التعدد اللغوي ، التناص أية علاقة ؟

التعدد اللغوي ، التناص أية علاقة ؟ – الفصل الأول
I-  تقاطع التعدد اللغوي مع مفاهيم اخرى :
2- التعدد اللغوي ، التناص أية علاقة ؟
لكل نص مميزاته الخاصة، فلغة النص القرآني ليست هي لغة النص الشعري او لغة المقال أو لغة النص القانوني وحضوره هذه النصوص مجتمعة او اثنين منها في عمل روائي واحد يعطينا نصا متعدد اللغات ومن ثم فالرابط بين تعدد اللغات ومفهوم التناص ، باعتباره حضور مجموعة من النصوص داخل نص واحد – قوى جدا إذ يمكن القول إن كل نص متعدد اللغات هو تناص. وقد شكل هذا المفهوم الأخير بؤرة لمجموعة من الأبحاث والمقاربات لباحثين متعددين أمثال كريستيفا وجنيت ، وريفاتير ، وسعيد يقطين …

أ- كريستيفا julia kristeva
تعرف كريستيفا النص بأنه ” جهاز عبر لساني يعيد توزيع نظام اللسان بواسطة الربط بين كلام تواصلي يهدف إلى الإخبار المباشرين أنماط عديدة من الملفوظات السابقة عليه او المتزامنة معه .
نستشف من خلال هذا التعريف أن النص عبارة عن إنتاجية أي أن علاقته باللسان الذي يتموقع داخله هي علاقة إعادة توزيع ( هدم من أجل البناء ) ثم إنه عبارة عن ترحال للنصوص وتداخل نصي إذ في فضاء نصي معين تتقاطع وتتلاقى ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى فالرواية مثلا بالنظر إليها نصا … يمكن أن نقرأ فيها خسارات مركبة لعدة ملفوظات “.

وتأسيسا على هذا تصبح الرواية ورشة مفتوحة تستوعب مواد مختلفة تتلاقح وتتفاعل فيما بينها لإعطاء عمل منسجم .
وقد اشتغلت كريستيفا على رواية انطوان دولاسال ” جيهان جوسانتري” وترى أنها ” الرواية الوحيدة من بين كتابات دولا سال التي يعتبرها نسخا وتجميعا لحكايات بناءة او رسائل علمية ” او مراسلات سفر … وهي حكايات تتبنى كخطاب تاريخي أو كفسيفساء لا متجانسة من النصوص ” . وتضيف كريستيفا أن هذه الرواية قد تكون ” أول كتاب نثري قابل لأن يحمل اسم رواية إذا نحن اعتبرنا رواية كل ما ينتمي إلى الإيديولوجيم الملتبس للدليل”
وهذا التصور يتقاطع مع تصور باختين للرواية حيث يرى أن هذه الأخيرة لا تستحق اسمها إذا لم تكن منفتحة على أجناس ولغات أخرى.وفي إطار اشتغالها على رواية دولاسال تكشف كريستيفا عن نوعين من الملفوظات في الرواية المذكورة وهما:

1- الملفوظات التفريطية التي تأتي من خطاب تواصلي منطوق بصوت مرتفع في الساحة العمومية من أجل إخبار الناس بها يتعلق بالحرب ( عدد الجنود الخارجين للمعركة ، أصلهم عنادهم ) أو ما يتعلق بالسوق ( السلعة جودتها أثمنتها ) وقد استغل دولاسال هذه ” المادة” التي تنتمي لثقافة يمكن أن نسميها الثقافة الصوتية .

2- الاستشهادات : حيث يستشهد دولاسال بسقراط وتريميديس Trimides والإنجيل وكاتون caton ; القديس او غسطين وأبيقور وابن سينا … وهذه الاستشهادات تنتمي إلى نص مكتوب اللغة اللاتينية او كتب أخرى ( المقروءة ) تلج نص الرواية منسوخة بشكل مباشر على شكل شواهد أو سمات ذاكرة ، وهي تنقل إلى فضاء الرواية عبر وضعها بن مزدوجتين أو عبر السرقة الأدبية .
وتخلص كريستيفا إلى أن ” الرواية عملية نسخ لتواصل شفوي أكثر منه كتابة ” لأن كل كتاب هو استنساخ لكلام شفوي باعتبار أن المرحلة الشفوية مرحلة سابقة تاريخيا على المرحلة الكتابية .
نستشف إذن أن كريستيتفا تنظر إلى النص على أنه إنتاجية قائمة على هدم وبناء وامتصاص النصوص الأخرى التي تصارع وتتساكن وتتفاعل داخل نسيج نصي واحد يتشكل فسيفساء من الاستشهادات .

ب- حيرار جنيت J.genette
منذ أن كشفت كريستيفا عن تصورها عن النص باعتباره ملتقي للعديد من النصوص شاع مفهوم ” التناص ” بشكل واسع فأصبح بذلك مركزا حوله مجموعة من المصطلحات المتولدة عنه مثل : para texte — méta texte- hypertexte- -intertexte- – archi texte … وفي هذا الإطار جاءت محاولة جيرار جنين ( J.Genette) الذي انتقل من تلخيص موضوع البويطيقا في معمار النص ( Architexte) أو ” معماريته بما أنها مجموع المقولات العامة أو المتعالية أي أنماط الخطابات، وانواع التلفظات والأنواع الأدبية ” إلى اعتباران موضوع الوطيقا هو التعالي النص (transtextualité) وهو ” كل ما يجعل نصا يتعالق مع نصوص أخرى بشكل مباشر أو ضمني ” ومنه فالتعالي النصي أعم وأشمل من معمار النص ويحدد جنيت خمسة أنواع من التعاليات النصية وهي:
1-التناص : حضور نص في آخر عن طريق الاستشهاد او السرقة …
2-المناص: pantexte ونجده حسب جنيت في العناوين والعناوين الفرعية والديول والصور ، وكلمات الناشر ….
3-الميناص : métatexte وهو علاقة التعليق الذي يربط نصا بآخر يتحدث عنه دون ان يذكره أحيانا
4- النص اللاحق : ويكمن في العلاقة التي تجمع النص ب كنص لاحق ( hypertexte بالنص “أ” كنص سابق ( hypotexte) وهي علاقة تحويل او محاكاة .
5-معمارية النص architexte إنه النص الأكثر تجريدا وتضمنا إنه علاقة ضماء تأخذ بعد مناصيا وتتصل بالنوع شعر- رواية بحث …

ج- تصور سعيد يقطين
يستعمل سعيد يقطين مصطلح ” التفاعل النصي” لأنه أعم من التناص فبما أن النص ينتج بينة نصية سابقة فهو يتعالق بها، ويتفاعل معها تحويلا أو تضمينا او خرقا وبمختلف الأشكال التي تتم بها هذه التفاعلات ” ومنه جاء البحث عن أشكال وأنواع هذه التفاعلات وكيفية اشتغالها داخل النص وأبعادها الدلالية
وهذا هو جوهر بحث سعيد يقطين حيث يقدم أنواعا للتفاعل النصي مستفيدا من تقسيمات جنيت وهذه الأنواع ثلاثة هي :

1- المناصة paratextualité وهي البنية النصية التي تشترك وبنية نصية أصلية في مقام وسياق معينين وتجاورها ومحافظة على بنيتها كاملة ومستقلة وهذه البنية النصية قد تكون شعرا او نثرا وقد تنتمي إلى خطابات عديدة كما قد تأتي هاجشا أو تعليقا على مقطع سردي او حوار …
ويميز يقصين بن المناصة الدالة أي داخل النسيج النصي والخاصيات الخارجية وهي ما يدخل ضمن نطاق المقدمة والذيول وكلمات الناشر والغلاف … غير انه يعطي الأولوية للمناصات الداخلية .

2- التناص (intertextuealité) إذا كان التفاعل النصي في المناصة يأخذ بعد التجاوز فهو في هذا النوع يأخذ بعد التضمين كأن تتضمن بنية نصية ما عناصر سردية أو قيمة من بينات نص سابقة وتبدو وكأنها جزء منها لكنها تدخل معها في علاقة.

3- الميناصية (métatextuealité) وهي نوع من المناصة لكنها تأخذ بعدا نقديا محضا في علاقة بنية نصية طارئة مع بنية نصية أصل .
إضافة إلى استعراض يقطين لأنواع التفاعل الضمني نجده يعرض أيضا لإشكالية وهي أيضا ثلاثة :
1-التفاعل النصي الذاتي، عندما تدخل نصوص الكاتب الواحد في تفاعل مع بعضها ويتجلى ذلك لغويا وأسلوبيا ونوعيا
2-التفاعل النصي الداخلي : حينما يخل نص الكاتب في تفاعل مع نصوص كتاب عصره سواء كانت هذه النصوص أدبية أو غير أدبية
3-التفاعل النصي الخارجي حينما يتفاعل نص الكاتب مع النصوص غيره التي ظهرت في عصور بعيدة .

كل هذه الأنواع والأشكال الخاصة بالمتفاعلات النصية تحضر بشكل مترابط ومتداخل عن قصد أو عن غير قصد من الكاتب ونخلص باستعراضنا لأهم المقاربات التي تناولت مفهوم التناص بالدراسة أن هذا المفهوم بقي محتفظا بجوهره الذي يتجلى في حضور عدة نصوص داخل فضاء نصي واحد، منذ بداية ظهور بوادره عند باحثين ( الحوارية) الذي أخذت عنه كريستيفا ما ستخضعه لتعميم أكبر أم غير أن ما جاء به الباحثون من أمثال حنين يقطين ليخرج عن الجوهر الذي صاغوه في أشكال وتقسيمات.
التعدد اللغوي وأثره الجمالي في وليمة لأعشاب البحر ” لحيدر حيدر”

 

التعدد اللغوي وأثره الجمالي في وليمة لأعشاب البحر ” لحيدر حيدر”

_____________________
جوليا كريستيفا: علم النص ترجمة فريد الزاهي، دار توبقال للنشر الدار البيضاء ، الطبعة الثانية ، 1997 ص 21.
– نفس المرجع ص 22.
– جوليا كريستيفا: علم النص ترجمة فريد الزاهي، دار توبقال للنشر الدار البيضاء ، الطبعة الثانية ، 1997 . ص 26.
– نفس المرجع ص 36.
– نفس المرجع ص 36.
– نفس المرجع ص 36.
-سعيد يقطين ، انفتاح النص الروائي النص والسياق المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2001 – ص 96.
– نفس المرجع ص 96-97.
– نفس المرجع ص 97.
– سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي مرجع مذكور ، ص 98
– نفس المرجع ، ص 99.
– نفس المرجع السابق ، ص 100



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *