الأركان المكونة لجريمة عرقلة المنافسة

 الجزاءات المقررة ضد الأعمال المخلة بحرية المنافسة – الفرع الثاني :
كثيرا ما يسعى التجار إلى حماية تجارتهم من المنافسة باستعمال وسائل مشروعة أو غير مشروعة تضعهم في موقع متميز في السوق يمكنهم من التحكم في ميكانيزمات المنافسة، مما يوجب تدخل الدولة على ثلاثة مستويات :
أولا _ المستوى الإداري: ويمر عبر السلطات المخولة لمجلس المنافسة الذي يتوقف عليه أمر دراسة الملفات وإحالتها على الوزير الأول وما إلى غير ذلك من الأمور التي سنوضحها من خلال الفصل الثاني من هذا البحث.
ثانيا_ المستوى المدني: وذلك للحصول على تعويض وفقا لما لحق المدعي من ضرر.
ثالثا_ المستوى الجنائي: وهو ما يهمنا في هذه الدراسة، ويتمثل في تقرير العقوبات الواجبة في حق المخلين بحرية المنافسة. حيث تدخل المشرع المغربي من خلال القانون رقم 99-06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة لفرض عقوبات جنائية على الممارسات التي من شأنها الإخلال بحرية المنافسة، لذلك سوف نحاول دراسة هذه الجزاءات على الشكل التالي :
المبحث الأول: العقوبات الأصلية المقررة للأعمال المخلة بحرية المنافسة.
المبحث الثاني: العقوبات الإضافية والتدابير المتخذة في حق الأعمال المخلة بحرية المنافسة.
المبحث الأول: العقوبات الأصلية المقررة للأعمال المخلة بحرية المنافسة
لقد تدخل المشرع المغربي لحماية المنافسة من كل الممارسات التي تعتبر منافية أو مقيدة لحريتها، نظرا للدور الذي تلعبه في تقدم وازدهار الاقتصاد الوطني، وذلك بفرض مجموعة من العقوبات الجنائية، من خلال مقتضيات الفصل الثاني من الباب الثامن من القانون رقم 99-06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.

حيث يمكن تصنيف هذه العقوبات إلى عقوبات أصلية، وأخرى عقوبات وتدابير إضافية ، وبما أن الأولى هي التي تشكل محور هذا المبحث فسوف نحاول دراستها على الشكل التالي :
المطلب الأول: الأركان المكونة لجريمة عرقلة المنافسة.
المطلب الثاني: العقوبات المتخذة في حق الممارسات المنافية لحرية المنافسة.
المطلب الثالث: العقوبات المتخذة في حق الممارسات المنافية لحرية المنافسة.

المطلب الأول: الأركان المكونة لجريمة عرقلة المنافسة.
سيكون من غير المنطقي معاقبة الأشخاص المعنوية فقط على ممارستها المنافية لقواعد المنافسة، في حين أن عقول هذه الأشخاص المعنوية تبقى في حل من العقاب ، لذلك تدخل المشرع بموجب قانون حرية الأسعار والمنافسة وذكر صراحة كل شخص طبيعي , الذي لن يكون إلا مسير للمنشأة .
وجريمة عرقلة المنافسة تعتبر كباقي الجرائم الأخرى المنصوص عليها في القانون الجنائي حيث ينبغي لقيام المسؤولية الجنائية لمرتكب جنحة عرقلة المنافسة أن يتوفر ركنها المادي ( الفقرة الأولى) ,والمعنوي ( الفقرة الثانية ) حتى يترتب الجزاء الجنائي .

الفقرة الأولى: الركن المادي.
تتكون البنية الاقتصادية لجريمة عرقلة المنافسة من الأفعال الماسة باقتصاد البلاد ومصلحة المستهلكين، سواء كانت حدا من دخول السوق أو عرقلة للأسعار، أو تقسيم الأسواق, أو استغلالا تعسفيا لوضع مهيمن أو لحالة تبعية اقتصادية. ويتطلب الركن المادي لجريمة عرقلة المنافسة ضرورة توفر ثلاثة عناصر,تتمثل في سلوك إجرامي ( أولا), ونتيجة إجرامية ( ثانيا), وعلاقة سببية ( ثالثا) .
أولا: السلوك الإجرامي
يعتبر السلوك الإجرامي عنصرا ضروريا في كل جريمة, ولكن في جرائم المنافسة يختلف حسب الصورة التي تتخذها الممارسات المنافية لقواعدها. هل هي مثلا الاتفاقات المحظورة, أم التعسف في استعمال وضع مهيمن, أو حالة تبعية اقتصادية… .
ولكن يشترط كما هو معلوم أن يترتب على هذا السلوك الإجرامي نشاط مادي خارجي للجاني ونتيجة إجرامية لكي تكون الجريمة تامة وغير ناقصة.

ثانيا: النتيجة الإجرامية
والنتيجة الإجرامية هي الأثر الذي يترتب على السلوك الإجرامي وهي العدوان الذي ينال المصلحة أو الحق الذي يقرر له القانون حماية جنائية . وقد عبر المشرع المغربي عن النتيجة الإجرامية في قانون المنافسة بعدة عبارات : “عندما يكون الغرض من هذه الأفعال أو يمكن أن يترتب عنها عرقلة المنافسة أو الحد منها أو تحريف سيرها في سوق ما” ، أو يكون الغرض من الممارسات المذكورة سابقا في الفرع الأول أو يمكن أن يترتب عليها إلغاء سوق أو الحيلولة دون دخول منشأة أو منتوجاتها إلى أحد الأسواق …. . ويشترط أن تكون هناك علاقة سببية بين السلوك الإجرامي وهذه النتيجة الإجرامية.

ثالثا: علاقة السببية
تفترض العلاقة السببية أن تكون النتيجة الإجرامية مسندة ماديا إلى السلوك الإجرامي للفاعل، ومعنى هذا أن النتيجة ما كانت لتحدث لولا وجود النشاط المادي الخارجي المحظور . وهذا ما أشار إليه المشرع في المادة 67 من قانون 99-06 باستعماله لعبارة ” مشاركة شخصية “, وبشكل أكثر دقة أضاف المشرع الفرنسي للعبارة كلمة ( حاسمة ) .Une participation personnelle déterminante et وهذا الشرط من طبيعته تضييق حقل التجريم، وترك الأشخاص الذين تابعوا الممارسة دون ارتكابها أو تنظيمها خارج حقل العقاب .
ولا يكفي لقيام المسؤولية الجنائية لمرتكب جنحة عرقلة المنافسة أن يتوفر ركنها المادي ، بل لابد من توفر ركنها المعنوي.

الفقرة الثانية: الركن المعنوي
يفترض الركن المعنوي توفر عنصرين أساسيين العلم والإرادة، والعلم يكون بإدراك الممارسات التي تشكل خرقا لقواعد المنافسة, وإرادة المشاركة قصد تحقيق الهدف المتوخى ( وهو عرقلة المنافسة ). وقد أشار المشرع المغربي إلى ذلك صراحة من خلال عبارة “… شارك على سبيل التدليس أو عن علم… ” .

الأمر الذي نستنتج من خلاله أن مجرد الإهمال والتهاون وعدم الانتباه لا يرتب المسؤولية الجنائية – وإن كان يرتب جزاء مدنيا وهو البطلان بقوة القانون – بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك لنقول بأن مجرد العلم البسيط الذي لا يرقى إلى العلم التام واليقيني يعفي الجاني من المسؤولية والجزاء الجنائي وهذا ما أكده بعض الباحثين.
الفصل الأول: القواعد الموضوعية للقانون الجنائي للمنافسة
القانون الجنائي للمنافسة

 

القانون الجنائي للمنافسة

_______________________________
– أبو عبيدة ” الحماية الجنائية للمنافسة وحرية الأسعار” مرجع سابق ص 5.
– راجع الفصل 14 من القانون الجنائي المغربي .
-محمد بلمعلم ” جريمة عرقلة المنافسة” مرجع سابق، ص 1.
– المادة 67 من قانون حرية الأسعار والمنافسة .
– أحمد محمد محرز:” الحق في المنافسة المشروعة في مجالات النشاط الاقتصادي الصناعة التجارة الخدمات ” مرجع سابق، ص 354.
– د.نور الدين العمراني ” شرح القسم العام من القانون الجنائي المغربي ” طبعة الأولى 2008 ص 107.
– د.نور الدين العمراني ” شرح القسم العام من القانون الجنائي المغربي ” طبعة الأولى 2008 ص 110.
– المادة 6 من قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 99-06.
-نور الدين العمراني” شرح القانون الجنائي الخاص” طبعة 2006-2007 ص 171.
– المادة 17 من القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة الفرنسي الصادر في 1 دجنبر 1986.
– محمد بلمعلم ” جريمة عرقلة المنافسة” مرجع سابق، ص 2.
– المادة 67 من قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 99- 06 .
– أبو عبيدة ” الحماية الجنائية للمنافسة وحرية الأسعار ” مرجع سابق ص 6 .



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *