بين الفقه والتصوف في فكر الغزالي

بين الفقه والتصوف في فكر الغزالي – المحور الرابع:
احتل الفقه منذ البداية في البنية الاجتماعية الإسلامية مكانة أساسية لارتباطه بتنظيم العلاقات المجتمعية وضبط السلوك الفردي في ضوء وحدة العقيدة والشريعة ” ومن هنا وجدت فيه الفئات الحاكمة عبر الإسلام التاريخي وسيلة إيديولوجية ناجحة لتكريس سلطاتها وإذا ستثنينا المواقف المشرقة للأئمة الفقه وبعض مشايخه في مناهضتهم للاستبداد واستنكارهم لسلوك الخلفاء وأولى الأمر وفضح مخالفاتهم لمقاصد الشريعة فإن الطابع العام الذي ساد  الفقه والفقهاء- ضمن دواليب الدولة – هو رسم حدود الشريعة وتطبيع السلوك الفردي – وترسيخ التقليد وتعقيد القواعد الإسلامية .

فأصبح الفقه على يد هؤلاء علم تقنين ورسم يقف عند الظاهر  من سلوك المسلم
ومن هنا يجد التصوف الإسلامي باعتباره ظاهرة نفسانية مجتمعية دينية إحدى مرتكزات انطلاقاته فقد كان  امتداد الصرخات ضد الكسب غير المشروع الذي عاشه أرستقرطيو العصر الأموي والعباسي من أراء ووزراء  وإقطاعيين وكبار الفلاحين .
من هذا المنطق كان ” التصوف الإسلامي ” رافضا للانحراف الواقع القائم أي التنظيم المجتمعي والدولة العاملة على ترسيخه وتاييده ولما كانت هاته الأخيرة تستند على الشريعة وعلى الفقه في رسم حدودها معتمدة على نوع خاص من القراءات الفقهية المتسمة بمتابعة الظاهر.
فإن الرفض الصوفي اتجه بالتالي إلى نقد الفقه ونبذ القراءة الفقهية الظاهرة ويمكن القول كذلك بأن الصوفية باطنيون ” وأن كل المفكرين الباقين ” ظاهريون” على حد تعبير الصوفية أنفسهم الذين يقسمون الناس إلى أهل ظاهر وأهل باطن  وباختصار فإن الفقهاء يرمون تحديد  العمل الذي يباشره المسلم بجوارحه وان الصوفية يدعون إلى تصحيح العمل الذي يباشره المسلم بقلبه وقد تنبه علماء الطائفتين إلى الفرق الكبير بينهما حيث يقول مثلا احدهم وهو الحكيم الترميذي ” الدعاة إلى الله على ضربين فضرب يدعون إلى حق الله ، وضرب بدعوى إلى الله فالدعاة إلى الحق ينطقون من تدبير الله في أمر المملكة في الناحيتين ويشيرون إلى الأعمال الصالحة والدعاة إلى الله فردا ينطقون من منن الله وعن كرم رتب وجوده وسعه رحمته ويشيرون إلى دوام القلوب مع الله ويدرون معه في جميع امره ” .

ومن هنا نجد في التصوف لإسلامي وعلاقته بالفقه الشريعة موقفين متباينين :
موقف يمثله التصوف المعالي وقد حاول هذا الاتجاه تجاوز نظام الشريعة فميز بين الحقيقة ( التجربة الصوفية) والشريعة ” الفقه ” أخذا بالأولى ومسقطا لتكاليف الثانية ومدعما موقفه بأراء في الحلول والاتحاد ووحدة الوجود وحيث أن هذا الاتجاه يتحلل من تكاليف الشريعة ( الفقه) يشكل خطرا يهدد المجتمع الإسلامي ويهدد أصول الإسلام لذلك لم يتمكن من النفاذ إلى الذاكرة الشعبية الإسلامية وإلى السلوك الفردي والجماعي.

الفقه والتصوف في فكر الغزالي هذا الاتجاه من التصوف سيشن عليه ( شيخ الإسلام) ابن تيمية انتقادات صارخة ودخل في مواجهه بقوة وكان يرى في دفع ضرر التصوف الفلسفي أعظم الواجبات ويشبهه بدفع التثار عن المؤمنين كما جاء في رسالة له كتبها سنة 704 هـ إلى الشيخ أبي الفتح نصر المنجي وهو من كبار متصوفة عصره ومن أتباع الشيخ محي الذين ابن عربي  .
موقف يمثله التصوف السني وقد استطاع هذا الاتجاه أني يحيا في ذاكرة الشعبية الإسلامية وأن يوجه السلوك الفردي والجماعي لفترات طويلة جدا ومن أهم العوامل التي خولت للتصوف السني هذه المنزلة موقفه التوفيقي الجامع بين الحقيقة الباطن ( التجربة الأخلاقية الصوفية) والشريعة الظاهر ( الفقه)   . ولعل الغزالي أحد أقطاب التصوف السني فلقد كان بحق في سلوكه وفكره نموذج الفقيه الصوفي حيث تكامل في شخصه الفقه والتصوف فكان تصوفه ضميرا حيا جعله ينأى عن مزالق شطحات الصوفية وادعاء الوصول لأنه كان يربط في وحدة عضوية متكاملة بين الفقه والتصوف ومنه فقد كان تصوفه بمثابة رد فعل ضد مآل إليه الفقه الإسلامي من اقتصار على ظواهر الأعمال وشكليات الأحكام في العبادات والمعاملات ( الشريعة ).
وإذا كان الفقه قد صار منذ أواخر القرن الأول للهجرة على يد الفقهاء من أهل الفتاوى علما غايته تشريع الأحكام العامة في العبادات والمعاملات والعادات واقتصر الأمر في ذلك عندهم على ظواهر الجوارح ورسوم الأعمال وانتظام المصالح الدنيوية فإن التصوف منذ مرحلته الأولى كانت غايته رسم طريق مجاهدة النفس ومحاسبتها وحملها على امتثال الأحكام الشرعية ظاهرا وباطنا .

وإذا كان الفقيه يقتصر على تشريع الأحكام وضبط المصالح الدنيوية استندا على عمل الجوارح الظاهرة فإن التصوف السني  كما رآه الغزالي يتجاوز إلى أغوار النفس ويأبى إلى أن يسوي بين السر والعلانية بين الظاهر والباطن في سلوك الإنسان فكان بذلك علما أخلاقيا يهتم بأحوال الضمير وما يترشح منه على الجوارح في العبارات والمعاملات وبيان مقام العبد وحاله من الله وإرشاد لمصالح الآخرة .

خاتمة البحث :
وفي الأخير يمكن القول بان التصوف يعتبر جزء من ثقافة الاسلام وتاريخه وسيرة رجاله جزء من تاريخ الإسلام وحضارته وذلك لأن التصوف عمل على إيقاض قلوب كانت هبة وعمل على تذكيير عقول كانت ناسية وعمل على تأذيب مجموعة كبيرة من أتباعه بأداب الإسلام وهذا طبعا لان التصوف عندما يلتزم بإطار القرآن والسنة يكون رافدا مهما من روافد الثقافة الإسلامية والإنسانية ولعل أبي حامد الغزالي واحد من كبار أعلام المتصوفة الذين استشعروا قيمة وصفاء التصوف السني فستصاغ بجدارة واستحقاق أن يعتبر النموذج الذي يقتدى به سواء في المشرق أو في المغرب .

إلا أنه مع كل هذا فقد سيء فهم تصوف الغزالي إلى درجة اعتبر من لدن البعض تنكرا للعقل واتهم بأنه أبطل القدرة الفكرية للإنسان وأعلى فيه صوت التبعية والإيمان ولكن أبي حامد الغزالي في الواقع حاول أن يثبت أن العقل لا يمضي وحده في الهيئات دون أن يمتد بنور الوحي وإلا أصابه التيه في بيداء التناقض والحيرة. وقد لاحظ هذا ابن خلدون في مقدمته فيما ذهب إلى القول ” العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كدب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره . فإن ذلك طمع في محال ومثل ذلك رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال وهذا لا يدل على أن العقل في أحكامه غير صادق لكن للعقل حدا يقف عنده  .

إلى أن الغزالي لم يطلب تجميد العقل وتوقيفه بل اكد على تفرده في مجالات معلومة وانكر على المتدينين إغراقهم في التفاعل عن مقتضيات العقل إلى حد يمكن للفلسفة والبحث العقلي أن يختلف أو يتفق مع الدين فهو في الحقيقة عزز العقل الناقد المستقل على العقل المقلد المسلم لأراء الكبراء المشهورين وعزز العقل أيضا إذ أظهر له المجالات التي سيتخبط فيها خبط عشواء ويلاقي فيها حتفه وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه الاتجاه العقلاني عندما اتهم الغزالي بانه نقض العقل في حين أن كرمه وذلك شبيه بالخطأ الذي وقع فيه فقهاء الغرب الإسلامي الذين اتهموه بالهجوم على الفقه وأهله في كتابه إحياء علوم الدين- في حين أنه يرمي إلى تكريم الفقه والفقهاء عن طريق ربط العبادات بمغازيها الأخلاقية وأهدافها الاجتماعية لكي لا تتحول إلى طقوس شكلية فارغة لان التشريعات ليست شيئا في حد ذاتها لولد القيم الروحية التي تلابسها .

وإذا اعتبرنا الغزالي بمثابة الرجل الذي حارب التقليد بكل أشكاله وأنواعه وعمل على ممارسته النقد بكل أبعاده وهذا يعني انه عقلا مارس فعل المطرقة وعمل على البناء ومؤمنا بالحرية شرط نجاح العملين فإذا كان الأمر كذلك فلماذا الوجه  المشوه الذي يلاحظ عليه الغزالي في بعض كتابات المفكرين العرب .
التجربة الصوفية عند الإمام أبي حامد محمد الغزالي
الفصل الثالث
_____________________
– عبدالسلام الغرميني، الصوفي والآخر دراسة نقدية  في الفكر الإسلامي المقارن شركة النشر التوزيع الدار البيضاء ص  89
– عبدالسلام الغرميني، الصوفي والآخر دراسة نقدية  في الفكر الإسلامي المقارن شركة النشر التوزيع الدار البيضاء ص  90
– محمد البهي، الفكر الإسلامي في تطوره ص 25.
– محمد الأمراني ، بين الفقه والتصوف الإمام الغزالي بين تعبد الفقهاء وتعبد الصوفية أنوال الثقافي ع 30 مارس 1985 ص 08



   3 Comments


  1. lisane l7aq
      28 November, 2013

    ليس التصوف بهذه الصورة التي أنزلتم رفقة الموضوع، بل هؤلاء مبتدعة التصوف، فهم أولا متشبهين بالنساء بشعورهم الطويلة المبعثر كأشباه الشياطين، إنهم لا يمثلون التصوف بالبثة بل يشوهونه، وانتم لم تفهموا أصل التصوف رغم انكم انزلتم او كتبتم فيه، فما هذا التناقض، احدفو الصورة فهي تشوه الموضوع وتطعن في مصداقية ماكتبتم ونشرتم

  2. naima
      28 November, 2013

    صدقت يا لسان الحق وما قلت الا الحق، فالصورة بعيدة كل البعد عن مضمون المقال، فهؤلاء مبتدعة شوهوا نظرة العالم نحو اتصوف السني الجُنيدي…والذي هو من ثوابث المملكة المغربية حفظها الله، مشكور او مشكورة.

  3. العز بن عبدالسلام
      12 April, 2015

    لماذا يحارب التصوف ويشوه ؟ لو تحول شباب المسلمون الى زهاد من سيذهب الى البنوك الربوية او يشتري سيارات بالقسط من سيذهب رحلات سياحية الى دول الكفر العالمية ثم من سيهب الى الفنادق لانفاق الالاف من الدولارات . انا لست صوفيا ولكنني تعاملت مع صوفيين وذهبت الى مجالسهم لم ارهم يخوضون في شي ابدا وكانوا يشغلون انفسهم بذكر الله ويتوددون الى بعضهم كانهم ملائكة لا يجوع صاحبهم ومن ارق الناس افئدة شهادة لله .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *