المقام , وضع الشخوص الإجتماعي والثقافي وتحقيق التعدد اللغوي

Spread the love

التعدد اللغوي وأثره الجمالي في وليمة لأعشاب البحر ” لحيدر حيدر”
الفصل الأول
تركيب عام :
IV – الوضع الاجتماعي والثقافي للشخوص ودوره في تحقيق التعدد اللغوي في ” وليمة لأعشاب البحر “
تتجاور في ” الوليمة ” عدة شخوص ذوي خلفيات ثقافية واجتماعية متنوعة تعبر عن رأيها بطريقتها ولغتها الخاصتين ، ويمكن أن تقسم هؤلاء الشخوص إلى فئتين ، ومثقفة ومتعلمة ثم فئة متواضعة

1- فئة المثقفين
تضم هذه الفئة جميع الثوريين المناضلين وعلى رأسهم : مهدي جواد ومهيار الباهلي ، وباقي الرفاق .
سأل أحد الرفاق مهدي قائلا :” ولكن فوجئنا بالانقلاب ونحنت نتعاون مع السلطة البورجوازية هل نستطيع القول يارفيق مهدي أننا خدعنا؟ أجاب …: أجل خدعنا يا رفيق ، وقال رفيق آخر لقد تحملنا مسؤولية تصفية عناصر قومية معادية … ”  . ففي هذا الحوار الذي جرى بين الشيوعيين نلمس نوعا من التقريرية والدقة في تبليغ الأفكار بالإضافة إلى استعمال كلمة رفيق التي تدخل ضمن رطانتهم الخاصة .
وفي موضع آخر، تصل مهدي رسالة من مسؤول الخط العسكري يقول فيها :” تسليح الرفاق محدود ، حاولوا بسلاحكم هذا الاستيلاء على بعض أسلحة سلطة القمع… النصر لحزبنا والموت لوكلاء أمريكا ”  ويحمل هذا الخطاب نبرة حماسية ثورية تتناسب مع توجه صاحبه وتوجه المرسل إليه ، زد على هذا أن السارد يقول :” تلقى مهدي جواد مع خليته ثلاثة مسدسات مع رشاش من نوع براوننغ ”  . مما يحيل على حضور ثقافة السلاح عند هذه الفئة .

2-فئة المتواضعين
تتصدر هذه الفئة: لا لا فضيلة رمز البساطة، ونقاء الروح، تتعامل مع أبنائها بعفوية ولطافة ، إذ تقول لمنار :” برنامج ” أم تراكي ناس ملاح ” خير من العربية والفرنسية يا الكحلة ”  وتقول في مقام آخر لمهدي وآسيا :” يزي علم هاو بقالكم ساعتين وانتو تديروا العربية ، لازم ترتاحوا شويا” . ترد جل حوارات لا لا فضيلة بالعامية التي تعبر عن كونها إمرأة غير مثقفة وإنما هي إمرأة تقليدية طيبة،
وما يؤكد هذا هو أنها استشهدت بأية قرآنية بشكل خاطئ إذ تقول :” كتاب الله يقول : نحن وجدنا آ باءنا على سنة ونحن على آثارهم لمقتدرون”  كما أنها ساذجة تصدق أقوال زوجها و ” تشعر بالإعتزاز والنشوة وهي تتحدث عن علاقته مع بعض الوزراء ”  .
تعبر لا لا فضيلة عن نظرتها للتغير الذي أصاب الناس بعد الاستقلال حين تقول :” الناس كانوا قلب واحد ودراع واحد وصوت واحد”  وككل الأشخاص التقليديين ترى دائما إلى الماضي على أنه مكمن كل الأشياء الجميلة، أما الحاضر فكله مشاكل .
لاحظنا إذن كيف ظهر مستوى لا لا فضيلة المتواضع من خلال لغتها التي انحصرت في العامية، ونبرتها الطيبة والسادجة.
فيما يخص يزيد ولد الحاج فهو ينتمي إلى منطقة القبائل،” كان فقيرا معدما، اضطر إلى العمل في السوق السوداء ”  إلى أن أصبح ثريا ومن ثم صار له مركزه وكلمته مع نخبة المجتمع ( الوالي ، قائد البوليس، مسؤولي الأحزاب) ، كل هذه الأمور ساهمت في جعله شخصية مزهوة بنفسها ، تقول آسيا لمهدي ” لأنه يملك المال يعتقد أنه والرب في مرتبة واحدة ”   وتتحسر آسيا لكون أمها خانعة له، إذ يقول لها ساخرا : ” نشوف يافضيلة . نشوف ديما تهضري بالخير والشر كاين بحومة قريبة منك ”   وهو هنا يهزأ بها وبقلبها الطيب وبظنها الحسن في بنتيها آ سيا ومنار ، وهنا نشير إلى حدث مهم، وضع حدا لعجرفة يازيد ولد الحاج، وهو ثورة آسيا ضده حين قال للالا فضيلة : ” بناتك ( …) شوفيهم شوفي ، لالا ”  لأنه رأى آسيا تتمشى في الشارع مع مهدي جواد، فطار عقله من الغضب الذي ترجمه إلى كلمات نابية.
ويشترك رجال السلطة مع يزيد ولد الحاج في مجموعة من النقط من بينها الفظاظة، واستعمال الكلمات النابية ، إذ يقول الشرطي الذي جاء لتفتيش منزل مهدي جواد :” وين هن (…) ؟   ثم “قال  …. بعصبية وفرنسية معربة، إيل فو احترام القانون ها ؟ كيفاش هكذا الليبرتي مع الطفلات ، وانتم لستم في بلادكم ؟… ” دي موا ” إسلام ولا روم هادي البلاد هيا قل ! وعلاه ” ترافيي ” هكذا وعلاه …”  . يبدو من خلال هذا المقطع أن الشرطي صاحب هذا الخطاب ، لا ينتمي إلى النخبة المثقفة ، إذ يخلط العامية الجزائرية والفرنسية، في غير تناسق ولا ترابط، ففرنسيته هنا لا تعني أن له مستوى تعليميا كبيرا بل هي ناتجة عن لاحتكاك بالمستعمر الفرنسي . بالإضافة إلى ذلك نجد نبرته فظة وآمرة .
تعتبر فلة بوعناب شخصية بارزة في الرواية، وهي ليست خريجة جامعة ما ، بل هي خريجة تجارب الحياة ، انتقلت من كونها مناضلة إلى سلة مهملات لرغبات الرجال الجنسية.
تقول فلة: ” أنا بتاع تنظيم ! يكفيني تنظيمات وثورات خامجة، أنا يا خويا، أنتظم مع رجل يحب الحياة والدنيا … لا السياسة والحرب والمشاكل ، يزيني منها”  وهي هنا تمزج العامية الجزائرية ( يزيني خامجة) بالعامية الشرقية ( بتع تنظيم ) . وهذا ناتج عن كون بانسيونها معبر لأساتذة الشرق ” من رشيد الفلسطيني إلى عبدالله السوري ، إلى ذو نون العراقي ، إلى مرسي المصري”   بالإضافة إلى تأثرها بلغة المستعمر . تقول فلة :” رومانتيك، رومانتيك عربي يا خويا مهدي ”  وهي هنا تزاوج بين العامية ( يا خويا ) والفرنسية المعربة ( رومانتيك) .
أثرت تجارب فلة ومستواها الاجتماعي والثقافي على لغتها حيث إنها تمزج بين العامية المغربية واللهجة الشرقية ثم الفرنسية …
نخلص إذن من خلال عرضنا لنماذج من الشخوص أن لغتهم تأثر كثيرا بمستواهم الثقافي والاجتماعي، فلالا فضيلة لا نتوقع منها أن تتكلم بلغة المثقف، وفلة بوعناب  التي عانت على مر سنوات حياتها وعاشرت رجالا من جنسيات مختلفة لابد للغتها أن تكون سوقية ومبتدلة، مليئة بالكلمات الأجنبية والنابية أيضا . يمكن القول إذن إن ” وليمة لأعشاب البحر ” تقوم على دمقرطة خطاب لكونها سمحت لشخوص ذوي مستويات ثقافية واجتماعية مختلفة … بالتعبير بواسطة لغتهم الخاصة …

V –  المقام ودوره في خلق التعدد اللغوي في ” وليمة لأعشاب البحر “:

يلعب المقام دورا كبيرا في جعل الشخوص يبتعدون قليلا عن لغتهم الخاصة بهم والمعبرة عن مكانتهم الاجتماعية والثقافية ويتكلمون لغة أخرى مناسبة للسياق الذي يوضعون فيه ، فلغة مهدي جواد مثلا الشخصية المثقفة تتغير حسب السياقات التي يوضع في إطارها، وحسب الشخصيات التي يحاورها. فمهدي جواد الذي يحادث الرفاق ليس هو مهدي الذي يحادث لا لا فضيلة ولا الذي يحادث أسيا عن الحب .
يتحدث المهدي مع رفاق النضال ، بلغة تقريرية تحمل في ذاتها كلمات النضال والتاريخ، إذ يقول :” كانت قيادة جبانة ودليلة للبرجوازية والديكتاتورية ، إن قيادة حزب شيوعي تتخلى عن تعاليم ستالين في استلام السلطة بالعنف، وتنتهز النضال السلمي ”  . أما حين يحادث الحاج الذي يدعي الدين والصلاح فإنه يواجهه بسخرية قاهرة باستعمال المعجم الديني ، حيث يقول :” رغبنا الاستثار فإذا بمخابرات ربي تقرع علينا الأبواب الموصدة ”   أما حين يكلم لا لا فضيلة فإنه ينتقي كلمات بسيطة ومفهومة. يقول مهدي :” أهلا بكم لا بأس ”  أما مع آسيا في مقام الحب فيستعمل مهدي كلمات رقيقة قريبة من العامية، إذ يقول لها :” حبيبتي … اشتقت إليك موت، كنت أموت في غيابك ”  وأحيانا يستعمل العامية في وقت الغضب والضيق ، ويقول لآسيا :” آ سيا يرحم والديك ”
فيما يخص مهيار ، فهو متمسك بلغة الثورة ولا ينزاح عنها إلا قليلا، يقول في موقف القوة أثناء حرب الآهوار:” لسنا قتلة أو قطاع طرق . تقدموا وخدوا قتلاكم فلن نطلق النار ”   . وفي مقابل هذه اللغة الفصحى نجده في موقف الضعف يستعمل لغة الأطفال ويقول :” آه سأموت ، ما ما أين أنت ماما ؟ ”   وحين يستفيق من مرضه وكوابيسه ، بفضل جسد فلة ، تصبح لغته نابية هو الآخر ، حيث يقول لمهدي :” (… ) بربك”   أما بالنسبة لباقي المناضلين فيغيرون لغتهم أيضا حسب موقفي النصر والهزيمة ، ونمثل لذلك بالملازم ظافر الذي بدت لغته فصحى ساخرة حين السيطرة على مخفر للشرطة إذ يقول لقائد المخفر :” هيا يا أبا الفوارس”  . أما في وضع الهزيمة والاضطراب فيمزجون بين الفصحى والعامية ، و ” يصرخ حسين وعبود ، انسحاب ، انسحاب. وين نروح وين نروح،”  ويضيف آخر : آني خلصت أتركوني وانجوا بأرواحكم ، عيوني ، أني ، انتهيت خلاص”
يتضح إذن أن تغيير المقام يساعد بشكل كبير على خلق تنوع في مستويات اللغة ، فكل شخوص الذين ذكرناهم لا يستقرون على لغة واحدة حتى ولو كانوا أشد تمسكا بلغتهم الخاصة . إذ هناك مقامات تفرض عليهم تغيير أساليبهم ونبراتهم ومستوياتهم اللغوية ودون وعي منهم كمقام الغضب والمرض …

تركيب عام :
استطاع حيدر حيدر بفضل قراءاته المتنوعة وتنقله بين المنافي الإجمالية والاختيارية وثقافته السياسية الغنية أن يجعل لروايته ” وليمة لأغشاب البحر ” ذاكرة منفتحة ، تحتضن مجموعة من الفضاءات والأصوات والنصوص  واللغات؛ إذ تجري الأحداث بين فضاءين اثنين هما : الجزائر والعراق ؛ الجزائر بمستوياتها اللغوية (  العامية والفرنسية على الأخص ) ورؤية ناسها للمرأة والاستعمار والدين ، ثم العراق بلهجته ورؤية ثواره ومناضليه الشيوعيين للحياة
بمختلف تجلياتها. كما يعتبر مهدي جواد ومهيار الباهلي من العراق ، وفلة بوعناب وآسيا الأخضر من الجزائر من أبرز الاصوات في ” الوليمة ” ، إذ لكل واحد من هؤلاء رؤيته الخاصة للعالم ، فمهدي جواد شخصية لها نظرة خاصة اتجاه الدين والمتدينين مما يدفعه إلى السخرية منهم بلغتهم . أما آسيا الأخضر فهي شخصية مرتبطة بالتقاليد والأسرة وتخاف نظرات الناس إليها . وفيما يخص مهيار فهو إنسان مسكون بشيطان الثورة والنضال ، له رؤية خاصة للعالم ، إذ جعلته هواجسه المرتبطة بالثورة ينسى عالم المرأة والمتعة ويعتبرهما أمرين غير ضرورين …
أما فلة بوعناب فهي صوت الحرية والانفتاح سواء على مستوى اللغة او على مستوى الأفعال ، حيث نجدها تتصرف بطلاقة مستعملة كلمات فرنسية أو كلمات عامية بديئة .
جاءت لغة الرواية متنوعة بين العربية الفصحى والعامية والفرنسية … مراعاة للمقام الذي توضع فيه الشخصيات ومراعاة أيضا للمستوى الاجتماعي والثقافي لكل شخصية على حدة. فلغة لالا فضيلة المرأة المتواضعة ليست هي لغة مهدي جواد الرجل المثقف ، ولغة هذا الأخير في موقف العشق ليست هي لغته مع رفاق النضال .
تضعنا هذه المقومات جميعها أمام استنتاج مفاده أن ” وليمة لأعشاب البحر” رواية ديمقراطية أعطت لكل شخصية من شخوصها حق التعبير عن رؤيتها اتجاه العالم وبلغتها الخاصة فكانت بذلك عالما متعدد اللغات والرؤى .
____________________
– حيدر حيدر ” وليمة لأعشاب البحر ” مصدر مذكور ، ص  44-45.
– نفس المصدر، ص 69.
– نفس المصدر ص 69.
– حيدر حيدر ” وليمة لأعشاب البحر ” مصدر مذكور ، ص  81
– نفس المصدر ص 241.
نفس المصدر ، ص  86.
-نفس المصدر ص ، 86.
-نفس المصدر ص 38.
-نفس المصدر ص 86.
-نفس المصدر ، ص  149.
–  حيدر حيدر ” وليمة لأعشاب البحر ” مصدر مذكور ،  ص 241.
– نفس المصدر ، ص 327.
– نفس المصدر ص 360.
– نفس المصدر ص 361.
– نفس المصدر ص 99
– حيدر حيدر ” وليمة لأعشاب البحر ” مصدر مذكور ،  ص 247
-نفس المصدر ، ص 190.
— حيدر حيدر ” وليمة لأعشاب البحر ” مصدر مذكور ،  ص 45
– نفس المصدر ، ص 83.
-نفس المصدر ، ص 83.
-نفس المصدر ، ص 365.
– نفس المصدر ، ص 284.
-نفس المصدر ص 216.
– نفس المصدر ، ص 322.
– نفس المصدر ، ص  323.
-نفس المصدر ، ص 206.
– حيدر حيدر ” وليمة لأعشاب البحر ” مصدر مذكور ،  ص 208.
-نفس المصدر ، ص 209.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *