التعدد اللغوي وأثره الجمالي في وليمة لأعشاب البحر ” لحيدر حيدر”
الفصل الأول
I-  تقاطع التعدد اللغوي مع مفاهيم اخرى :
3- تعدد الأصوات la polyphonie
إن التعبير الثنائي المنبت ، بمعنى أنه من “أ” إلى “ب” وفي القوت نفسه من “ب” إلى “أ” كل متكلم هو أيضا، وفي الوقت نفسه مستمع   ومن ثم فكل خطاب هو بالضرورة حوار بخصوص موضوع ما والذي يعد ( أي الموضوع) المحفز على انتاج خطابات متباينة حسب رؤية ومنظور المتكلم الذي ” ينطق ويقول من منطلق علاقته بموضوع كلامه أي منطلق رؤيته وحاجته أو تقديره لهذا الموضوع ومن ثم فهو أي المتكلم منحاز لما يراه ويقدره ” .
وتعتبر الرواية الجنس الأدبي الأكثر اتساعا وقابلية ،لإدماج واختصاص مختلف الرؤى ، والمنظورات الخاصة بموضوع ما وذلك بحكم تعدد شخصياتها وتنوع مراتبهم الاجتماعية والثقافية ” فمسلمة النثر الروائي الحقيقي هي التقسيم التصنيفي الداخلي للغة، وتنوع اللغات الاجتماعية واختلاف الأصوات الفردية التي تتمادى داخلها ”  ويرى باختين أن دورستوفسكي (Dostoiovski) هو أول من جاء بهذا الشكل الروائي القائم على تعدد الأصوات . يقول باختين :” نعتبر دوستوفسكي أحد أكبر المبتكرين في حقل الشكل الفني لقد خلق على ما يبدو لنا نوعا جديدا تماما للفكر الفني والذي نسميه تعدد الأصوات ( le polyphonie)   وهذا يعني أن دوسوفسكي يعطي في أعماله هامشا من الحرية لشخصياته لتبرز فلسفتها ونظرتها للعالم بعكس الرواية المنولوجية التي يطغى فيها صوت المؤلف على باقي الأصوات كما نجد ذلك في أعمال تولستوي أما في الرواية المتعددة الأصوات فصوت المؤلف كما سبقت الإشارة واحد من بين كل تلك الأصوات الحاضرة في العمل الأدبي وبهذا الخصوص يقول باحثين :” المفهوم الفلسفي الخاص بالكاتب يبرز أيضا داخل العمل غير أن له تأثيرا ثانويا.. إذ أن صوت دوستوفسكي يختلط مع صوت شخصية من شخصياته   وبذلك يتمتع الطل بسلطة أيديولوجية وستقلال كامل   فيصبح تبعا لذلك يذا للكاتب مادامت تهما معا تحضر جنبا إلى جنب داخل العمل الأدبي بل قد تتجاوز الشخصية مسألة الندبة إلى المعارضة والانتفاضة ضد مبدعها .
نخلص إذن إلى أن البوليفونية – كما يحددها باختين من خلال دراسته لأعمال دوستوفسكي – هي ” تعدد مراكز الوعي  .
يرى دومنيك ما نغونو Dominique Maigueneau  ، أن إشكالية تعدد الأصوات تمس مسألة هوية المتكلم ، الذي تتماثل في إطاره ثلاثة أوضاع هي :
1-المنتج الفزيائي للملفوظ ( الفرد المتكلم أو الكاتب)
2-ال” أنا ” المرجع
3-المسؤول عن الأفعال غير الكلامية ( قول وعد أمر …) فهذه الوضعيات غالبا ما يبيناها متكلم ما دفعة واحدة ، إذ حينما أقول مثل لجار حا ” سأذهب في رحلة “، فأنا في الآن ذاته منتج التعبير والفرد الذي يتماثل مع موضوع التعبير والمسؤول عن قولي .
يعترف دومنيك لباختين بالسبق في وضع مصطلح البوليفونية الذي ” اقتبسه ديكروا ( O.durcrot) وطوره بشكل ممنهج يعالج المفلوظات التي تتفاهم فيها مجموعة من الأصوات، داخل خطاب متكلم واحد ”  إذ مع ديكرو” بدأنا تمييزين الذات المتكلمة والمتكلم فالأولى تلعب دور منتج الملفوظ لها وجود عقلي فيزيائي ) والثاني فالأولى نلعب دور منتج الملفوظ ( لها وجود عقلي فيزيائي )… والثاني يقابل المرافعة التي تأ مسؤولية الفعل اللغوي ”
ويظهر الفرق بين هذين العنصرين باستعمال ظواهر الاستعادة وهنا يسوق ما نغونو ( maingueneau) حوارا مقتطفا من مؤلف ماريفو ( marrvaux)، le jeu de l’amour et du hasard  دورانت ، أنت حساسة تجاه حبه .
سيليفيا : أن حساسة تجاه حبه، من الذي قال لك هذا ؟ فهنا نعيد سيليفا قصد دورانت دون أن تغير فيه شيئا بل أخذته بوصفه مسلما به وهي في الحالة ( سيلفيا) الذات المتكلمة وليست هي المتكلم ”   ومن ثم يميز مانغونو بين الذات المتكلمة التي تستعيد كلام الآخرين ، والمتكلم المسؤول عن خلق التلفظ أو المرجع يضيف دومنيك أن الكاتب ليس الوحيد الذي له سلطة أن يقول ” أنا” في النص ”  وبذلك يكون الشخصيات أيضا دورها الخاص في إغناء الرواية بأصواتها الحاملة لرؤى متعددة متحاورة او متصارعة، وقد” أدرك بعض الروائيين العرب أهمية تعدد الأصوات والمستويات اللغوية داخل ، النص لتجسيد اختلاف النظر، وتعارض الشخصيات تجسيدا ملموس ، وانطلاقا من اللغة الاجتماعية للشخصيات، وما تمثله من أنماط الوعي ”  ومن هنا تبرز العلاقة بين التعدد اللغوي وتعدد الأصوات، إذ من الواضح أن تعدد في الأصوات لكن العكس ليس دائما صحيحا أن تعدد الأصوات ليس دائما تعددا لغويا إذ من الممكن جدا أن تعبر شخصيتان عن موقفين ووعيين مختلفين داخل نفس اللغة، فالتعدد اللساني المدرج في الرواية هو خطاب الآخرين داخل لغة الأخرين، وهو يفيد في تكسير التعبير عن نوايا الكاتب وهذا الخطاب يقدم التفرد في أن يكون ثنائي الصوت ” .
فطن الروائيون لأهمية تعدد الأصوات والتعدد اللغوي واعترفوا للرواية بازدهارها وقدرتها مقارنة مع باقي الأجناس ، الادبية الأخرى على احتضان هذا التعدد وهذا هو الأمر الذي عبر عنه رجب ، الشخصي الرئيسي في رواية ” شرق المتوسط” لعبد الرحمان منيف في رسالة إلى أخته أنسية قائلا :” …يبدو من الأحاسيس الداخلية …أريد أن نكتب معار واية ومن نحن ليس أنا وأنت فقط، بل أريد أن يكتب الصغار …
لو كتب عادل ، ولو كتب حامد ولو كتبت أنت، ثم أكتب أنا بعد ذلك ، لو هذا الشيء حصل … فإن ما نكتبه معا سيكون شيئا جديدا وجميلا ”  فهنا في هذا المقطع تسعى رجب إلى ابداع شيء غير مسبوق من خلال اعطاء الحرية لمجموعة من الأشخاص ذوي الأعمار والخلفيات المختلفة في التعبير عن موقفهم ووعيهم تجاه موضوع معين  “فالموضوع هو نقطة ائتلاف اصوات مختلفة داخلها يتحتم أيضا أن يدوي صوته ( أي الفنان الناشر) فمن أجل صوته تخلف الأصوات الأخرى خلفية ضرورية بغيرها لن تكون تلاوين نثره الأدبي قابلة للإدراك ولا مرنة ”  .

خلاصة عامة :
يقع التعدد اللغوي في نقطة تقاطع مجموعة من المفاهيم لعل أبرزها الحوارية ، عند باختين، الذي يرى ان الكون كله قائم على الحوار ، وأن قول هو بالضرورة تفاعل بين طرفين “أ” و”ب” باعتبار أنه ( القول) يحتاج دائما إلى إجابة بالإضافة إلى ذلك فخطابنا اليومي يحمل بالضرورة خطابات الآخرين إما عن قصد أي نقل أقوال الآخرين أو عن غير قصد .
أما المفهوم الثاني فهو التناص الذي يقوم على تفاعل نص أو نصوص كاتب ما مع نصوص غيره من الكتاب المعاصرين له، أو السابقين علمي زمنيا فكل نص يملك لغته الخاصة وبالتالي فإنه حين تلتقي نصوص مختلفة داخل فضاء نصي واحد يصبح هذا الأخير متعدد اللغات والأصوات أصوات الكتاب الآخرين المختلفين الرؤيات والمنظورات تجاه العالم .
وتأسيسا على ما سبق ، فقد ارتبط ازدهار الرواية بمدى ” قدرتها على أن تكون ملتقي للأصوات المتعددة وللغات المتباينة والمتصارعة، وللخطابات والحوارات الكاشفة للأفعال وخلفياتها الأيديوليوجية
____________________
– يمنى العيد ، الرواية الموقع والشكل مرجع مذكور، ص  22.
-نفس المرجع ص  23 – 24.
– ميخائيل باختين ، الخطاب الروائي مرجع مذكور، ص  34.
-Mikhail Bakhtine , la poétique de dostoievski traduction de isablelle kolit cheff édition du seuil, la France , 1er pubn 1970 p : 33.
–  -Mikhail Bakhtine , la poétique de dostoievski , op cit, p 33.
نفس المرجع ص 33.
– نفس المرجع ص 49.
-Dominique Maingneau Elément de linguistique pour le texte littéraire Ed, Dunod ; paris 3ème édition 1993 p : 75.
-Dominique Maingneau Elément de linguistique pour le texte littéraire, مرجع مذكور ص 75 – 730
-نفس المرجع ص  : 76.
– نفس المرجع ص 76
– نفس المرجع ص 76
– محمد برادة أسئلة الرواية ، أسئلة لقد مرجع مذكور ص 80.
– ميخائيل باحنتين ، الخطاب الروائي مرجع مذكور ، ص 81.
– عبدالرحمان منيف ، شرق المتوسط ” المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، الطبعة 13 – 2001 ص  188.
– ميخائيل باختين ، الخطاب الورائي ، مرجع مذكور ، ص : 45.
– محمد برادة، أسئلة الرواية، أسئلة النقد، مرجع مذكور ، ص : 71.