجود مثل هذا الامتناع وهذه الصياغة تخرج من نطاق التجريم مسك محاسبة وإن كانت غير ملائمة لاحتياجات المقاولة مع شرط أن لا تكون محاسبة وهمية .

وقد تأرجح مفهوم الامتناع عن مسك أية محاسبة بين تفسيرين ، احدهما ضيق يعتبر أن الجريمة لا تقوم إلا في حالة الغياب التام لأية حسابات وهو ما تبتته المحكمة الزجرية بباريز أما التفسير الواسع فهو الذي يأخذ بوجود جنحة  التفالس كلما ثبت في حق المسير عدم مسك أية محاسبة أو أن المحاسبة الممسوكة مخالفة للقانون وهو ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بباريز غير أن هذا التفسير لا يتماشى مع القانون المغربي
ثانيا : الركن المعنوي لجريمة التفالس
إن القيام بالأفعال التي يجرمها القانون نفترض دائما نية إجرامية او قصد جنائيا عاما أو خاصا
لكن السؤال الذي يطرح بهذا الخصوص هو ، هل تطلب المشرع المغربي القصد الجنائي او توفر سوء النية في قيام جريمة التفالس؟ ثم مدى تحقق الضرر ؟
بقراءة المادة 721 لا نجدها تشترط سوء النية كما هو الحال بالنسبة للقانون الجنائي إلا أنه من المعروف أنه لا جريمة بدون خطأ كما يفترض في الجرائم  أنها عمدية إلا إذا تم النص على خلاف ذلك.
وفيما يتعلق بتحقق الضرر فإن المشرع لم يشر إلى ذلك صراحة كما هو الحال في القانون الجنائي .
وبالتالي فيشترط لقيام جريمة التفالس أن ترتكب سوء نية مادام المشرع لم ينص صراحة على خلاف ذلك.
غير أنه بالرجوع إلى المادة 721 نجدها تثير بعض الإشارات إلى ذاك كاستعمال ” لجأوا إلى وسائل مجحفة وقاموا تدليسيا ”
______________
– قرار بتاريخ 24/04/1984 كذلك قرار الغرفة الجنائية بتاريخ 21/09/1994
قرار محكمة النقض الفرنسية جنائي بتاريخ 18 يونيو 1998.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *